ثم رجّع البصر واختصر، وعاد إلى الحساب يتقرّاه، والصواب يتحرّاه، وتتبّع أديم الطّحن ففراه، وقال: أعوذ بالله من شرّ ما أراه. إلى كم أرى في غلاء وبلاء؟ كأني لست ذا أمرار وأحلاء، تالله لو كانت قرعة رفعة وعلاء؛ ما غاب عني اللّحياني ذو السّبلة، ولواجهنا البياض ذو الغرّة المستقلّة مواجهة حسان لجبلة. النّحس على هذه الروح قد رتّب؛ وكتب عليه من الشقاء ما كتب، وأخرج النّصرة الداخلة من العتب.
ثم أشار إلى الحمرة، وكأنما وضع يده على جمرة، وقال: كوسج نعيّ، وسناط الوجه شقيّ، وثقاف وطريق، وجماعة وتفريق، وقبض خارج، ومنكوس مارج. ثم وضع عمامته، ولولب هامته، وأمال وجهه فجرا طلقا، ثم عرضه مجنا مطرقا، وعقد أنامله عضّا، وأدمى صدره دعّا ورضّا، وقطع بصره لمحا وغضّا، وتكفّأ وتقلّع، وأدلع لسانه فاندلع. فقلنا: شرّ تأبّطه، أو شيطان يتخبّطه، أو قرين يستنزله ويختله، أو رؤى في الذرة والغاب يفتله. ثم تجاحظ وتحاذر، وتضاءل وتنازر، وقال: والذي أحيا عازر، وأخرج إبراهيم من آزر، وملك عنان الريح وأذعن له كل شيء بالسجود والتّسبيح، إنه لمن عبّاد المسيح، هيهات هيهات، لا أضعضع بظنّ، ولا يقعقع لي بشنّ، ولا أنازع من هذه الفنون في فنّ. قد ركبت أثباج البحار، وقطعت نياط المفاوز والقفار. وشافهني الحرم والبيت، وصافحني الحجر الكميت، وأحرمت ولبّيت، وطفت ووفيت، وزرت المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتحفّيت. ثم ملت على عدن، وانحدرت عن اليمن، واستسقيت كل راعدة، وأتيت كل قاعدة؛ ورأيت صاحب الجمل قسّ بن ساعدة، ووردت عكاظ، وصدّقت الحفّاظ، وقدت العصية بنسع، ومسحت الشامات بأخمس وتسع، ووقفت حيث وقف الحكمان، وشهدت زحف التّركمان، وكيف تصاولت القروم، وغلبت الرّوم، وهزم المدبر المقبل، واكتسحت الجحاش الإبل. فقلنا: لله أنت، لقد جليت عن نفسك، وأربى يومك على أمسك، ولقد صدق مطريك، ووفت صحيفة تزكّيك، وما كانت فراستنا لتخيب فيك. فماذا تستقري من اللوح، وترى في ذلك الروح؟ بعيشك ألا ما أمتعتنا بالإفشاء والبوح! فرجع في البحث أدراجه، وطالع كواكبه وأبراجه، وظلّ على مادة الطّحن يرقم ويرمق، ويفتق ويرتق. ثم جعل يبتسم، وقال: أحلف بالله وأقسم، لقد استقام النّسم، وإنه لكما أرسم وأسم، وإني لا أجده إلّا لاغبا مبهورا، ومنكودا مقهورا، ولن يلبث إلّا شهورا. قد أفل طالع جدّه، وفلّ حدّه، وأتي عليه نقي خدّه، وصيّ لم يملك أبوه وملك جدّه، فقلنا: صرّحت وأوضحت، وشهرت هذا المستور وفضحت، وإن ساعدك قدر، وكان لك عن هذا الورود صدر، فحظك مبتدر، وخطّك صاف لا يشوبه كدر. فقال: هذا أمر قد آن أو كان، وسيأتيكم الخبر الآن، فانفصلنا وأصغينا الآذان، وجعلنا نتلقى الرّكبان، فلم يرعنا إلّا النّعمى الناجمة، والبشرى الهاجمة، بما
