ألست ترى أن المقام على شفا ... وأن بياض الصّبح ليس بذي خفا
وكم رسم دار للأجنّة قد عفا ... وكأنّ حديثا للوفود معرّفا
فأصبح وحش المنتدى يتجنّب
ولله في الدّارات ذات المصانع ... أخلّاء صدق كالنجوم الطّوالع
أشيع بينهم كلّ أبيض ناصع ... وأرجع حتى لست يوما براجع
فياليتني في قسمتي أتهيّب
أقرطبة لم يثنني عنك سلوان ... ولا بمثل إخواني بمغناك إخوان
وإني إذا لم أسق ماءك ظمآن ... ولكن عداني عنك أمر له شان
وموطني آثار تعدّ وتكتب
لك الحقّ والفضل الذي ليس يدفع ... وأنت لشمس الدّين والعلم مطلع
ولولاك كان العلم يطوى ويرفع ... وكل التّقى والهدى والخير أجمع
إليك تناهى والحسود معذّب
ألم تك خصّت باختيار الخلائف ... ودانت لهم فيها ملوك الطّوائف
وعضّ ثقاف الملك كلّ مخالف ... بكل حسام مرهف الحدّ راعف
به تحقن الآجال طورا وتسكب
إلى ملكها انقاد الملوك وسلّموا ... وكعبتها ندا الوفود ويمّموا
وفيها استفادوا شرحهم وتعلّموا ... وعاذوا بها من دهرهم وتحرّموا
فنكّب عنهم صرفه المتسحّب
علوت فما في الحسن فوقك مرتقى ... هواؤك مختار وتربك منتقى
وجسرك للدنيا وللدّين ملتقى ... وبيتك مربوع القواعد بالتّقى
إلى فضله لأكباب تنضى وتضرب
تولّى خيار التابعين بقاءه ... وخطّوا بأطراف العوالي فناءه
ومدّوا طويلا صيته وثناءه «1» ... فلا زال مخلوع عليه سناءه «2»
ولا زال سعي الكائدين يخيّب
وبالغ فيه كلّ أروع أصيد ... طويل المعالي والمكارم واليد
وشادوا وجادوا سيّدا بعد سيّد ... فبادوا جميعا عن صنيع مخلّد
يقوم عليه الثناء ويخطب
مصابيحه مثل النجوم الشّوابك ... تمزّق أثواب النجوم الحوالك
وتحفظه من كل لاه وسالك ... أجادل تنقضّ انقضاض النّيازك
فإبشارهم بالطبطبية تنهب
أجدك لم تشهد بها ليلة القدر ... وقد جاش برّ الناس منه إلى بحر
وقد أسرجت فيه جبال من الزّهر ... فلو أن ذلك النّور يقبس من فجر
لأوشك نور الفجر يفنى وينضب
كأن للثّريّات «1» أطواد نرجس «2» ... ذوائبه تهفو بأدنى تنفّس
وطيب دخان النّدّ من كل معطّس ... وأنفاسه في كل جسم وملبس
وأذياله فوق الكواكب تسحب
إلى أن تبدّت راية الفجر تزحف ... وقد قضّى منهما «3» الذي لا يسوّف
تولّوا وأزهار المصابيح تقطف ... وأبصارها صونا تغضّ وتطرف
كما تنصل الأرماح ثم تركّب
سلام على غيابها وحضورها ... سلام على أوطانها وقصورها
سلام على صخرائها وقبورها ... ولا زال سور الله من دون سورها
فحسن دفاع الله أحمى وأرهب
وفي ظهرها المعشوق كل مرفّع ... وفي بطنها الممشوق كل مشفع
متى تأته شكوى الظّلامة ترفع ... وكل بعيد المستغاث مدفّع
من الله في تلك المواطن يقرب
وكم كربة ملء الجوانح والقلب ... طرقت وقد نام المواسون من صحب
بروعتها قبر الوالي لي وهبّ ... وناديت في التّرب المقدّس يا ربّ
فأبت بما يهوى الفؤاد ويرغب
فيا صحبي حان قبلك مصرعي ... وكنت على عهد الوفا والرّضا معي
فحطّ بضاحي ذلك السّرى مضجعي ... وذرني فجار القوم غير مروّع
فعندهم للجار أهل ومرحب
رعى الله من يرعى العهود على النّوى ... ويظهر بالقول المحبّر ما نوى
