بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 241

القلوب بفتونه، ونفث بجفنه «1» الأطراف، وعبث من الكلام المشقّق الأطراف «2» ، وعلم كيف يلخّص «3» البيان، ويخلّص العقيان. فمن الحقّ أن أشكره على أياديه البيض، وأن آخذ لفظه «4» من معناه في طرف النقيض. تالله أيها الإمام الأكبر، والغمام المستمطر، والخبر «5» الذي يشفي سائله، والبحر الذي لا يرى ساحله، ما أنا المراد بهذا المسلك، ومن أين حصل «6» النور لهذا الحلك؟ وصحّ أن يقاس بين الحدّاد والملك؟ إنه لتواضع الأعزّة، وما يكون للأكارم «7» عند المكارم من العزّة، وتحريض الشيخ للتلميذ، في «8» إجازة الوضوء بالنّبيذ. ولو حضر الذي قضي له بجانب الغربيّ أمر البلاغة، وارتضى ما له في هذه الصناعة، من حسن السّبك لحليتها «9» والصّياغة، وأطاعته فيما أطلعته طاعة القوافي الحسان، وأتبعته فيما جمعته لكن بغير إحسان، لأذعن كما أذعنت، وظعن عن محلّ دعوى «10» الإجادة كما ظعنت، وأنّى يضاهى الفرات المعين «11» بالنّغبة «12» ، ويباهى بالفلوس من أوتي من الكنوز ما أنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة، وأي حظّ للكلالة في النّشب «13» ، وقد اتصل للورثة عمود النّسب. هيهات والله بعد «14» المطلب، وشتّان الدّرّ والخشلب «15» ، وقد سيم الغلب، ورجع إلى قيادة السّلب، وإن كنّا ممّن تقدّم لشدّة الظمإ إلى المنهل، وكمن أقدم إلى عين تبوك بعد النّهي للعل والنّهل. فقد ظهرت بذلك «16» المعجزة عيانا، وملئ ما هناك «17» جنانا، وما تعرّضنا بإساءة الأدب واللّوم، ولكن علمنا أن آخر الشّرب «18» ساقي القوم، وإن أسهبنا فما نلنا رتبة ذلك الإيجاز، وإن أعرقنا فهوانا في الحجاز، فلكم قصيرات الحجال، ولنا قصيرات الخطا في هذا المجال، وإكثارنا في قلّة، وجارنا من الفقر في فقر وذلّة. ومن لنا بواحدة يشرق ضياؤها، ويخفي النجوم خجلها منها وحياؤها؟ إن لم تطل فلأنها للفروع كالأصل، وفي المجموع «19» كليلة الوصل. فلو سطع نورها الزاهر، ونورها الذي تطيب منه


صفحه 242

الأنوار الأزاهر، لسجدت النّيران ليوسف ذلك الجمال، ووجدت نفحات ريّاها في أعطاف الجنوب والشمال، وأسرعت نحوها النفوس إسراع الحجيج يوم النّفر، وسار خبرها وسرى فصار حديث المقيمين والسّفر. وما أظن «1» تلك السّاخرة في تدلّيها «2» ، إلّا السّاحرة بتجنّيها، إذ كانت ربيبتها، بل ربيئتها، هذه التي سبقتني لمّا سقتني بسينها «3» ، ووجدت ريحها، لما فصلت من مصرها غيرها «4» وحين وصلت لم يدلني على سابقها «5» إلّا عبيرها، وكم رامت أن تستتر عني بليل حبرها في هذه المغاني، فأغراني بهاؤها وكل مغرم مغرى ببياض صبح الألفاظ والمعاني. وهل كان ينفعها تلفّحها بمرطها وتلفّعها؟ إذ نادتها المودّة، فقد عرفناك يا سودة. فأقبلت على شمّ نشرها وعرفها، ولثم سطرها وحرفها، وقريتها الثناء الحافل، وقرأتها فزيّنت بها المحاضر والمحافل «6» . ورمت أمر الجواب، فغرّتني «7» في الخطاب، لكن رسمت هذه الرّقعة التي هي لديكم بعجزي واشية، وإليكم منيّ على استحياء ماشية، وإن رقّ وجهها فما رقّت لها حاشية، فمنوا بقبولها على علّاتها «8» ، وانقعوا بماء سماحتكم حرّ غللها، فإنها وافدة من استقرّ قلبه عندكم وثوى، وأقرّ بأنه يلقط في هذه الصناعة ما يلقى للمساكين من النّوى. بقيتم، سيدي الأعلى «9» للفضل والإغضاء، ودمتم غرّة في جبين السّمحة البيضاء، واقتضيتم السعادة المتّصلة مدّة الاقتضاء، بيمن الله سبحانه. انتهى.
ومحاسنه عديدة، وآماده بعيدة.
دخوله غرناطة: دخلها مع المتوكل مخدومه، أو وجده بها.
من روى عنه: روي عن أبي الحسن سهل بن مالك.
وفاته: قال الأستاذ في الصلة «10» : انتقل إلى بجاية فتوفي بها في عشر الخمسين وستمائة «11» .