بان، فأدهنا في شانه، ولم يكن يعاوده خوف طغيانه، فإذا الخبر لم يخط صماخه، وكأنما كان عودا وافى مناخه، أو طائرا أمّ أفراخه. فلم ينشب أن أقبل يصمد نحونا أي صمد، ويتعرضنا على عمد، تعرّض الجوزاء للنجوم؛ وينقضّ انقضاض نيازك النجوم، وقال: ألم يأن أن تدينوا لي بالإكبار، وتعلموا أني من الجهابذة الكبار؟
فقلنا: منك الإسجاح، فقد ملكت ومنك ولك النجاح، أيّة سلكت. فأطرق زهوا، وأعرض عنا لهوا، وقال: اعلموا أن القرعة لو طوت أسرارها، ومنعتني أخبارها، لمزّقت صدارها، وذروت غبارها، ولكان لي عنها أوسع منتدح، وأنجد زناد يقدح، أين أنتم عن رصدي الأحلاك، وعلمي بالأفلاك؟ أنا في مرج الموج، وأوج الأوج، والمتفرد بعلم الفرد والزّوج، ومسترط السّرطان، ومستدير الدّبران، وبائع المشتري بالميزان، والقابض بيوم الحساب والعمل، على روق الثّور وذنب الحمل، أعقد نصل العقرب، وأقيّد الأبعد والأقرب، لصيد أوابدها بالدقائق والدّرج، حتى اضطرّ سارحها إلى الحرج، وأصبحها في أضيق منعرج، أنا استذكرت بالأنبار، فرحة الإقبال وترحة الإدبار، وطالعت أقليدس فاستنبطته، وصارعت المجسطي فجسطنته، وارتمطت إلى الأرتماطيقا، وأطقت الألوطيقا، ولحظت التحليل بحلّ ما عقده، وانتضيته ما مطل به الجهابذة فنفّذه. وعاينت زحل، حين استقلّ على بعيره ورحل، وضايقته في ساحته، وحصرته في مساحته، وحضرت قرانه، وشهدت تقدّمه ومرانه، وشاهدته شفرا بشفر، وناجاني برقا يعدّ في الكفر، وتخريبه لملك الصّفر، وتفريقه لبلاد اللّطينة، وإنجاز الوعد في فتح قسنطينة. أنا عقدت رشا الدّلو، وذروت غبار الحوت للفلو. أنا اقتدحت سقط الجوزهر، فلاح بعد خفائه وظهر. أنا استثرت الهلال من مكامن سرره، وأخذت عليه ثنايا سفره، وقددت قلامته من ظفره، ودللت طير الصّاير على شجره، فجنيت المرّ من ثمره، أنا طرقت الزّهرة في خدرها، وصافحتها من الفكرة بيد لم تدرها. أنا أذكيت على ذكاء فظلّت تلتهب، وأحرزتها من الوهم شطنا أجذبها به فتنجذب. أنا أنعى للمعتبرين حياتها، فيشبهون الحسنة ويتحرّون أوقاتها، حتى تنتشر بعد الطيّ حياتها، وتستقيل من العثار آياتها.