ولبيته من مستحكم الودّ والهوى ... يرى كلّ واد غير واديه مجتوى
وأهدى سبيله الذي يتجنّب
كتابته: وكتابة ذي الوزارتين، رحمه الله، كالشمس شهرة، والبحر والقطر كثرة؛ ونحن نثبت له شيئا من ذلك لئلّا يخلو هذا الكتاب من شيء من بيانه. كتب يراجع الوزير أبا بكر بن عبد العزيز، من رسالة كتب بها إليه مع حاج يضرب القرعة:
أطال الله بقاء وليّي وإمامي الذي له إكباري وإعظامي، وفي سلكه اتّسامي وانتظامي، وإلى ملكه انتسابي واعتزائي، وبودّه افتخاري وانتزائي، للفضائل مجيبا ومبديا، وللمحامد مشتملا ومرتديا، وبالغرائب متحفا ومهديا، ولا زال الرّخاء وأزل، وجدّ من المصافاة وهزل، وسحت من المراعاة وجزل. وصل كتابه صحبة عرّاف اليمامة، وفخر نجد وتهامة، يقرّظه ويزكّيه، ويصفه بالخبّ يفسّره ويجليه، والخفيّ يظهره ويبديه. ولعله رائد، لابن أبي صائد، أو هاد للمسيح الدّجال قائد. أشهد شهادة إنصاف، أن عنده لعضبا صاف، ولو كان هناك ناظر صادق طاف، ولله خفايا الألطاف، لقلت هو باد غير خاف، من بين كل ناعل وحاف. وسأخبرك، أيّدك الله، بما اتّفق، وكيف طار ونعق، وتوسّد الكرامة وارتفق، طرق له وصفك ونعتك، وثقّفه بريك ونحتك، ورفعه للعيون جدّك وبختك، وامتدت نحوه النواظر، واستشرفه الغائب والحاضر، وتسابق إليه النّابه والخامل، وازدحم عليه العاطل والعامل. هذا يلتمس مزيدا، وذاك يبتغي حظا جديدا، وهذا يطلب تقليدا، وذلك يسلّ إلى مغاليقه إقليدا.
فكلما حزب، وغلّ وجلب، حلب واستدرّ، وتلقاه وإن ساءه الغيب بما سرّ. وكنت واتغت جملة من الأعيان، ووافقت ثلّة من جلّة الإخوان، على تمشية أمره، وتوشية ذكره؛ فلمّا صدقت تلك الفرقة، واستوت بهم تلك الفرقة، أحضرناه للسّبار، وأقعدناه للنّقد والاختيار، وأردنا أن نقف على جلايا تلك الأخبار، فأحضرنا طحنا ونطعا، وسرينا عنه من الوحشة قطعا، وقلنا له خذ عفوك، ولا توردنا إلّا صفوك، ولا تصانعنا في الكريهة التي نراها، والحادثة تستفظع ذكراها؛ فما عندنا جهل، وما منّا إلّا محتنك كهل، لا يتكاده حزن ولا يستخفّه سهل، فسكن جائش فوره، وضرب بلحيته على زوره، ثم صعّد فينا النظر وصوّب، واستهلّ صارخا وثوّب، وتحرّج من الكذب
وتحوّب، وقال: لست للعشرة خابطا، ولا للطّرف غامضا، ولا عن الصدق إذا صدع حائدا، ولا للغدر ممّن وقع منه ذائدا، ولا بمعجزات النبوّة لاعبا، ولا لصريح الجدّ مداعبا، ولا تطيبني مسألة ولا حلوان، ولا تستفزّني نضائد كثيرة ولا ألوان. إنما هو رسم وخطّ، ورفع وحطّ، ونحس وسعد، ونقد ووعد، ويوم وغد. فقلنا له الآن صحّت الوفادة، وأينعت الإرادة. ثم نظر إلينا نظر المستقلّ، واجتذب النّطع اجتذاب المدلّ، ونثل الطّحن وهاله، وأداره حتى استدار هاله، ثم قال: يا أيها الملأ هذا المبتدأ، فأيكم يبدأ. فرمقني القوم بأبصارهم وفغروا وكبّروا، وليتهم عند ذلك صفّروا، فقلت: يا قوم قد عضضت على ناجذي حلما، وقتلت شأني كلّه علما، وعقدت بيني وبين غد سلما، فكيف أستكشف عما أعرف، وأسبقهم عمّا لا يستبهم.
