بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 247

حاله: قال شيخنا أبو البركات: ناب عني في بعض الأعمال بألمريّة، وخطب بنحانس من غربيها، ثم خطب بحمة مرشانة، وهو الآن بها، وعقد الشروط قبل بألمريّة. عفيف طاهر الذّيل، نبيل الأغراض، مهذّب الأخلاق، قيّم على القراءات والنحو والأدب، جيّد الشعر والكتابة...... «1» من الضبط، وإجادة العبارة عن المعنى المراد.
تواليفه: قال: له رجز في علم الكلام جيد، ورجز آخر في ألفاظ فصيح ثعلب، عريّ عن الحشو، على تقعير فيه يغتفر لما جمع من اقتصاره، وله تأليف في الوباء «2» سماه بإصلاح النّيّة في المسألة «3» الطاعونية.
مشيخته: قال: أخذ عنّي وعن أبيه جملة من الدواوين، وعن غيري من أهل بلده.
شعره: قال: ومما أنشدني من شعره قوله: [الطويل]
هفا بي من بين المغاني عقيقها ... ومن بينه انفضّت لعيني عقيقها
ومالت من البيداء عنها قبابه «4» ... وأشرقني بالدمع منها شروقها
يهيّج أنفاسي غراما نسيمها ... وتقدح نار الشوق عندي بروقها
ومن دون واديها ظباء «5» خوادل «6» ... حكى لحظها ماضي الشّفار رقيقها
فلو برزت للشمس «7» منهنّ في الضحى ... مخدّرة أضحت كمالا تفوقها
نسيم الصّبا، إن سيّرت نحو الحمى ... تحيّي «8» الدّيار النّازحات تشوقها
غريب كئيب مستهام متيّم ... جريح الجفون السّاهرات عريقها
فهل عطفة ترجى وهل أمل يرى ... بعودة أيام تقضّى أنيقها؟
سقتنا ومن أدمع الصّبّ جودها «9» ... ومن «10» ديم الغيث الملتّات ريقها


صفحه 248

قال: وأنشدني أيضا، وقال: كلفت إجازة هذا البيت الأول من هذه القصيدة، إذ ليس لي: [الكامل]
من عادلي؟ من ناصري أو منصفي «1» ؟ ... هذا دمي «2» سفكته بنت المنصف
أو من يخلّصني وقد أوهى صحي ... ح الجسم منّي لحظ طرف مدنف
جفن تحيّر والهوى يهديه ... لفؤاد كلّ من الهوى لم يألف
متناعس يهدي السّهاد ويصرع ال ... بطل الكميّ بلحظه المتضعّف
تبدو وتشدو للعيون وللمسا ... مع فهي بين مكحّل ومشنّف
ملكت بصنعتها عنان عنانها ... وعدت عليها كأنّها «3» لم تعرف
تغني إذا غنّت بطيب صوتها ... عن أن يزوّد لحنها بالمعزف
أمّا تغنّت أو تثنّت تهتف ... قمريّ نغمتها وغضّ المعطف
يأتي على تكرار «4» ما غنّت به ... صدقا بكلّ غريب مستطرف «5»
تهدي النفوس «6» على اختلاف طباعها ... من نبلها ما تشتهي بتلطّف
كنّا وجفن الدهر عنّا ناعس ... من «7» خلف ستر للأمان مسجّف
حتى وشى بالسّر دهر حاسد ... كلف بتنغيص الكريم الأشرف
واخجلتا إن لم أمت يوم النّوى ... لهفا وما إن كنت بعد بمنصف
لكنني مما نحلت وذبت لم ... يرني الحمام فكنت عنه أختفي «8»
كم ذا أبيت وليس لي من مسعد ... في حالتي غير الدموع الذّرف
يا هل ترى هذا الزمان وصرفه ... هل يسمحان بعودة وتألّف؟
صبرا أبا يعقوبهم فهي النّوى ... لولا همت شوقا للقيا يوسف
قال: وأنشدني أيضا لنفسه، والبيت الأخير لغيره: [البسيط]
ما للأحبّة في أحكامهم جاروا؟ ... نأوا جميعا فلا خلّ ولا جار


