بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 351

فانفذ بعون لله «1» مجتهدا ... بقلب صافي الضمير «2» مرتبط
يا صاحب الأمر والذي يده ... نائلها للعفاة غير بطي «3»
رفعتم يا بني رفاعة ما ... كان من المعلوات في هبط
ومنبر الحق من سواه بكم ... فها هو الآن غير مختلط
وانضبط الأمر واستقام لكم ... ولم يكن «4» قبل ذا بمنضبط
أتيت في كل ما أتيت به ... فالغيث بعد الرجاء «5» والقنط
جللت عمّن سواك منزلة ... فلست ممّن سواك في نمط
أنت من المجد والعلا طرف ... وكلّهم في العلا من الوسط
كتابته: وقفت من ذلك على أفانين. منها في استهلال شهر رمضان قوله:
سلام على أنس المجتهدين، وراحة المتهجّدين، وقرّة أعين المهتدين، والذي زيّن الله به الدّنيا وأعزّ به الدين. شرّف الله به الإسلام، وجعل أيامه رقوما في عواتق الأيام، وشهوره غررا في جباه الأعلام، وحلّ به عن رقاب الأمة قلائد الآثام، ونزّه فيه الأسماع عن المكاره وصان الأفواه من رفث الكلام. أشهد أن الله أثنى عليك، وأدخل من شاء الجنّة على يديك، وخصّك من الفضائل بما يمشي فيه التّفسير حتى يكلّ، ويسأم ذلك اللسان ويملّ، وأبادت ذنوب الأمة بمثل ما أبادت الشمس الظّلّ، ذلك الذي يتهلل للسماء هلاله، ويهتزّ العرش لجلاله، وترتج الملائكة في حين إقباله، وتدخل الحور العين في زينتها تكريما، وتلتزم إجلاله وتعظيما، ويهتدي فيه الناس إلى دينهم صراطا مستقيما، وتغلّ الشياطين على ما خيّلت، وتذوق وبال ما كادت به وتخيّلت، ويشمّر التّقيّ لعبادة ربّه ذيلا، وتهبط الملائكة إلى سماء الدنيا ليلا، وينتظم المتّقون في ديوانه انتظام السّلك، ويكون خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك، وتفتح الجنّة أبوابا، ويغفر لمن صامه إيمانا واحتسابا، جزاء من ربك عطاء حسابا، وبما فضّلك الله على سائر الشهور، وقضى لك بالشّرف والفضل المشهور. فرضك في كتابه، ومدحك في خطابه، حيث قال: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان، يعني تكبير الناس


صفحه 352

عليك، وتقليب أحداقهم بالنظر إليك، حين لثمت بالسحاب، ونظرت من تحت ذلك النّقاب، وقد يمتاز الشّيب وإن استتر بالخضاب، حتى إذا وقف الأئمّة منك على الصّحيح، وصرّحوا برؤيتك كلّ التصريح، نظرت كل جماعة في اجتماعها، وتأهّبت القرّاء لإشفاعها، واندفعت الأصوات باختلاف أنواعها، وتضرعت الألباب، وطلبت المواقف أواخر الأعشار والأحزاب، وابتدئت ألم ذلك الكتاب، عند ما أوقدت قناديل كأنما قد بدت من الصباح، ورقصت رقص النواهد عند هبوب الرياح، والله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، فأمّلك المسلمون في سرّ وجهر، وحطّت أثقال السيئات عن كل ظهر، والتمست الليلة التي هي خير من ألف شهر، فنشط الصالحون بك صوما، وهجر المتهجّدون في ليلك نوما، وأكملناك إن أذن الله ثلاثين يوما. فيا أيها الذي رحل، رحل بعد مقامه، وقام للسّفر من مقامه، ورأى من قضى حقّه ومن قصّر في صيامه، فمشى الناس إلى تشييعه، وبكوا لفراقه وتوديعه، وندم المضيّع على ما كان من تضييعه، ولم يثق بدوام العيش إلى وقت رجوعه، فعضّ على كفّه ندما، وبكت عينه ماء وكبده دما. رويدا حتى أمرح في ميدان فراقك، وأتضرّع إلى حنانك وإشفاقك، وأتشفى من تقبيلك وعناقك، وأسأل منك حاجة إن أراد الله قضاءها، وشاء نفوذها وإمضاءها، إذا أنت وقفت لربّ العالمين، فقبلك من قوم وردّك في وجوه آخرين. إن تثني جميلا، فعسى يصفح لعهده وإن أساء، فعلم الله أني نويت التوبة أولا وآخرا، وأملت الأداء باطنا وظاهرا، وكنت على ذلك لو هدى الله قادرا، وإنما علم، من تقصير الإنسان ما علم، وللمرء ما قضي عليه به وحكم، وإن النفس لأمّارة بالسّوء إلّا من رحم، فإن غفر فبطوله وإحسانه، وإن عاقب فيما قدّمت يد العبد من عصيانه، فيا وحشة لهذه الفرقة، ويا أسفا على بعد الشّقة، ويا شدّ ما خلّفته لنا بفراقك من الجهد والمشقة، ولطالما هجر الإنسان بك ذنبه، وراقب إعظاما لكربه، وشرحت إلى أعمال البرّ قلبه. ومع هذا أتراك ترجع وترى، أم تضمّ علينا دونك أطباق الثّرى؟ فيا ويلتا إن حلّ الأجل، ولم أقض دينك، ورجعت وقد حال الموت بيني وبينك، فأغرب، لا جعله الله آخر التوديع، وأيّ قلب يستطيع.
وقال في استهلال شوال:
ولكل مقام مقال. الله أكبر هذا هلال شوّال قد طلع، وكرّ في منازله وقطع، وغاب أحد عشر شهرا ثم رجع. ما لي أراه رقيق الاستهلال، خفيّ الهلال، وروحا تردّد في مثل انملال؟ ما باله أمسى الله رسمه، وصحّح جسمه، ورفع في شهور العام اسمه؟ على وجهه صفرة بيّنة، ونار إشراقه ليّنة، وأرى السحاب تعتمده وتقف،