أنا انتضيت للشباب شرخا، وأضرمت للمرّيخ عقارا ومرخا، حتى أتغانى بملاحم حروبه، وحوادث طلوعه وغروبه، وتلمّظه إلى النّجيع، وولوغه في مهجة البطل السّجيع. أنا أبرى من اللّمم، وأشفى من الصّمم، وأنقل العطس إلى الشّمم. فقلنا:
أمّا الأولى، فقد سلّمنا لك جميعها، وأمّا هذه الثلاثة فلن تستطيعها. قال: فلم تعجزون ولا تستخزون؟ فقلنا: من كان له علاج فبنفسه يبدأ، ونغب بغيره. ولسنا نريدك، ولكن تهتزّ يدك. قال: أما من بينهم روي، وألقى في روعه ما ألقى في روعي، فمثله كالصّارم، حسنه في فرنده، لا غمده، وجماله في حدّه لا في خدّه،
والمرء كما قيل بأصغريه، لا بمنخريه، والشأن في الحيزوم، لا في الخيشوم، وفي الذّكرين، لا في الأنثيين، وبعد، فهو كلام ظاهره إجمال، وباطنه احتمال، وسأنبّئكم بغزارة سيله، وفجر ليله. أما الأفطس فيدلي الضّغنة، ويتزوج في آل جفنة. فإن الله أتمّ، جاء الولد أتمّ، وإن نام عرق خاله، بقي الولد بحاله. وأما الأصمّ، فيخرج عن الغلام، وبلا فال، ويطلب في بني السّميعة بركة الاسميّة والفال، فإن الله أراد، ظفر بالمراد، وجاء ابنه أسمع من قراد «1» . فأحسّ من بعض الحاضرين تمريضا، وعاين طرفا غضيضا، فتعكّر وتشذّر، وطوّف وحذّر، وقال صاحب الشريعة، سمّاهم بني السّميعة، قوموا يا بني اللّكيعة، فقد قطعتم رزقي، وآذيتم طرقي، وأذللتم ضربي وطرقي، وسددتم طوقي، وأخذتم على أفقي غربي وشرقي. ذروني للتي هي للبليّة تجني، ثم الوجد يعني، لو شرب نواديه إثر تجنّي.
ثم نجا بعزمته سميلا، وأرسل بنات نعش ذيلا، وقد أفاد بما استصحب من ميامنك ليلا، كذّبني أيّدك الله عند نواه، ولم يطلعني طلع ما نواه؛ وما ذاك إلّا لمطمع لواه، ومغنم هواه. فرفعت لي بعد وداعه نجوة، ورمتني بشخصه فجوة، فقلت: ما أراك إلّا غائل، أورثت عنك الحبائل. فسراك سرى قين، وحديثك مين، ألم تعبر دجيلا، ويمّمت سهيلا؟ فقال: طربت إلى الأصفية الصّغار، وشاقني الشوق بين الطّواغيت والأصفار. فقلت له: هلمّ إلى خطّ نعيده، وحظّ نستفيده. فقال: لولا أن تقولوا الساعة متى، وتطالبوني بإحياء الموتى، لما أجمعت إلى الغرب غروبا، ولأريتكم من الحذق ضروبا. ثم قال: إن لي بالحضرة أفراخا، وأمّا استصرخت عليها استصراخا، وانسلخت منها انسلاخا، وأعيا عليّ أمره فلم أعلم له ظعنا ولا مناخا. فلبثت كذلك أياما، ثم اعتمّ عليّ أمره اعتياما، ولم أعرف له إنجادا ولا اهتماما، فإذا به وقد أضمرت عنه بأسا، ولم أطمع فيه رأسا، قد أشبّ لي شبابا، ولمعت صلعته شهابا، تكتنفه صرّة، وبيمناه قوصرة «2» ، وتؤود يسراه جرّة. فقلت له: قاتلك الله، ما أشدّ فقداتك إلّا فقدتك، وما أذكر وجداتك إلّا وجدتك، أين أفراخك، والأمّ التي جذبها استصراخك؟ فقال: الصعلوك، لو أعلم مذاهبه، تحرّم مناهبه، وتحدم مراهبه. ذرني وعلاجي، أحاجي وأداجي، وأعاين وأناجي، وأتقلب في بركة دعاء الباجي. فقلت له: مالك وللميت، ورحم الله من سمّيت. قال: لمّا أذن الله فالتأمت الشّيمة، وتمزّقت عني المشيمة، هممت بالسّرق، ولففت في