صفحه 243

محمد بن محمد بن أحمد بن شلبطور الهاشمي «1»
من أهل «2» ألمريّة، يكنى أبا عبد الله، من وجوه بلده وأعيانه، نشأ نبيه البيت، ساحبا بنفسه وبماله ذيل الحظوة، متحلّيا بخصل من خطّ وأدب، وزيرا، متجنّدا، ظريفا، دربا على ركوب البحر وقيادة الأساطيل. ثم انحطّ في هواه انحطاطا أضاع مروءته، واستهلك عقاره، وهدّ بيته، وألجأه أخيرا إلى اللّحاق بالعدوة فهلك بها.
وجرى ذكره في الإكليل بما نصّه «3» : مجموع شعر وخطّ، وذكاء عن درجة الظّرفاء غير منحطّ، إلى مجادة أثيلة البيت، شهيرة الحيّ والميت. نشأ في حجر التّرف والنعمة، محفوفا بالماليّة الجمّة، فلما غفل «4» عن ذاته، وترعرع بين لداته، أجرى خيول لذّاته، فلم يدع منها ربعا إلّا أقفره، ولا عقارا إلّا عقره، حتى حطّ بساحلها، واستولى بسعر «5» الإنفاق على جميع مراحلها، إلّا أنه خلص بنفس طيّبة، وسراوة سماؤها صيّبة، وتمتّع ما شاء من زير وبمّ «6» ، وتأنّس لا يعطي «7» القياد لهمّ.
وفي عفو الله سعة، وليس مع التوكل على الله ضعة.
شعره: من شعره «8» قوله يمدح السلطان، وأنشدها إياه بالمضارب من وادي الغيران عند قدومه من ألمرية «9» : [الطويل]
أثغرك أم سمط من الدّرّ ينظم؟ ... وريقك أم مسك به الرّاح تختم؟
ووجهك أم باد من الصّبح نيّر؟ ... وفرعك أم داج من الليل مظلم؟
أعلّل منك النفس والوجد متلفي ... وهل ينفع التّعليل والخطب أعظم 1» ؟
وأقنع من طيف الخيال يزورني «11» ... لو أنّ جفوني بالمنام تنعم
حملت الهوى حينا فلمّا علمته ... سلوت لأني بالمكارم مغرم


صفحه 244

ولي في أمير المسلمين محبّة ... فؤادي مشغوف بها ومتيّم
بلغت المنى لما لثمت يمينه ... فها أنذا في جنّة الخلد أنعم
يصوغ قومي الشّعر في طيب ذكره ... ويحسن فيه النّظم من ليس ينظم
فاستمسك الدّين الحنيف زمانه ... وقام منار الحقّ والشّرك مغرم
له نظر في المشكلات مؤيّد ... والله مهد إلى الرشد ملهم
ويستغرق طارحا فيه وابل جوده ... فمن فعله في جوده يتعلم
فلو أن أملاك البسيطة أنصفوا ... لألقوا إليه الأمر طوعا وسلّموا
وفي الدّين والدنيا وفي البأس والنّدى ... لكم يا بني نصر مقام معظّم
ومنها:
إليك أمير المسلمين اقتضيتها ... حمائل شكر طيرها مترنّم
تنمّ بعرف المسك أنفاسها ... إذا يفوه لراو في الندى بها فم
فباسمك سيّرت في المسامع ذكرها ... ويغزى في أقصى البلاد ويشمم
ولو أنني في المدح سحبان وائل ... وأنجدني فيه حبيب ومسلم
لما كنت إلّا عن علاك مقصّر ... ومن بعض ما نشدت وتولي وتنعم
بقيت ملاذا للأنام ورحمة ... وساعدك الإسعاد حيث يتمّم
ومن شعره مذيّلا على البيت الأخير حسبما نسب إليه «1» : [البسيط]
نامت جفونك يا سؤلي ولم أنم ... ما ذاك إلّا لفرط الوجد والألم «2»
أشكو إلى الله ما بي من محبّتكم ... فهو العليم بما نلقى من السّقم «3»
«إن كان سفك دمي أقصى مرادكم ... فما غلت نظرة منكم بسفك دمي»
وممّا نسب إليه كذلك «4» : [السريع]
قف بي وناد بين تلك الطّلول ... أين الألى كانوا عليها نزول
أين ليالينا بهم والمنى ... نجنيه غضّا بالرضا والقبول
لا حمّلوا بعض الذي حمّلوا ... يوم تولّت بالقباب الحمول
إن غبتم يا أهل نجد ففي ... قلبي أنتم وضلوعي حلول