على الرحمن توكلت، وعلى الشيطان تركّلت، ومن كسبي أكلت، وفي مبرك السّلامة بركت، وجسيمات الأمور تركتني وتركت، والنفس المطمئنة رجوت، ولعلني قد نجوت، وأصبت فيما نحوت. فلحظتني عند هذه المقالة عينه، وطواني صدقه ومينه.
ثم صار القوم دوني أنجية، وأعدّ له كل تورية وتعمية. فقال قائل منهم: تعالوا نشترك في ضمير، ونرمه بهذا الطاغية ابن رذمير، ففي كل قلب منه ندب كبير، والسؤال عنه دين وأدب، فإن أصابه استرحنا من النّصب والشّخوص، وحرنا من العموم إلى الخصوص، وإن أخطأه فهو لما سواه أخطأ، ولما يدّعيه ويريده منه أبطأ. فقالوا: نعم ما عرضت، وأحسن بما رويت وفرضت. فلمّا رأيناه يثقل التّعريض، ويحكم التقرير والتعويض، قلنا له: حقّق ضميرك كل التحقيق، وضع مسبحتك في الدقيق. فابتدر ما أمر، وحسر عن ذراعه وشمّر، ومرت أصبعه في خطّه مرّ الذّر المتهالك، ووقعت وقع القطر المتدارك، لا تمس الطّحن إلّا تحليلا، وغمزا كالوهم قليلا، فطورا يستقيم سبيلا، وتارة يستدير إكليلا، وآونة يأتي بالسماء ونجومها قبيلا. فكان هنالك لنعش من بنات، وللثّريا من أخوات، وطير قابضات، وصافّات وأسراب ناشرات خافقات.
فلمّا استوفى عدده، وبلغ أمده، وختم طرائقه وقدده، وأعطى الأصول وفروعها، وتدبّر تفاريقها وجموعها، فجمع وتقبّض، وفتر ثم انتفض، وصعّد ذهنه وتسافه، وأخذ الطّحن فسافه؛ وزفر وشهق، وعشّر ونهق، وألصق بظهره حشاه، وكتم الرّبو ثم أفشاه، وقال: هذا الذي كنت أخشاه، عميتم الأثر، وكتمتم حقيقة الخبر، وعثرتم خاطي فما عثر، ونثرتم نظام الحدس فما انتثر. سألتم عن روح شارد، وشيطان مارد، وصادر مع اللّحظات وارد، لا يوطن دارا، ولا يأوي قرارا، ولا يطعم النّوم إلّا غرارا «1» . نعم أمره عندي مستقر، هو زنديق مستتر؛ وشهاب من شهب الكفر مستمر.
ثم رجّع البصر واختصر، وعاد إلى الحساب يتقرّاه، والصواب يتحرّاه، وتتبّع أديم الطّحن ففراه، وقال: أعوذ بالله من شرّ ما أراه. إلى كم أرى في غلاء وبلاء؟ كأني لست ذا أمرار وأحلاء، تالله لو كانت قرعة رفعة وعلاء؛ ما غاب عني اللّحياني ذو السّبلة، ولواجهنا البياض ذو الغرّة المستقلّة مواجهة حسان لجبلة. النّحس على هذه الروح قد رتّب؛ وكتب عليه من الشقاء ما كتب، وأخرج النّصرة الداخلة من العتب.