الخرق، وفارقت من الضيق منتداه، وأفلتتني يداه؛ فحنّكني السعد بتمر المدينة، وسقاني من ماء البلدة الأمينة، وعوّذني بدعوات متينة. فها أنا كما ترى أتهادى وأجتذب، وأستحلي وأستعذب. فقلنا: لعمرك إنه لفضل عميم، لولا الصّميم، وإنها لمنقبة، لولا العقبة، وأثرة ملتمسة، لولا العطسة، فقال: دعنا من زخاريفك، وأغضض من عنان تصاريفك. البازل «1» لا يكون إلّا ذميما، والليث لا يوجد إلّا شميما. ثم قام وحمل، وابتدر وارتجل: [مجزوء الخفيف]
عيشنا كلّه خدع ... فاترك اللوم عنك ودع
أنا كالليث والليو ... ث بأرسائها ترع
ولها الأوجه السّي ... مه من يلقها يرع
أيّ حسن لمازن ... بيد الدّلّ يخترع؟
أنا كالسّيف حدّه ... لا يبالي بما وقع
إنما الحسن للمها ... ة وللظّبي يا لكع
فقلت: تبّا لك سائر اليوم، إنك لتريش وتبري، وتقدّ وتفري، وتحاسن وتقابح، وتهارش وتنابح، وتحبّ وتتأمل، وتحسن وتغلغل، وتشاعر وتراجز، وتناطح وتناجز. وأنت على هذا كله مصرّ، ما جزاؤك إلّا ريح فيها صرّ، فما هو إلّا أن غفلت عنه لمحة طرف، أو نفحة عرف، ثم التفتّ وإذا به قد أفلس، وكأنما كان برقا خلّس، ولم أدر أقام أو جلس.
ومحاسنه القطر الذي لا يعدّ، والأمر الذي يأخذه الحدّ. وكفى بهذه الرسالة دليلا على جلالة مقداره، وتدفّق بحاره وفخاره؛ لما اشتملت عليه من بلاغة وبيان، وبساط حال أنت على خبره بعيان، وعلوم ذات افتنان، خلّد الله عليه الرحمة، وضاعف له المنّة والنعمة.
مولده: بأوائل ربيع الثاني عام خمسة وستين وأربعمائة «2» .
وفاته: من خطّ الحافظ المحدّث أبي القاسم بن بشكوال، رحمه الله: كان «3» ممن أصيب أيام الهرج بقرطبة، فعظم المصاب به، الشيخ الأجلّ، ذو الوزارتين، السيد الكامل، الشهير الأثير، الأديب، اللغوي، السّري، الكاتب البليغ، معجزة زمانه
وسابق أقرانه، ذو المحاسن الجمة، الجليلة الباهرة، والأدوات الرفيعة الزكية، الطاهرة الكاملة، المجمع على تناهي نباهته، وحمد خصاله وفصاحته، من لا يشقّ غباره، ولا تلحق آثاره، معجزة زمانه في صناعة النثر والنظم، أبو عبد الله بن أبي الخصال، رحمه الله تعالى ورضي عنه ونضّر وجهه. ألفي مقتولا قرب باب داره بالمدينة، وقد سلب ما كان عليه، بعد نهب داره، واستئصال حاله، وذهاب ماله، وذلك يوم السبت الثاني عشر من شهر ذي الحجة من سنة أربعين وخمسمائة. فاحتمل إلى الرّبض الشرقي بحومة الدرب، فغسّل هنالك وكفّن، ودفن بمقبرة