صفحه 245

وممّا خاطبني «1» به: [الرجز]
تالله ما أورى زناد القلق ... سوى ريح «2» لاح لي بالأبرق «3»
أيقنت بالحين «4» فلولا نفحة ... نجديّة منكم تلافت رمقي
لكنت أقضي بتلظّي زفرة ... وحسرة بين الدموع «5» تلتقي
فآه من هول النّوى وما جنى ... على القلوب موقف التّفرّق
يا حاكي الغصن انثنى متوّجا ... بالبدر تحت لمّة من غسق
الله في نفس معنّى أقصدت ... من لاعج الشّوق بما لم تطق
أتى على أكثرها برح «6» الأسى ... دع ما مضى منها وأدرك ما بقي
ولو بإلمام خيال في الكرى ... إن ساعد الجفن رقيب الأرق
فربّ زور من خيال زائر ... أقرّ عينيّ وإن لم يصدق
شفيت «7» من برح الأسى لو أنّ من ... أصبح رقّي في يديه معتقي
ففي معاناة الليالي عائق ... عن التّصابي وفنون القلق
وفي ضمان ما يعاني المرء من ... نوائب الدهر مشيب المفرق
هذا لعمري مع أني لم أبت ... منها بشكوى روعة أو فرق «8»
فقد أخذت من خطوب غدرها ... بابن الخطيب الأمن ممّا أتّقي «9»
فخر الوزارة الذي ما مثله ... بدر علا في مغرب أو مشرق
ومذ أرانيه زماني لم أبل «10» ... من صرفه من مرعد «11» أو مبرق
لا سيما منذ «12» حططت في حمى ... جواره «13» الأمنع رحل أينقي
أيقنت أني في رجائي لم أخب ... وأنّ مسعى بغيتي لم يخفق
ندب له في كلّ حسن آية ... تناسبت في الخلق أو في «14» الخلق


صفحه 246

في وجهه مسحة بشر إن بدت ... تبهرجت أنوار شمس الأفق
تعتبر الأبصار في لألئها «1» ... عليه من نور السّماح المشرق
كالدهر في استينائه وبطشه ... كالسيف في حدّ الظّبا والرونق
إن بخل الغيث استهلّت يده «2» ... بوابل من غيث جود غدق
وإن وشت صفحة طرس انجلى ... ليل دجاها عن سنى مؤتلق
بمثلها من حبرات أخجلت ... حواشي الرّوض خدود المهرق
ما راق في الآذان أشناف سوى ... ملتقطات لفظه المفترق
تودّ أجياد الغواني أن يرى ... حليّها من درّ ذاك المنطق
فسل به هل آده «3» الأمر الذي ... حمّل في شرخ الشباب المونق؟
إذا رأى الرّأي فلا يخطئه ... يمن اختيار للطريق الأوفق
إيه أبا عبد الإله هاكها ... عذراء تحثو في وجوه السّبق
خذها إليك بكر فكر يزدري ... لديك بالأعشى لدى المحلّق «4»
لا زلت مرهوب الجناب مرتجى ... موصول عزّ في سعود ترتقي
مبلّغ الآمال فيما تبتغي ... مؤمّن الأغراض فيما «5» تتّقي
ناب «6» في القيادة البحرية عن خاله القائد أبي علي الرّنداحي، وولّي أسطول المنكّب برهة. توفي «7» بمراكش في «8» عام خمسة وخمسين وسبعمائة رحمه الله.
محمد بن محمد بن جعفر بن مشتمل الأسلمي
من أهل ألمرية، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالبلياني.