ثم أشار إلى الحمرة، وكأنما وضع يده على جمرة، وقال: كوسج نعيّ، وسناط الوجه شقيّ، وثقاف وطريق، وجماعة وتفريق، وقبض خارج، ومنكوس مارج. ثم وضع عمامته، ولولب هامته، وأمال وجهه فجرا طلقا، ثم عرضه مجنا مطرقا، وعقد أنامله عضّا، وأدمى صدره دعّا ورضّا، وقطع بصره لمحا وغضّا، وتكفّأ وتقلّع، وأدلع لسانه فاندلع. فقلنا: شرّ تأبّطه، أو شيطان يتخبّطه، أو قرين يستنزله ويختله، أو رؤى في الذرة والغاب يفتله. ثم تجاحظ وتحاذر، وتضاءل وتنازر، وقال: والذي أحيا عازر، وأخرج إبراهيم من آزر، وملك عنان الريح وأذعن له كل شيء بالسجود والتّسبيح، إنه لمن عبّاد المسيح، هيهات هيهات، لا أضعضع بظنّ، ولا يقعقع لي بشنّ، ولا أنازع من هذه الفنون في فنّ. قد ركبت أثباج البحار، وقطعت نياط المفاوز والقفار. وشافهني الحرم والبيت، وصافحني الحجر الكميت، وأحرمت ولبّيت، وطفت ووفيت، وزرت المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتحفّيت. ثم ملت على عدن، وانحدرت عن اليمن، واستسقيت كل راعدة، وأتيت كل قاعدة؛ ورأيت صاحب الجمل قسّ بن ساعدة، ووردت عكاظ، وصدّقت الحفّاظ، وقدت العصية بنسع، ومسحت الشامات بأخمس وتسع، ووقفت حيث وقف الحكمان، وشهدت زحف التّركمان، وكيف تصاولت القروم، وغلبت الرّوم، وهزم المدبر المقبل، واكتسحت الجحاش الإبل. فقلنا: لله أنت، لقد جليت عن نفسك، وأربى يومك على أمسك، ولقد صدق مطريك، ووفت صحيفة تزكّيك، وما كانت فراستنا لتخيب فيك. فماذا تستقري من اللوح، وترى في ذلك الروح؟ بعيشك ألا ما أمتعتنا بالإفشاء والبوح! فرجع في البحث أدراجه، وطالع كواكبه وأبراجه، وظلّ على مادة الطّحن يرقم ويرمق، ويفتق ويرتق. ثم جعل يبتسم، وقال: أحلف بالله وأقسم، لقد استقام النّسم، وإنه لكما أرسم وأسم، وإني لا أجده إلّا لاغبا مبهورا، ومنكودا مقهورا، ولن يلبث إلّا شهورا. قد أفل طالع جدّه، وفلّ حدّه، وأتي عليه نقي خدّه، وصيّ لم يملك أبوه وملك جدّه، فقلنا: صرّحت وأوضحت، وشهرت هذا المستور وفضحت، وإن ساعدك قدر، وكان لك عن هذا الورود صدر، فحظك مبتدر، وخطّك صاف لا يشوبه كدر. فقال: هذا أمر قد آن أو كان، وسيأتيكم الخبر الآن، فانفصلنا وأصغينا الآذان، وجعلنا نتلقى الرّكبان، فلم يرعنا إلّا النّعمى الناجمة، والبشرى الهاجمة، بما
بان، فأدهنا في شانه، ولم يكن يعاوده خوف طغيانه، فإذا الخبر لم يخط صماخه، وكأنما كان عودا وافى مناخه، أو طائرا أمّ أفراخه. فلم ينشب أن أقبل يصمد نحونا أي صمد، ويتعرضنا على عمد، تعرّض الجوزاء للنجوم؛ وينقضّ انقضاض نيازك النجوم، وقال: ألم يأن أن تدينوا لي بالإكبار، وتعلموا أني من الجهابذة الكبار؟