ابن عباس عصر يوم الأحد بعده، ونعي إلى الناس وهم مشغولون بما كانوا بسبيله من الفتنة. فكثر التفجّع لفقده، والتأسّف على مصاب مثله، وأجمعوا على أنه كان آخر رجال الأندلس علما وحلما، وفهما ومعرفة، وذكاء وحكمة ويقظة، وجلالة ونباهة، وتفننا في العلوم. وكان له، رحمه الله، اهتمام بها، وتقدم في معرفتها وإتقانها. وكان، رحمه الله، صاحب لغة وتاريخ وحديث، وخبر وسير، ومعرفة برجال الحديث مضطلعا بها، ومعرفة بوقائع العرب وأيام الناس، وبالنثر والنظم. وكان جزل القول، عذب اللفظ، حلو الكلام، عذب الفكاهة، فصيح اللسان، بارع الخطّ حسنه ومتقنه. كان في ذلك كله واحد عصره، ونسيج وحده، يسلّم إليه في ذلك كله، مع جمال منظره، وحسن خلقه، وكرم فعاله، ومشاركته لإخوانه. وكان مع ذلك كله جميل التواضع، حسن المعاشرة لأهل العلم، مسارعا لمهماتهم، نهاضا بتكاليفهم، حافظا لعهدهم، مكرما لنبهائهم، واسع الصدر، حسن المجالسة والمحادثة، كثير المذاكرة، جمّ الإفادة. له تصانيف جليلة نبيهة، ظهر فيها علمه وفهمه، أخذها الناس عنه مع سائر ما كان يحمله ويتقنه، عن أشياخه الذين أخذ عنهم، وسمع منهم، وقرأ عليهم.
وقال غيره: قتل بدرب الفرعوني بقرب رحبة أبان، بداخل مدينة قرطبة، قرب باب عبد الجبّار يوم دخلها النصارى مع أميرهم ملك طليطلة، يوم قيام ابن حمدين، واقتتاله مع يحيى بن علي بن غانية المسّوفي الملثّم المرابطي يوم الأحد لثلاث عشرة مضت من ذي الحجة عام أربعين وخمسمائة. قتله بربر المصامدة رجّالة أهل دولة اللثام لحسن ملبسه، ولم يعرفوه، وقتلوا معه ابن أخته عبد الله بن عبد العزيز بن مسعود، وكان أنكحه ابنته، فقتلا معا. وكان محمد خيرة الشيوخ، وعبد الله خيرة الأحداث، رحمهما الله تعالى.
محمد بن مفضل بن مهيب اللخمي
يكنى أبا بكر، من أهل شلب من العليا.
حاله: قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: كان منقبضا عن الناس، أديبا، شاعرا، خمّس عشرينيات الفازازي، رحمه الله تعالى. وذكره صاحب الذيل، وقال لي شيخنا أبو البركات، وهو جدّه، أبو أبيه، ما معناه: كان شريفا، عالي الهمة، عظيم الوقار، ألوفا، صموتا، نحيف الجسم، آدم اللون، خفيف العارض، مقطّب الوجه، دائم العبوس، شامخ الأنف، إلّا أنه كان رجلا عالما راسخا، عظيم النزاهة، حافظا للمروءة، شهير الذكر، خطيبا مصقعا، مهيبا كشهرته، قديم الرياسة، يعضّد حديثه قديمه. واستقرّ بألمرية، لمّا تغلّب العدو على بلد سلفه.
ولمّا توفي شيخ المشايخ؛ أبو إسحاق بن الحجاج، تنافس الناس من البلدين، وغيرهم، في خطبة بنته. قال شيخنا أبو البركات: ومن خطّه نقلت، وكان ابن مهيب واحدا منهم في الإلحاح بالخطبة، متقدما في حلبتهم، بجيوش الأشعار.