صفحه 249

كيف البقاء «1» وقد بانت قبابهم ... وقد خلت منهم وا أسفي الدّار؟
حداة تمسهم بالقلب قد رحلوا ... يا ليتهم حملوا الجثمان إذ ساروا «2»
جار الزمان علينا في فراقهم ... من قبل أن تنقضي للصّبّ أوطار
ساروا فخيّمت الأشواق بعدهم ... ما لي عليها سوى الآماق أنصار
تراك يا ربعهم ترجو رجوعهم؟ ... يا ليت لو ساعدت في ذاك أقدار
ودّعت منهم شموسا ما مطالعها ... إلّا من الوشي أطواق وأزرار
أستودع الله من فاز الفراق بهم ... وخلّفونا «3» ودمع العين مدرار
قلت: ولا خفاء بتخلّف هذا النمط عن الإجادة، والله يقبض ويبسط، وشافعنا عرض الإكثار.
وفاته: توفي في آخر أربعة وستين وسبعمائة.
محمد بن محمد بن حزب الله «4»
من أهل وادي آش، يكنى أبا عبد الله، ويعرف باسم جدّه.
حاله: دمث، متخلق، سهل الجانب، كثير الدّعابة، خفيف الروح، له خطّ حسن، ووراقة بديعة، وإحكام لبعض العملية، واقتدار على النظم. اتصل بباب السلطان ملك المغرب، وارتسم كاتبا مع الجملة، فارتاش، وحسنت حاله.
وجرى ذكره في الإكليل الزاهر بما نصّه: راقم «5» واشي، رقيق الجوانب والحواشي، تزهى بخطّه المهارق والطروس، وتتجلّى في حلل بدائعه كما تتجلّى العروس، إلى خلق كثير التجمل، ونفس عظيمة التحمّل. ودود سهل الجانب، عذب المذانب. لمّا قضيت الوقيعة بطريف «6» ، أقال الله عثارها، وعجّل ثارها، قذف به موج ذلك البحر، وتفلّت إفلات الهدي المقرب إلى النحر، ورمى به إلى رندة القرار، وقد عرى من أثوابه كما عرى الغرار، فتعرّف للحين بأديبها المفلق، وبارقها المتألق


صفحه 250

أبي الحجاج المنتشافري، فراقه ببشر لقائه، ونهل على الظمأ في سقائه، وكانت بينهما مخاطبات، أنشدنيها بعد إيابه، وأخبرني بما كان من ذهاب زاده وسلب ثيابه.
وخاطبني من شرح حاله في ارتحاله بما نصّه: ولما دخلت رندة الأنيقة البطاح، المحتوية على الأدب والسّماح، والعلم والصلاح، أبرز القدر أن لقيت بها شيخنا المعمّر رئيس الأدباء، وقدوة الفقهاء، أبا الحجاج المنتشافري، وكنت لم أشاهده قبل هذا العيان، ولا سمح لي بلقائه صرف الزمان، ولم أزل أكلف بمقطوعاته العجيبة، وأولع بضرائبه الغريبة، وتأتي منه مخاطبات تزري بالعقود بهجة، وتطير لها العقود لهجة. نظم كما تنفّس الصبح عن تسيمه، ونثر كما تأسس الدّر بتنظيمه، فأحلّني منه محلّ الروح من الجسد، وشهد لي أني أعزّ من عليه ورد، ورآني قد ظهرت على مضاضة الاكتئاب، لكوني قريب عهد بالإياب، مهزوما انهزام الأحزاب، خالي الوطاب «1» ، نزر الثياب، فقال: فيم الجزع، ذهب بحول الله الخوف وأمن الفزع، فأجبته عجلا، وقلت أخاطبه مرتجلا: [الكامل]
لا تجزعي، نفسي، لفقد معاشري ... وذهاب مالي في سبيل القادر
يا رندة «2» ، ها أنت خير بلاده ... وبها أبو حجاج المنتشافري
سيريك حسن فرائد من نظمه ... فتزيل كل كآبة في الخاطر
فأجابني مرتجلا: [الكامل]
سرّاي، يا قلبي المشوق، وناظري، ... بمزار ذي الشّرف السّنيّ الطاهر
روض المعارف زهرها الزّاهي ... أوصافه «3» أعيت ثناء «4» الشاكر
ولواد آش من «5» فخار لم يزل ... من كابن حزب الله نور النّاظر
وافى يشرّف رندة بقدومه ... فغدت به أفقا لبدر زاهر
من روضة الأدباء أبدى زهرة ... قد أينعت عن فكر حبر ماهر
جمع المآثر بالسّناء «6» وبالسّنا ... أعظم به من صانع لمآثر
ما زلت أسمع من ثناه مآثرا ... كانت لسامعها معا والذّاكر


