وكأنه لما توقّر فوقها «1» ... نور تجسّم من ندى الأحداق
لو بارح نفح النّوى في روضة ... فأثارها وسرى عن الأحداق
ولقد جلوا والله يدرأ كيدهم ... فتّانة الأوصاف والأعراق
أغوى بها إبليس قدما آدم «2» ... والسّرّ يرمى في هواها الباقي «3»
تالله أصرف نحوها وجد الرضا ... لو شعشعت برضا أبي إسحاق
ومن نسيبه «4» : [المنسرح]
وليلة عنبريّة الأفق ... رويت فيها السرور من طرق
وكنت حرّان فاقتدحت بها ... نارا من الرّاح برّدت حرقي «5»
وافت «6» بها «7» عاطلا وقد لبست ... غلالة فصّلت من الحدق
فاجا «8» بها الدهر من بنيه دجى «9» ... لقيته كالإصباح في نسق «10»
قامت لنا في المقام أوجههم ... وراحهم بالنجوم والشّفق
وأطلع «11» البدر من ذرى غصن ... تهفو عليه القلوب كالورق
من عبد شمس بدا سناه وهل ... ذا «12» النور «13» إلّا لذلك «14» الأفق
مدّ بحمراء من مدامته ... بيضاء كفّ «15» مسكيّة العبق
فخلتها وردة منعّمة ... تحمل من سوسن على طبق
يشرب في الراح حين يشربها «1» ... ما غادرت مقلتاه من رمق «2»
وقال «3» : [المنسرح]
يا حبذا ليلة لنا سلفت ... أغرت بنفسي الهوى وما «4» عرفت
دارت بظلمائها المدام فكم ... نرجسة من بنفسج قطفت
وقال في مغنّ زار، بعده أغبّ وشطّ المزار «5» : [الكامل]
وافى وقد عظمت عليّ ذنوبه ... في غيبة قبحت بها آثاره
فمحا إساءته لنا «6» إحسانه ... واستغفرت لذنوبه أوتاره
وقال يعتذر عن استبطاء مكاتبة «7» : [الطويل]
ألم تعلموا «8» والقلب رهن لديكم ... يخبّركم «9» عني بمضجره «10» بعدي؟
فلو «11» قلّبتني «12» الحادثات مكانكم ... لأنهبتها وفري وأوطأتها «13» خدّي
ألم تعلموا أني وأهلي وواحد «14» ... فداء «15» ولا أرضى بتفدية «16» وحدي؟
ومن قوله في غرض المدح يخاطب تاشفين بن علي، ويذكر الوقعة بكركى، يقول فيها: [البسيط]
الله أعطاك فتحا غير مشترك ... وردّ عزمك عن فوت إلى درك
أرسل عنان جواد أنت راكبه ... واضمم يديك ودعه في يد الملك
حتى يصير إلى الحسنى على ثقة ... يهدي سبيلك هاد غير مؤتعك
قد كان بعدك للأعداء مملكة ... حتى استدرّت عليهم كورة الفلك
سارت بك الجرد «1» أو طار الفضاء «2» بها ... والحين قد قيّد الأعداء في شرك
فما تركت كميّا غير منعفر ... ولا تركت نجيعا غير منسفك
ناموا وما نام موتور على حنق ... أسدى إذا فرصة ليست «3» من السلك
فصبّحتهم جنود الله باطشة ... والصبح من عبرات الفجر في مسك
من كل مبتدر كالنّجم منكدر ... تفيض أنفسهم غيظا من المسك
فطاعنوكم بأرماح وما طعنت ... وضاربوكم بأسياف ولم تحك
تعجّل النّحر فيهم قبل موسمه ... وقدّم الهدي منهم كلّ ذي نسك
فالطير عاكفة والوحش واقفة ... قد أثقلتها لحوم القوم عن حرك
عدت على كل عاد منهم أسر ... بعثن «4» في حنجر «5» رحب وفي حنك
كلي هنيئا مريئا واشكري ملكا ... قرتك أسيافه في كل معترك
فلو تنضّدت الهامات إذ نشرت ... بالقاع للغيظان بالنّبك
أبرح وطالب بباقي الدهر ماضيه ... فيوم بدر أقامه الفيء في فدك
وكم مضى لك من يوم بنت له ... في ماقط برماح الحظّ مشتبك
بالنّقع مرتكم بالموت ملتئم ... بالبيض مشتمل بالشمر محتبك
فحص القباب إلى فحص الصعاب ... إلى أريولة مداسات إلى السّكك
وكم على حبر محمود وجارته ... للرّوم من مرتكل غير متّرك
وفّيت للصّفر حتى قيل قد غدروا ... سموت تطلب نصر الله بالدّرك
فأسلمتهم إلى الإسلام غدوتهم ... وأذهب السيف ما بالدّن من حنك
يا أيها الملك السامي بهمّته ... إلى رضى الله لا تعدم رضى الملك