ورام غلبته ذوو اليسار، من حيث كان بحمراء جيش الإعسار، فأذلّهم بالمقابلة في عقر الدار، فلم يراجعوا من الغنيمة إلّا بالفرار. قلت: وجلب في هذا المعنى شعرا كثيرا، ناسب الغرض. ونال من المتغلب على ألمريّة، على عهده، حظوة، فاستظهر به تارة على معقل مرشانة، وتارة على الرسالة إلى الحضرة الحفصية بتونس. ولما آب من سفره إليها، سعى به لديه بما أوجب أن يحجر عليه التّصرف، وسجنه بمنزله. فلمّا قصد ألمرية الغالب بالله، مستخلصا إياها من يد الرئيس أبي عبد الله بن الرّميمي، ونزل بمدينتها، وحاصر قصبتها، وقع اختيار الحاصر والمحصور على تعيين ابن مهيب، بمحاولة الأمر، وعقد الصلح، رضى بدينه وأمانته، فعقد الصلح بينهما على أن يسلم ابن الرميمي القصبة، ويعان على ركوب البحر بماله وأهله وولده، فتأتّى ذلك واكتسب عند الغالب بالله، ما شاء من عزّة وتجلة.
وقفني شيخنا أبو البركات على ظهير سلطاني، صدر عن الأمير الغالب بالله، يدل على جلالة قدره، نصّه:
هذا ظهير كريم، أظهر العناية الحافلة لمستوحيها ومستحقّها، وأجراه من الرعاية الكاملة على الحبّ طرقها. أمر بإحكام أحكامه، والتزام العمل بفصوله وأقسامه، الأمير أبو «1»
عبد الله محمد بن يوسف بن نصر نصر الله أعلامه، وأدام لإقامة قسط العدل أيامه، لوليّه العليّ المكانة، وصفيّه المليء بأثرتي المعرفة
والدّيانة، الحريّ بما اختصّه، أيّده الله، من الحفظ لمرتبته السامية والصّيانة. للشيخ الفقيه، الجليل، العالم، الأوحد، العلم، الأتقى، الأزهر، الفاضل، الخطيب الأرفع، المحدّث الثقة، الرّاوية، الصالح، السّني، الحافظ، الحافل، الماجد، السّري، الطاهر، المكرّم، المبرور، الكامل، أبي بكر ابن الشيخ الوزير الأجلّ، الفقيه، الحسيب، الأصيل، الأمجد، المكرم، المبرور، الأفضل، المرحوم، أبي عمرو بن مهيب، أدام الله عزّة جانبه، ووصل بالعلم والعمل ارتقاء مراتبه، أقام به الشّواهد على اعتقاده، أنه أخلص أوليائه ودّا، وأفضلهم قصدا، وأكرمهم عهدا، حين ظهرت له، أيّده الله، آثار آرائه الأصيلة، وبانت في الصلاح والإصلاح ميامن مناقبه الجميلة، ووجب له من العناية والمزيّات أتمّ ما توجبه معارفه، وتقتضيه مجادته، وزهادته، التي لا يفنّد في وصفها واصف. وأعلن بأنه دام عزّه، أحقّ من حفظت عليه مرتبة صدور العلماء الراسخين في العلم، وأبقيت مزيّة ما تميز به التّقى والورع الكافي والحلم، وبرع بصلة العناية بجانبه، لما أهّلته إليه معرفته من نفع المتعلمين، وإرشاد من يسترشده في مسائل الدين من المسلمين، وأفصح بأنه أولى مخصوص بالتجلّة والتوقير، وأجدر منصوص على أن قدره لديه معتمد بالتكريم والتكبير. وأمر، أعلى الله أمره، أن يستمرّ له ولزوجه الحرّة الأصيلة الزكية، التقية الصالحة، المصونة المكرمة المبرورة، عائشة بنت الشيخ الفقيه الجليل العالم الصالح السّني، الزاهد الفاضل، المرحوم المقدس، الأرضى، أبي إسحاق ابن الحاج؛ ما اطّردت به العادة لهما قديما وحديثا، وتضمنه الظهيران