فقلنا: منك الإسجاح، فقد ملكت ومنك ولك النجاح، أيّة سلكت. فأطرق زهوا، وأعرض عنا لهوا، وقال: اعلموا أن القرعة لو طوت أسرارها، ومنعتني أخبارها، لمزّقت صدارها، وذروت غبارها، ولكان لي عنها أوسع منتدح، وأنجد زناد يقدح، أين أنتم عن رصدي الأحلاك، وعلمي بالأفلاك؟ أنا في مرج الموج، وأوج الأوج، والمتفرد بعلم الفرد والزّوج، ومسترط السّرطان، ومستدير الدّبران، وبائع المشتري بالميزان، والقابض بيوم الحساب والعمل، على روق الثّور وذنب الحمل، أعقد نصل العقرب، وأقيّد الأبعد والأقرب، لصيد أوابدها بالدقائق والدّرج، حتى اضطرّ سارحها إلى الحرج، وأصبحها في أضيق منعرج، أنا استذكرت بالأنبار، فرحة الإقبال وترحة الإدبار، وطالعت أقليدس فاستنبطته، وصارعت المجسطي فجسطنته، وارتمطت إلى الأرتماطيقا، وأطقت الألوطيقا، ولحظت التحليل بحلّ ما عقده، وانتضيته ما مطل به الجهابذة فنفّذه. وعاينت زحل، حين استقلّ على بعيره ورحل، وضايقته في ساحته، وحصرته في مساحته، وحضرت قرانه، وشهدت تقدّمه ومرانه، وشاهدته شفرا بشفر، وناجاني برقا يعدّ في الكفر، وتخريبه لملك الصّفر، وتفريقه لبلاد اللّطينة، وإنجاز الوعد في فتح قسنطينة. أنا عقدت رشا الدّلو، وذروت غبار الحوت للفلو. أنا اقتدحت سقط الجوزهر، فلاح بعد خفائه وظهر. أنا استثرت الهلال من مكامن سرره، وأخذت عليه ثنايا سفره، وقددت قلامته من ظفره، ودللت طير الصّاير على شجره، فجنيت المرّ من ثمره، أنا طرقت الزّهرة في خدرها، وصافحتها من الفكرة بيد لم تدرها. أنا أذكيت على ذكاء فظلّت تلتهب، وأحرزتها من الوهم شطنا أجذبها به فتنجذب. أنا أنعى للمعتبرين حياتها، فيشبهون الحسنة ويتحرّون أوقاتها، حتى تنتشر بعد الطيّ حياتها، وتستقيل من العثار آياتها.
أنا انتضيت للشباب شرخا، وأضرمت للمرّيخ عقارا ومرخا، حتى أتغانى بملاحم حروبه، وحوادث طلوعه وغروبه، وتلمّظه إلى النّجيع، وولوغه في مهجة البطل السّجيع. أنا أبرى من اللّمم، وأشفى من الصّمم، وأنقل العطس إلى الشّمم. فقلنا:
أمّا الأولى، فقد سلّمنا لك جميعها، وأمّا هذه الثلاثة فلن تستطيعها. قال: فلم تعجزون ولا تستخزون؟ فقلنا: من كان له علاج فبنفسه يبدأ، ونغب بغيره. ولسنا نريدك، ولكن تهتزّ يدك. قال: أما من بينهم روي، وألقى في روعه ما ألقى في روعي، فمثله كالصّارم، حسنه في فرنده، لا غمده، وجماله في حدّه لا في خدّه،
والمرء كما قيل بأصغريه، لا بمنخريه، والشأن في الحيزوم، لا في الخيشوم، وفي الذّكرين، لا في الأنثيين، وبعد، فهو كلام ظاهره إجمال، وباطنه احتمال، وسأنبّئكم بغزارة سيله، وفجر ليله. أما الأفطس فيدلي الضّغنة، ويتزوج في آل جفنة. فإن الله أتمّ، جاء الولد أتمّ، وإن نام عرق خاله، بقي الولد بحاله. وأما الأصمّ، فيخرج عن الغلام، وبلا فال، ويطلب في بني السّميعة بركة الاسميّة والفال، فإن الله أراد، ظفر بالمراد، وجاء ابنه أسمع من قراد «1» . فأحسّ من بعض الحاضرين تمريضا، وعاين طرفا غضيضا، فتعكّر وتشذّر، وطوّف وحذّر، وقال صاحب الشريعة، سمّاهم بني السّميعة، قوموا يا بني اللّكيعة، فقد قطعتم رزقي، وآذيتم طرقي، وأذللتم ضربي وطرقي، وسددتم طوقي، وأخذتم على أفقي غربي وشرقي. ذروني للتي هي للبليّة تجني، ثم الوجد يعني، لو شرب نواديه إثر تجنّي.