ما زلت تسمعه بشرى وتطلعه ... أخرى كدرّ على الأجياد منسلك
بيّضت وجه أمير المؤمنين بها ... والأرض من ظلمة الإلحاد في حلك
فاستشعر النّصر واهتزّت منابره ... بذكر أروع للكفار محتنك
فأخلدك ولمن والاك طاعته ... خلود برّ بتقوى الله ممتسك
وافيت والغيث زاخر قد بكى طربا ... لمّا ظفرت وكم بلّله من الضّحك
وتمّم الله ما أنشأت من حسن ... بكل منسبك منه ومنتمك
وعن قريب تباهي الأرض من زهير ... سماها بها غضّة الحبك
فعد وقد واعتمد واحمد وسد وأبد ... وقل وصل واستطل واستول وانتهك
وحسبك الله فردا لا نظير له ... تغنيك نصرته عن كل مشترك
ومن قوله في غرض الرثاء، يرثي الفقيد أبا الحسن بن مغيث «1» : [البسيط]
الدهر ليس على حرّ بمؤتمن ... وأيّ علق تخطّته يد الزمن
يأتي العفاء «2» على الدنيا وساكنها ... كأنه «3» أدبر لم يسكن إلى سكن
يا باكيا فرقة الأحباب عن شحط «4» ... هلّا بكيت فراق الرّوح للبدن؟
نور «5» تقيّد «6» في طين «7» إلى أجل ... وانحاز «8» علوا «9» وخلّى الطين في الكفن «10»
كالطير في شرك يسمو إلى درك ... حتى تخلّص من سقم ومن درن
إن لم يكن في رضى الله اجتماعهما ... فيا لها صفقة تمّت على غبن «11»
يا شدّ ما افترقا من بعد ما اعتنقا «1» ... أظنّها محرقة «2» كانت على دخن «3»
وربّ سار إلى وجه يسرّ به ... وافى وقد نبت المرعى على الدّمن
أتى إلى الله لا سمع ولا بصر ... يدعو إلى الرّشد أو يهدي إلى السّنن
في كل يوم فراق لا بقاء له ... من صاحب كرم أو سيّد قمن
أعيا أبا حسن فقد الذين مضوا ... فمن لنا بالذي أعيا أبا حسن
كأنّ البقية في قوم قد انقرضوا ... فهاج ما شاء ذاك القرن من شجن
يعدّ فدا وفي أثوابه رمز من ... كل ذي خلق عمرو وذي فطن
وإنّ من أوجدتنا كلّ مفتقد ... حياته لعزيز الفقد والظّعن
من للملوك إذا خفّت حلومهم ... بما يقاوم ذاك الطيش من سكن
ومنها:
يا يونس لا تسر أصبحنا لوحشتنا ... نشكو اغترابا وما بنّا عن الوطن
ويا مطاعا مطيعا لا عناد له ... في كل أمر على الإسلام مؤتمن
كم خطت كارتجاج البحر مبهمة ... فرّجتها بحسام سلّ من لسن
طود المهابة في الجلا وإن جذبت ... عنانه خلوة هزّت ذرى وتر
أكرم به سببا تلقى الرسول به ... لخمس واردة في الفرض والسّنن
ناهيك من منهج سمّ القصور به ... هوى فمن قدر عال إلى فدن
من كل وادي التّقى يسقى الغمام به ... فيستهل شروق الضّرع باللبن
تجمّلت بك في أحسابها مضر ... وأصل مجدك في جرثومة اليمن
من دولة حولها الأنصار حاشدة ... في طامح شامخ الأركان والقنن
من الذين هم رووا وهم نصروا ... من عيسة الدّين لا من جذوة الفتن
إن يبد مطّلع منهم ومستمع ... فارغب بنفسك عن لحظ وعن أذن
ما بعد منطقه وشي ولا زهر ... ولا لأعلاق ذاك الدّرّ من ثمن
أقول وفينا فضل سؤدده ... أستغفر الله ملء السّر والعلن
محمد ومغيث نعم ذا عوضا ... هما سلالة ذاك العارض الهتن
تقيّلا هديه في كل صالحة ... نصر السّوابق عن طبع وعن مرن
ما حلّ حبوته إلّا وقد عقدا ... حبا بما اختار من أيد ومن منن
غرّ الأحبّة عند حسن عهدهما ... وإن يؤنس في الأثواب والجنن
علما وحلما وترحيبا وتكرمة ... للزائرين وإغضاء على زكن
يا وافد الغيث أوسع قبره نزلا ... وروما حول ذاك الدّيم من ثكن
وطبق الأرض وبلا في شفاعته ... فنعم رائد ذاك الرّيف واليمن
وأنت يا أرض كوني مرّة بأبي ... مثوى كريم ليوم البعث مرتهن
وإن تردّت بترب فيك أعظمه ... فكم لها في جنان الخلد من ردن
