ووقفت من شعره على قصيدة من جملة رسالة، أثبتها وهي «1» : [الطويل]
أللبرق يبدو تستطير «2» الجوانح ... وللورق تشدو تستهلّ «3» السّوافح «4»
وقلبي «5» للبرق الخفوق مساعد ... ووجدي «6» للورق الثكالى مطارح
إذا البرق أورى في الظلام زنادي «7» ... فللوجد في زند الصّبابة قادح
وكم وقفة لي حيث مال بي الهوى ... أغادي «8» بها شكوى الجوى وأراوح
تنازعني منها الشّجون «9» فأشتكي ... ويكثر بثّي عندها فأسامح
أبثّ شجوني والحمام يصيخ لي ... ويسعدني فيما تبيح «10» التّبارح
وتطرب أغصان الأراك فتنثني ... إلى صفحة النهر الصّقيل «11» تصافح
فتبتسم الأزهار منها تعجّبا ... فتهدي إليها عرفها وتنافح
كذلك حتى ماد عطف مثقّفي «12» ... وطرفي أبدى هزّة وهو مارح
فلمّا التظى وجدي ترنّم صاهلا ... فقلت: أمثلي يشتكي الوجد نابح «13» ؟
صرفت عدوّ البيد أرخو عنانه «14» ... وقلت له: شمّر فإنّي «15» سابح «16»
تهيّأ لقطع البيد واعتسف السّرى ... سيلقاك غيظان بها وممايح «17»
فحمحم لو يسطيع «18» نطقا لقال له «19» ... بمثلي تلقى هذه وتكافح
وحمّلته عزما تعوّد مثله ... فقام به مستقبلا من يناطح
ويمّمت بيدا لم أصاحب لجوّها «1» ... سوى جلد لا يتّقى منه فاضح «2»
وماضي الغرارين «3» استجدت مضاءه «4» ... إذا جرّدت يوم الجلاد الصّفائح
ومندمج صدق الأنابيب نافذ به ... عند كرّي في الحروب أفاتح
وسرت فلا ألقى سوى الوحش نافرا ... وقد شردت عنّي الظّباء «5» السوانح
تحدّق نحوي «6» أعينا لم يلح لها ... هنالك إنسيّ «7» ولا هو لائح
وقد زأرت أسد تقحّمت غيلها ... فقلت: تعاوت إنها لنوابح
وكم طاف بي للخبر «8» من طائف بها «9» ... فلم أصغ سمعا نحوها وهو صائح
ويعرض لي وجها دميما ومنظرا ... شنيعا له تبدو عليه القبائح
فما راعني منه تلوّن حاله ... بل ايقظ عزمي فانثنى وهو كالح
فلمّا اكتست شمس العشيّ شحوبها ... ومالت إلى أفق الغروب تنازح «10»
تسربلت للإدلاج جنح دجنّة ... فها «11» أنذا غرسي إلى القصد جانح
فخضت «12» ظلام الليل والنّجم شاخص ... إليّ بلحظ «13» طرفه لي لامح
يردّده «14» شزرا إليّ كأنما ... عليّ له حقد به لا يسامح
وراقب من شكل «15» السّماك نظيره ... خلا أنّ شكلي «16» أعزل وهو رامح
يخطّ وميض البرق لي منه أسطرا ... على صفحة الظّلماء فهي لوائح
إذا خطّها ما بين عينيّ لم أزل «17» ... أكلّف دمعي نحوها فهو طامح
وما زلت سرّا في حشا النبل «18» كامنا ... إلى أن بدا من ناسم الصّبح فاتح «19»
وهبّ نسيم الصبح فانعطفت «1» له ... قدود غصون قد رقتها صوادح «2»
تجاذبن «3» من ذكري أحاديث لم تزل ... يردّدها منها «4» مجدّ ومازح
وملت إلى التّعريس لما انقضى السّرى ... أروض له نفسي وعزمي جامح
ومال الكرى بي ميلة سكنت لها ... على نصب الوعثاء منّي الجوارح «5»
كم «6» أخذت منه الشّمول بثارها ... فبات يسقّى «7» وهو ريّان طافح
وقرّبت الأحلام لي كلّ مأمل «8» ... فأدنته منيّ وهو في الحقّ نازح
أرتني وجوها لو بذلت لقربها ... حياتي لمن بالقرب منه يسامح
لقلّ لها عمري وما ملكت يدي ... وحدّثت «9» نفسي أنّ تجري «10» رابح
وما زلت أشكو بيننا غصص «11» النّوى ... وما طوّحت بي في الزمان الطوائح
فمنها ثغور للسّرور بواسم ... لقربه «12» ومنها للفراق نوائح
تقرّبها الأحلام منّي ودونها ... مهامه فيها للهجير لوافح
وبحر طمت أمواجه وشآبيب «13» ... وقفر به للسّالكين جوامح «14»
قضيت حقوق الشوق في زورة الكرى «15» ... فإنّ زيارات الكرى لموانح
يقرّبن «16» آمالا تباعد بينها ... وتعبث فيها بالنفوس الطّوامح «17»
فلمّا تولّى عنّي النوم أعقبت «18» ... هموم أثارتها الشّجون فوادح
وعدت إلى شكوى البلاء «19» ولم أزل ... أردّدها والعذر منّي واضح
وما بلّغت عني مشافهة الكرى ... تبلّغها عنّي الرياح اللّواقح «20»
وحسبك قلب في إسار اشتياقه ... وقد أسلمته في يديه الجوانح
وفاته: قال شيخنا أبو بكر بن شبرين: توفي بسجلماسة في صفر عام ستة عشر وسبعمائة.