صفحه 247

حاله: قال شيخنا أبو البركات: ناب عني في بعض الأعمال بألمريّة، وخطب بنحانس من غربيها، ثم خطب بحمة مرشانة، وهو الآن بها، وعقد الشروط قبل بألمريّة. عفيف طاهر الذّيل، نبيل الأغراض، مهذّب الأخلاق، قيّم على القراءات والنحو والأدب، جيّد الشعر والكتابة...... «1» من الضبط، وإجادة العبارة عن المعنى المراد.
تواليفه: قال: له رجز في علم الكلام جيد، ورجز آخر في ألفاظ فصيح ثعلب، عريّ عن الحشو، على تقعير فيه يغتفر لما جمع من اقتصاره، وله تأليف في الوباء «2» سماه بإصلاح النّيّة في المسألة «3» الطاعونية.
مشيخته: قال: أخذ عنّي وعن أبيه جملة من الدواوين، وعن غيري من أهل بلده.
شعره: قال: ومما أنشدني من شعره قوله: [الطويل]
هفا بي من بين المغاني عقيقها ... ومن بينه انفضّت لعيني عقيقها
ومالت من البيداء عنها قبابه «4» ... وأشرقني بالدمع منها شروقها
يهيّج أنفاسي غراما نسيمها ... وتقدح نار الشوق عندي بروقها
ومن دون واديها ظباء «5» خوادل «6» ... حكى لحظها ماضي الشّفار رقيقها
فلو برزت للشمس «7» منهنّ في الضحى ... مخدّرة أضحت كمالا تفوقها
نسيم الصّبا، إن سيّرت نحو الحمى ... تحيّي «8» الدّيار النّازحات تشوقها
غريب كئيب مستهام متيّم ... جريح الجفون السّاهرات عريقها
فهل عطفة ترجى وهل أمل يرى ... بعودة أيام تقضّى أنيقها؟
سقتنا ومن أدمع الصّبّ جودها «9» ... ومن «10» ديم الغيث الملتّات ريقها


صفحه 248

قال: وأنشدني أيضا، وقال: كلفت إجازة هذا البيت الأول من هذه القصيدة، إذ ليس لي: [الكامل]
من عادلي؟ من ناصري أو منصفي «1» ؟ ... هذا دمي «2» سفكته بنت المنصف
أو من يخلّصني وقد أوهى صحي ... ح الجسم منّي لحظ طرف مدنف
جفن تحيّر والهوى يهديه ... لفؤاد كلّ من الهوى لم يألف
متناعس يهدي السّهاد ويصرع ال ... بطل الكميّ بلحظه المتضعّف
تبدو وتشدو للعيون وللمسا ... مع فهي بين مكحّل ومشنّف
ملكت بصنعتها عنان عنانها ... وعدت عليها كأنّها «3» لم تعرف
تغني إذا غنّت بطيب صوتها ... عن أن يزوّد لحنها بالمعزف
أمّا تغنّت أو تثنّت تهتف ... قمريّ نغمتها وغضّ المعطف
يأتي على تكرار «4» ما غنّت به ... صدقا بكلّ غريب مستطرف «5»
تهدي النفوس «6» على اختلاف طباعها ... من نبلها ما تشتهي بتلطّف
كنّا وجفن الدهر عنّا ناعس ... من «7» خلف ستر للأمان مسجّف
حتى وشى بالسّر دهر حاسد ... كلف بتنغيص الكريم الأشرف
واخجلتا إن لم أمت يوم النّوى ... لهفا وما إن كنت بعد بمنصف
لكنني مما نحلت وذبت لم ... يرني الحمام فكنت عنه أختفي «8»
كم ذا أبيت وليس لي من مسعد ... في حالتي غير الدموع الذّرف
يا هل ترى هذا الزمان وصرفه ... هل يسمحان بعودة وتألّف؟
صبرا أبا يعقوبهم فهي النّوى ... لولا همت شوقا للقيا يوسف
قال: وأنشدني أيضا لنفسه، والبيت الأخير لغيره: [البسيط]
ما للأحبّة في أحكامهم جاروا؟ ... نأوا جميعا فلا خلّ ولا جار