صفحه 251

حتى رأى بصري حقائق وصفه ... فتنعّمت كالأقمار نواظري «1»
لا زال محبوّا بكل مسرّة ... تجري له بالحظّ حكم مغادر
ثم خاطبه القاضي المنتشاقري بعد انصرافه إلى وطنه بقوله: [المتقارب]
أبى الدّمع بعدك إلّا انفجارا ... لدهر ببعدك في الحكم جارا
أذاق اللقاء الحلو لو لم يصل «2» ... به للنّوى جرعات مرارا
رعى الله لمح ذاك اللقاء ... وإن يك أشواقنا قد أثارا
قصاراي شكواي طول النوى ... وفقدي أناة وصل قصارا
سقتني القداح ومن بعده ... فؤادي «3» القريح قد اذكت أوارا
ألا يا صبا، هبّ من أربعي ... إلى وادي آشي «4» تحي الدّيارا
ألا خصّ من ربعها منزلا ... بأربابه الأكرمين استنارا
وهم إلى حزب الإله الألى «5» ... تساموا فخارا وطابوا نجارا
فأجابه بأبيات منها «6» :
تألّق برق العلا واستنارا ... فأجّج إذ لاح في القلب نارا
وذكّرني وقت «7» أنس مضى ... برندة حيث الجلال استشارا «8»
وكانت لنفسي سنا «9» في حماها ... طوالا فأصبحت «10» لديها قصارا
فأجريت دمع العيون اشتياقا ... ففاضت لأجل فراقي بحارا
وقالت لي النّفس من لم يجد ... نصيرا سوى الدّمع قلّ انتصارا
قطعت المنى عندها لمحة ... وودّعتها وامتطيت القفارا
وضيّعت تلك المنى غفلة ... ووافيت أبغي المنى «11» ديارا «12»
ومنها:
أرقت لذاك السّنا ليلة ... وما نومها ذقت إلّا غرارا


صفحه 252

وجسمي أجلّ الجسوم التهابا ... وقلبي أشدّ القلوب انكسارا
إلى أن تجرّعت كأس النّوى ... وقلت زماني على الشّمل جارا
وصبّرت نفسي لفقدانها ... هنالك بالرّغم ليس اختيارا
وقال من قصيدة «1» : [الطويل]
حننت «2» لبرق لاح من سرحتي نجد ... حنين تهاميّ «3» يحنّ «4» إلى نجد
وقلت لعلّ القلب تبرا كلومه ... ومن ذا يصدّ النار عن شيمة الوقد؟
لكن «5» شاركتني في المحبّة فرقة ... فها أنا في وجدي وفي كلفي وحدي «6»
وهو إلى هذا العهد بالحال الموصوفة.
محمد بن إبراهيم بن عيسى بن داود الحميري «7»
من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن عيسى.
حاله: كان أديبا، حسن الخطّ، جيّد النظم، متظرّفا، لوذعيّا، مطبوعا، منحطّا في هواه، جامحا في ميدان بطالته، معاقرا للنّبيذ، على حفظ للرسم، واضطلاع بالخدمة، وإيثار للمروءة، ومعرفة بمقادير الأمور، وتشبّث بأذيال الحظوة. كتب للرئاسة السّعيدية بمالقة، ونظر على ألقاب جبايتها، وانتفع الناس بجاهه وماله، ووقع الثناء على حسن وساطته. ثم سافر عنها، وقد سمت مجادة السلطان في غرض انتقالها إلى العدوة، معوّضة بمدينة سلا من مالقة. وكان ما كان من معاجلة الأمر، والقبض على الريّس، وقيام ولده بالأمر، فانبتّ المذكور بالعدوة، وكانت بها وفاته.
وجرى ذكره في الإكليل الزاهر بما نصه «8» : علم من أعلام هذا الفن،