محمد بن محمد بن عبد الله بن مقاتل «1»
من أهل مالقة، يكنى أبا بكر.
حاله: من كتاب الإكليل: نابغة «2» مالقية، وخلف وبقيّة، ومغربي الوطن، أخلاقه مشرقيّة. أزمع الرحيل إلى المشرق، مع اخضرار العود وسواد المفرق «3» ، فلمّا توسّطت السفينة اللّجج، وقارعت الثّبج «4» ، مال «5» عليها البحر فسقاها كأس الحمام، وأولدها قبل التمام، وكان فيمن اشتملت عليه أعوادها، وانضمّ على نوره سوادها، جملة «6» من الطلبة والأدباء، وأبناء السراة الحسباء، أصبح كلّ منهم مطيعا، لداعي الرّدى وسميعا، وأحيوا فرادى وماتوا جميعا، فأجروا الدموع حزنا، وأرسلوا العبرات عليهم مزنا. وكأنّ «7» البحر لمّا طمس سبل «8» خلاصهم وسدّها، وأحال «9» هضبة سفينتهم وهدّها، غار على نفوسهم النّفيسة واستردها «10» . والفقيه أبو بكر مع إكثاره، وانقياد نظامه ونثاره، لم أظفر من أدبه إلّا بالقليل التافه، بعد وداعه وانصرافه.
فمن ذلك قوله وقد أبصر فتى عاثرا «11» : [الكامل]
ومهفهف هافي المعاطف أحور ... فضحت أشعّة نوره الأقمارا
زلّت له قدم فأصبح عاثرا ... بين الأنام لعا «12» لذاك عثارا
لو كنت أعلم ما يكون فرشت في ... ذاك المكان الخدّ والأشفارا «13»
وقال متغزّلا «1» : [الطويل]
أيا لبني الرّفاء تنضي ظباؤهم ... جفون ظباهم والفؤاد «2» كليم
لقد قطّع الأحشاء منهم مهفهف ... له التّبر خدّ واللّجين أديم
يسدّد إذ يرمي قسيّ حواجب ... وأسهمها من مقلتيه تسوم
وتسقمني عيناه وهي سقيمة ... ومن عجب سقم جناه سقيم
ويذبل جسمي في هواه صبابة ... وفي وصله للعاشقين نعيم
وفاته: توفي في حدود أخريات عام تسعة وثلاثين وسبعمائة غريقا بأحواز الغبطة من ساحل ألمريّة.
محمد بن أحمد بن أحمد بن صفوان القيسي
ولد الشيخ أبي الطاهر، من أهل مالقة.
من كتاب الإكليل: نبيل فطن، متحرك ذهن، كان أبوه، رحمه الله، يتبرّم بجداله، ويخشى مواقع رشق نباله، ويشيم بأرقّ الاعتراض في سؤاله، فيشفق من اختلال خلاله، إذ طريقه إنما هي أذواق لا تشرح، وأسرار لا تفضح. وكان ممن اخترم، وجدّ حبل أمله وصرم، فأفل عقب أبيه، وكان له أدب يخوض فيه.
فمن ذلك، وقد أبصر فتى وسيما على ريحانه: [البسيط]
بدر تجلّى على غصن من الآس ... يبري ويسقم فهو الممرض الآسي
عادى المنازل إلّا القلب منزلة ... فما له وجميع الناس من ناس
وقال:
يا عالما بالسّرّ والجهر ... وملجأي في العسر واليسر
جد لي بما أملته منك ... مولاي «3» واجبر بالرّضا كسري
وفاته: في عام خمسة وسبعمائة.
محمد بن محمد بن عبد الواحد بن محمد البلوي «4»
من أهل ألمريّة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بنسبه، وقد مرّ ذكر أبيه في العمّال.
حاله: هذا «1» الرجل من أبناء النّعم، وذوي البيوتات، كثير السكون والحياء، آل به ذلك أخيرا للوثة «2» لم يستفق منها، لطف الله به. حسن الخطّ، مطبوع الأدب، سيّال الطبع، معينه. وناب عن بعض القضاة، وهو الآن رهين ما ذكر، يتمنّى أهله وفاته «3» ، والله وليّ المعافاة بفضله «4» .