ثم نجا بعزمته سميلا، وأرسل بنات نعش ذيلا، وقد أفاد بما استصحب من ميامنك ليلا، كذّبني أيّدك الله عند نواه، ولم يطلعني طلع ما نواه؛ وما ذاك إلّا لمطمع لواه، ومغنم هواه. فرفعت لي بعد وداعه نجوة، ورمتني بشخصه فجوة، فقلت: ما أراك إلّا غائل، أورثت عنك الحبائل. فسراك سرى قين، وحديثك مين، ألم تعبر دجيلا، ويمّمت سهيلا؟ فقال: طربت إلى الأصفية الصّغار، وشاقني الشوق بين الطّواغيت والأصفار. فقلت له: هلمّ إلى خطّ نعيده، وحظّ نستفيده. فقال: لولا أن تقولوا الساعة متى، وتطالبوني بإحياء الموتى، لما أجمعت إلى الغرب غروبا، ولأريتكم من الحذق ضروبا. ثم قال: إن لي بالحضرة أفراخا، وأمّا استصرخت عليها استصراخا، وانسلخت منها انسلاخا، وأعيا عليّ أمره فلم أعلم له ظعنا ولا مناخا. فلبثت كذلك أياما، ثم اعتمّ عليّ أمره اعتياما، ولم أعرف له إنجادا ولا اهتماما، فإذا به وقد أضمرت عنه بأسا، ولم أطمع فيه رأسا، قد أشبّ لي شبابا، ولمعت صلعته شهابا، تكتنفه صرّة، وبيمناه قوصرة «2» ، وتؤود يسراه جرّة. فقلت له: قاتلك الله، ما أشدّ فقداتك إلّا فقدتك، وما أذكر وجداتك إلّا وجدتك، أين أفراخك، والأمّ التي جذبها استصراخك؟ فقال: الصعلوك، لو أعلم مذاهبه، تحرّم مناهبه، وتحدم مراهبه. ذرني وعلاجي، أحاجي وأداجي، وأعاين وأناجي، وأتقلب في بركة دعاء الباجي. فقلت له: مالك وللميت، ورحم الله من سمّيت. قال: لمّا أذن الله فالتأمت الشّيمة، وتمزّقت عني المشيمة، هممت بالسّرق، ولففت في
الخرق، وفارقت من الضيق منتداه، وأفلتتني يداه؛ فحنّكني السعد بتمر المدينة، وسقاني من ماء البلدة الأمينة، وعوّذني بدعوات متينة. فها أنا كما ترى أتهادى وأجتذب، وأستحلي وأستعذب. فقلنا: لعمرك إنه لفضل عميم، لولا الصّميم، وإنها لمنقبة، لولا العقبة، وأثرة ملتمسة، لولا العطسة، فقال: دعنا من زخاريفك، وأغضض من عنان تصاريفك. البازل «1» لا يكون إلّا ذميما، والليث لا يوجد إلّا شميما. ثم قام وحمل، وابتدر وارتجل: [مجزوء الخفيف]
عيشنا كلّه خدع ... فاترك اللوم عنك ودع
أنا كالليث والليو ... ث بأرسائها ترع
ولها الأوجه السّي ... مه من يلقها يرع
أيّ حسن لمازن ... بيد الدّلّ يخترع؟
أنا كالسّيف حدّه ... لا يبالي بما وقع
إنما الحسن للمها ... ة وللظّبي يا لكع
فقلت: تبّا لك سائر اليوم، إنك لتريش وتبري، وتقدّ وتفري، وتحاسن وتقابح، وتهارش وتنابح، وتحبّ وتتأمل، وتحسن وتغلغل، وتشاعر وتراجز، وتناطح وتناجز. وأنت على هذا كله مصرّ، ما جزاؤك إلّا ريح فيها صرّ، فما هو إلّا أن غفلت عنه لمحة طرف، أو نفحة عرف، ثم التفتّ وإذا به قد أفلس، وكأنما كان برقا خلّس، ولم أدر أقام أو جلس.
ومحاسنه القطر الذي لا يعدّ، والأمر الذي يأخذه الحدّ. وكفى بهذه الرسالة دليلا على جلالة مقداره، وتدفّق بحاره وفخاره؛ لما اشتملت عليه من بلاغة وبيان، وبساط حال أنت على خبره بعيان، وعلوم ذات افتنان، خلّد الله عليه الرحمة، وضاعف له المنّة والنعمة.
مولده: بأوائل ربيع الثاني عام خمسة وستين وأربعمائة «2» .
وفاته: من خطّ الحافظ المحدّث أبي القاسم بن بشكوال، رحمه الله: كان «3» ممن أصيب أيام الهرج بقرطبة، فعظم المصاب به، الشيخ الأجلّ، ذو الوزارتين، السيد الكامل، الشهير الأثير، الأديب، اللغوي، السّري، الكاتب البليغ، معجزة زمانه