ومن شعره قوله مخمّسا، كتب بها، وقد أقام بمراكش يتشوق إلى قرطبة:
[الطويل]
بدت لهم بالغور والشّمل جامع ... بروق بأعلام العذيب لوامع
فباحت بأسرار الضمير المدامع ... وربّ غرام لم تنله المسامع
أذاع بها من فيضها لا يصوّب «1»
ألا في سبيل الشّوق قلب مؤثّل ... بركب إذا شاء والبروق تحمل
هو الموت إلّا أنني أتحمّل ... إذا قلت هذا منهل عزّ منهل
وراية برق نحوها القلب يجنب
أبى الله إمّا كلّ بعد فثابت ... وإما دنوّ الدار منهم ففائت
ولا يلفت البين المصمّم لافت ... ويا ربّ حيّ البارق المتهافت
غراب بتفريق الأحبّة ينعب
خذوا بدمي ذاك الوسيق المضرّجا ... وروضا بغيض العاشقين تأرّجا
عفى الله عنه قاتلا ما تحرّجا ... تمشّى الرّدى في نشره وتدرّجا
وفي كل شيء للمنيّة مذهب
سقى الله عهدا قد تقلّص ظلّه ... حيا قطره يحيى الربا مستهلّه
وعى به شخصا كريما أجلّه ... يصحّ فؤادي تارة ويعلّه
ويلمّه بالذكر طورا ويشعب
رماني على قرب بشرخ ذكائه ... فأعشت جفوني نظرة من ذكائه
وغصّت بأدنى شعبة من سمائه ... شعابي وجاء «1» البحر في غلوائه
فكلّ بقرب «2» ردع خدّيه يركب
ألم يأته أنّى ركنت قعودا ... وأجمعت عن وفز الكلام قعودا
ولم أعتصر للذّكر بعدك عودا ... وأزهقني هذا الزمان صعودا
فربع الذي بين الجوانح سبسب
على تلك من حال دعوت سميعا ... وذكّرت روضا بالعقاب مريعا
وتملأ الشعب المذحجي جميعا ... وسربا بأكناف الرّصافة ريعا
وأحداق عين بالحمام تقلّب
ولم أنس ممشانا إلى القصر ذي النّخل ... بحيث تجافى الطود عن دمث سهل
وأشرف لا عن عظم قدر ولا فضل ... ولكنه للملك قام على رجل
يقيه تباريح الشمال ويحجب
فكم وجع «3» ينتابه برسيسه ... ويرتحل الفتى بأرجل عيسه
أبق أمّ عمرو في بقايا دريسه ... كسحق اليماني معتليه نفيسه
فرقعته تسبي القلوب وتعجب
وبيضاء للبيض البهاليل تعتزي «4» ... وتعتزّ بالبان جلالا وتنتزي
سوى أنها بعد الصّنيع المطرّز ... كساها البلى والثّكل أثواب معوز
يبكي وتبكي للزائرين وتندب
وكم لك بالزّهراء من متردّد ... ووقفة متّسق المجامع مقصد
يسكن من خفق الجوانح باليد ... ويهتك حجب النّاصر بن محمد
ولا هيبة تخشى هنالك وترهب
لنعم مقام الخاشع المتنسّك ... وكانت في محلّ العبشمين المملّك
متى يورد النّفس العزيزة يسفك ... وإن يسم نحو الأبلق الفرد يملك
وأي مرام رامه يتصعّب
قصور كان الماء يعشق مبناها ... فطورا يرى تاجا بمفرق أعلاها
وطورا يرى خلخال أسوق سفلاها ... إذا زلّ وهنا عن ذوائب يهواها
يقول هوى بدرا أو انقضّ كوكب
أتاها على رغم الجبال الشّواهق ... وكلّ منيف للنجوم مراهق
وكم دفعت في الصّدر منه بعانق ... فأودع في أحشائها والمفارق
حسابا بأنفاس الرياح يذرب
هي الخود من قرن إلى قدم حسنا ... تناصف أقصاها جمالا مع الأدنى
ودرج كأفلاك «1» مبنى على مبنى ... توافقن في الإتقان واختلف المعنى
وأسباب هذا الحسن قد تتشعّب
فأين الشّموس الكالفات بها ليلا ... وأين الغصون المائسات بها ميلا
وأين الظّباء «2» السابحات بها ذيلا ... وأين الثّرى رجلا وأين الحصا خيلا
فوا عجبا لو أن من يتعجّب
كم احتضنت فيها القيان المزاهرا ... وكم فاوحت فيها الرّياض المجامرا
وكم ساهرت فيها الكواكب سامرا ... وكم قد أجاب الطير فيها المزامرا
عظيم من الدنيا شعاع مطنّب
كأن لم يكن يقضى بها النّهي والأمر ... ويجبي إلى خزائنها البرّ والبحر
ويسفر مخفورا بذمّتها الفخر ... ويصبح مختوما بطينتها الدهر
وأيامه تعزى إليها وتنسب