الكريمان، المؤرخ أحدهما بالعشر الأواخر لشوال عام خمسة وثلاثين وستمائة، من صرف النظر في أعشارهما وزكواتهما إليهما، ليضعا ذلك في أحقّ الوجوه، ويؤدّيا فيه حقّ لله تعالى، ما مثلهما علما ودينا من يؤدّيه، موكولا ذلك لله، إلى ما لديهما، من نشر الأمانة، مصروفا إلى نظرهما الجاري مع العلم والديانة، وتجديد أحكام ما بأيديهما من الظّهائر والأوامر القديمة والحديثة، المتضمنة تسويغ الأملاك، على اختلافها، وتباين أجناسها وأوصافها، لهما ولأعقاب أعقابهما، على التأبيد والتّخليد، والمحاشاة من اللّوازم، والمعاوز والمغارم، وأن يطّرد لشركائهما، وعمرة أملاكهما، ووكلائهما، وحواشيهما، ومن اتصل بهما، جميل العناية، وحفيل الرعاية، وموصول الحماية، الاستمرار الذي يطّرد العمل به مدى الأيام، وتتوالى التّمشية له من غير انصرام على الدوام، موفى بذلك، ما يحقّ لجانب الفقيه العالم، الأوحد الأسنى، أبي بكر، أدام الله عزته، من حظوظ الإجلال، منتهى فيه إلى أبعد آماد العنايات الشريفة، الفسيحة المجال، مقضى على حقّ ما انفرد به من العلم، واتصف به من الديانة، اللذين أضفيا عليه ملابس البهاء والجلال. فمن وقف على هذا الظهير الكريم من الولاة
والعمّال، وسائر ولاة الأشغال، وليتلقّه بغاية الائتمار والامتثال، إن شاء الله. وكتب في الثاني عشر من ذي الحجة عام ثلاثة وأربعين وستمائة.
مشيخته: أخذ عن أبي العباس أحمد بن منذر الإشبيلي، تلا عليه بإشبيلية، وعلى عباس بن عطية أبي عمرو. وروى عن أبي محمد عبد الكبير الإشبيلي، وصحب أبا الحسن بن زرقون، وتفقّه عليه. وانتقل إلى ألمرية، فصحب أبا إسحاق البليفيقي وأخذ عنه، وتزوج ابنته. وأجاز له أبو عبد الله بن هشام الشّواش وغيره. ثم انتقل آخر عمره إلى سبتة.
شعره: نقلت من خطّ شيخنا أبي البركات قوله في غرض الوصية: [الطويل]
أليل النّوى، هل من سبيل إلى فجر؟ ... ويا قلب، كم تأسى ويا دمع، كم تجري
أبى القلب إلّا أن يهيم بحبّكم ... وأن تبرحوا إلّا القليل عن الفكر
رحّلت عنكم لا بقلبي وإنما ... تركت لديكم حين ودّعتكم سرّي
أعود بدهر الوصل من حين هجركم ... وربّ وصال مستعاد من الهجر
لتلعاب «1» نفسي لست أنفق قربكم ... لزهدي فيكم بل حرصت على البرّ
تقطّع أكباد عليكم صبابة ... فاصبر فإنّ «2» الخير أجمع في الصبر
وبالقلب من لا يصلح الصبر عنهم ... وإن كان خيرا فهو عنهم من الشّرّ
فلولاهم ما كنت أحسب ساعة ... فقدتكم فيها عيانا من العمر
ألا يا أخي فاسمع وصاتي «3» فإنها ... أتتك «4» ، لعمري، من أخ سالم الصّدر
يحبّك في ذات الإله ويبتغي ... بحبّك عند الله مدّخر الأجر
ألا إنما التوفيق كنت من أهله «5» ... مراعاة حقّ الله في السّرّ والجهر
بتوحيده في ذاته وصفاته ... وأفعاله أيضا وفي النّدّ «6» والأمر
فثابر على القرار والأثر الذي ... يصحّ عن المختار والسّادة الغرّ
وعدّ لك الخيرات عما سواها ... وكن بها مستمسكا أبد الدهر
إذا يسلك الشيطان فجّا سوى الذي ... سلكت ولا يلفي سبيلا إلى مكر