وجرى ذكره في الإكليل بما نصّه «5» : من أولي الخلال «6» البارعة والخصال، خطّا رائقا، ونظما بمثله لائقا، ودعابة يسترها تجهّم، وسكوتا «7» في طيّه إدراك وتفهّم. عني بالرواية «8» والتقييد، ومال في النظم إلى بعض التوليد، وله أصالة ثبتت «9» في السّرو عروقها، وتألّقت في سماء المجادة بروقها، وتصرّف بين النيابة في الأحكام الشرعية، وبين الشهادات العملية «10» المرعية.
شعره: ومن شعره فيما خاطبني به، مهنئا في إعذار أولادي، أسعدهم الله، افتتح ذلك بأن قال:
قال يعتذر عن خدمة الإعذار، ويصل المدح والثناء على بعد الدار، وذلك بتاريخ الوسط من شعبان في عام تسعة وأربعين وسبعمائة «11» : [الكامل]
لا عذر لي عن خدمة الإعذار «12» ... ولئن «13» نأى وطني وشطّ مزاري
أو عاقني عنه الزمان وصرفه ... تقضي الأماني «14» عادة الأعصار
قد كنت أرغب أن أفوز «15» بخدمتي ... وأحطّ رحلي «16» عند باب الدار
بادي «17» المسرّة بالصنيع «18» وأهله ... متشمّرا فيه بفضل إزاري «19»
من شاء أن يلقى الزمان وأهله ... ويرى جلا الإشعاع في الأفكار «1»
فليأت حيّ ابن الخطيب ملبّيا ... فيفوز بالإعظام والإكبار
كم ضمّ من صيد «2» كرام فضلهم «3» ... يسمو ويعلو في ذوي الأقدار
إن جئت ناديه فنب «4» عنّي وقل ... نلت المنى بتلطف ووقار
يا من له الشرف القديم ومن له ال ... حسب الصميم العدّ يوم فخار
يهنيك ما قد نلت من أمل به ... في الفرقدين النّيّرين لساري «5»
تجلاك قطبا كلّ تجر «6» باذخ ... أملان مرجوّان في الإعسار «7»
عبد الإله وصنوه قمر العلا ... فرعان من أصل زكا ونجار «8»
ناهيك من قمرين في أفق العلا ... ينميهما نور من الأنوار
زاكي الأرومة «9» معرق «10» في مجده ... جمّ الفضائل طيّب الأخبار
رقّت طبائعه وراق جماله ... فكأنما خلقا من الأزهار
وحلت «11» شمائل حسنه فكأنما ... خلعت عليه رقّة الأسحار
فإذا تكلّم قلت طلّ «12» ساقط ... أو وقع درّ من نحور جواري
أو فتّ مسك الحبر «13» في قرطاسه ... بالروض «14» غبّ الواكف المدرار
تتبسّم «15» الأقلام بين بنانه ... فتريك نظم الدرّ في الأسطار «16»
فتخال من تلك البنان كمائما ... ظلّت «17» تفتّح ناضر النّوّار
تلقاه فيّاض الندى متهلّلا ... يلقاك بالبشرى والاستبشار
بحر البلاغة قسّها وأيادها ... سحبانها خبر من الأخبار «1»
إن ناظر العلماء فهو إمامهم ... شرف المعارف، واحد النّظّار
أربى على العلماء بالصّيت الذي ... قد طار «2» في الآفاق كل مطار
ما ضرّه إن لم يجيء متقدّما ... بالسّبق «3» يعرف آخر المضمار
إن كان أخّره الزمان لحكمة ... ظهرت وما خفيت كضوء نهار
الشمس تحجب وهي أعظم نيّر «4» ... وترى من الآفاق إثر دراري
يا ابن الخطيب خطبتها لعلاكم ... بكرا تزفّ لكم من الأفكار
جاءتك من خجل على قدم الحيا ... قد طيّبت بثنائك المعطار
وأتت «5» تؤدّي بعض حقّ واجب ... عن نازح الأوطان والأوطار «6»
مدّت يد التّطفيل نحو علاكم ... فتوشّحت «7» من جودكم «8» بنضار
فابذل لها في النّقد صفحك إنها ... تشكو من التّقصير «9» في الأشعار
لا زلت في دعة وعزّ دائم ... ومسرّة تترى «10» مع الأعمار «11»
ومن السّلطانيات قوله من قصيدة نسيبها: [الطويل]
تبسّم ثغر الدهر في القضب الملد ... فأذكى الحياء «12» خجلة وجنة الورد
ونبّه وقع الطّلّ ألحاظ نرجس ... فمال إلى الوسنان، عاد إلى الشّهد «13»
وثمّ لسبر «14» الروض في مسكة الدّجى ... نسيم شذا الخير كالمسك والنّدّ
وغطّى ظلام الليل حمرة أفقه ... كما دار مسودّ العذار على الخدّ
وباتت قلوب الشّهب تخفق رقّة ... لما حلّ بالمشتاق من لوعة الوجد
وأهمى عليه الغيم أجفان مشفق ... يذكّره «15» فاستمطر الدّمع للخدّ