صفحه 253

ومشعشعي «1» راح هذا الدّن، بمجموع «2» أدوات، وفارس يراعة ودواة «3» ، ظريف المنزع، أنيق المرأى والمسمع، اختصّ بالرئاسة وأدار «4» فلك إمارتها، واتّسم باسم كتابتها ووزارتها، ناهضا بالأعباء، راقيا «5» في درج «6» التقريب والاجتباء، مصانعا دهره في راح وراحة، آويا إلى فضل وسماحة، وخصب ساحة، كلما فرغ من شأن خدمته، وانصرف عن ربّ نعمته، عقد شربا، وأطفأ من الاهتمام بغير الأيام حربا، وعكف على صوت يستعيده، وظرف يبديه ويعيده. فلما تقلّبت «7» بالرئاسة الحال، وقوّضت منها الرحال، استقرّ بالمغرب غريبا، يقلّب طرفا مستريبا، ويلحظ الدنيا تبعة عليه وتثريبا «8» ، وإن كان لم يعدم من أمرائها «9» حظوة وتقريبا، وما برح يبوح بشجنه، ويرتاح إلى عهود وطنه.
شعره وكتابته: ممّا كتبه، وبيّن فيه أدبه قوله «10» : [الكامل]
يا نازحين ولم أفارق منهم ... شوقا تأجّج في الضّلوع «11» ضرامه
غيّبتم عن ناظري وشخصكم ... حيث استقرّ من الضلوع مقامه
رمت النّوى شملي فشتّت نظمه ... والبين رام لا تطيش سهامه
وقد اعتدى فينا وجدّ مبالغا ... وجرت بمحكم جوره أحكامه
أترى الزمان مؤخّرا في مدّتي ... حتى أراه قد انقضت أيّامه
تحملها «12» يا نسيم نجديّة النّفحات، وجديّة اللّفحات، يؤدي «13» عني نغمها إلى الأحبّة سلاما، ويورد «14» عليهم لفحها بردا وسلاما، ولا تقل كيف تحمّلني نارا، وترسل على الأحبّة مني إعصارا، كلّا إذا أهديتهم تحية إيناسي، وآنسوا من جانب هبوبك نار ضرام أنفاسي، وارتاحوا إلى هبوبك، واهتزّوا في كفّ مسرى جنوبك،


صفحه 254

وتعللّوا بها تعليلا، وأوسعوا آثار مهبّك تقبيلا، أرسلها عليهم بليلا، وخاطبهم بلطافة تلطفّك تعليلا. ألم تروني كيف جئتكم بما حملني عليلا «1» : [الوافر]
كذاك «2» تركته ملقى بأرض ... له فيها التعلّل بالرّياح
إذا هبّت إليه صبا إليها ... وإن جاءته من كلّ النواحي
تساعده الحمائم حين يبكي ... فما ينفكّ موصول النّياح «3»
يخاطبهنّ مهما طرن شوقا ... أما فيكنّ واهبة «4» الجناح؟
ولولا «5» تعلّله بالأماني، وتحدّث نفسه بزمان التّداني، لكان قد قضى نحبه، ولم أبلّغكم إلّا نعيه أو ندبه، لكنه يتعلّل من الآمال بالوعد الممطول، ويتطارح باقتراحاته على الزمن المجهول، ويحدّث نفسه وقد قنعت من بروق الآمال بالخلّب «6» ، ووثقت بمواعيد الدهر القلّب «7» ، فيناجيها بوحي ضميره، وإيماء تصويره: كيف أجدك يوم الالتقاء بالأحباب، والتخلّص من ربقة الاغتراب؟ أبائنة الحضور أم بادية الاضطراب؟ كأنّي بك وقد استفزّك وله السرور، فصرفك عن مشاهدة الحضور، وعاقتك غشاوة الاستعبار للاستبشار، عن اجتلاء محيّا ذلك النهار «8» : [البسيط]
يوم يداوي زماناتي من ازماني ... أزال «9» تنغيص أحياني فأحياني
جعلت لله نذرا صومه أبدا ... أفي به وأوفّي شرط إيماني
إذا ارتفعنا وزال البعد وانقطعت ... أشطان دهر قد التفّت بأشطاني «10»
أعدّه «11» خير أعياد الزمان إذا ... أوطاني السّعد فيه ترب أوطاني
أرأيت «12» كيف ارتياحي إلى التّذكار، وانقيادي إلى معلّلات توهّمات الأفكار؟
كأنّ البعد باستغراقها قد طويت شقّته، وذهبت عني مشقّته، وكأنّي بالتّخيّل بين تلك