صفحه 353

وتغشاه سويعة وتنصرف، ما أراه إلّا بطول ذلك المقام، وتوالي الأهوال العظام، أصابه مرض في فصل من فصول العام، فعادته كما يعاد المريض، وبكته الأيام الغرّ والليالي البيض، وقلن: كلأك الله وكفاك، وحاطك وشفاك، وقل: كيف نجدك لا فضّ فاك، هذا على الظّن لا على التحقيق، ومجاز لا يحكم التّصديق. وليبعد مثل هذا المقدار، أن يقدح فيه طول الغيب وتواتر الأسفار. أليس هو قد ألف مجالي الرّياح، وصحب برد الصّباح، وشاهد الأهوية مع الغدو والرّواح، وطواها بتجربته طيّ الوشاح؟ ما ذاك إلّا أنّه رأى الشمس في بعض الأيام ماشية، والحسن يأخذ منها وسطا وحاشية، ودلائل شبابها ظاهرة فاشية، فوقع منها في نفسه ما وقع، وثبت على قلبه من النّظر ما زرع، ووقع في شركها وحقّ له أن يقع. فرثت هي لحاله وأشفقت، ونهجت بوصالها وتأنّقت، وقطعت من معدن نيلها وأنفقت، ورأت أنها له شاكلة يبلغ أملها، وتبلغ مأمله، ولذلك ما مدّت لذيذ السّماح، فتعرّضت بالعشيّ وارتصدها في الصباح، مع ما أيقنّا به من الانقطاع، ويمسّنا من الاجتماع، كما نفد القدر، وصدر الخبر، وقال: تعلن لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، فوجد لذلك وجدا شديدا، وأذاقه مع الساعات شوقا جديدا، وأصبح بها دنفا، وأمسى عميدا، حتى سلب ذلك بهاه، وأذهب سناه، وردّه النحول كما شاه، ولقي منها مثل ما لقي غيلان من ميّته، وجميل من بثينته، وحنّ إليها حنين عروة إلى عفراء، وموعدهما يوم وهب ناقته الصّفراء. على رسلك أني وهمت، وحسبت ذلك حقّا وتوهّمت، والآن وقد فطنت، وأصبت الفصّ فيما ظننت، إنه لقي رمضان في إقباله، وضمّه نقصان هلاله، وصامه فجأة ولم يك في باله، فأثّر ذلك في وجهه الطّلق، وأضعفه كما فعل بسائر الخلق، وها هو قد أقبل من سفره البعيد، فقل هو هلال الفطر أو قل هو هلال العيد، فلقه صباح مشى الناس فيه مشي الحباب، ولبسوا أفضل الثياب، وبرزوا إلى مصلّاهم من كل باب، فارتفعت همّة الإسلام، وشرفت أمة محمد عليه السلام، وخطب بالناس ودعا للإمام، عندما طلعت الشمس بوجه كدور المرآة، ولون كصفا المهراة، وخرج لا ينسيها ريم الفلاة. وقضوا السّنّة، وبذلوا الجهد في ذلك والمنّة، وسألوا من الله أن يدخلهم الجنّة، ثم خطبوا حمدا لله وشكرا، وذكروه كذكرهم آباءهم أو أشدّ ذكرا، ثم انصرفوا راشدين، وافترقوا حامدين، وشبك الشيخ بيديه، ونظر الشّاب في كفّيه، ورجعوا على غير الطريق الذي أتوا عليه، فلقد استشفى من الرّؤية ذو عينين، وتذكّر العاشق موقف البين، وشقّ المتنزّه بين الصّفين، فنقل عينيه من الوشي إلى الدّيباج، ووجوه كضوء السّراج، وعيون أقتل من سيف الحجّاج، ونظرات لا يدفع داؤها بالعلاج، وقد زيّنت العيون بالتكحيل، والشعور بالتّرجيل، وكرّر السّواك على مواضع التّقبيل، وطوّقت الأعناق بالعقود، وضرب الفكر في صفحات الخدود، ومدّ بالغالية


صفحه 354

على مواضع السجود، وأقبلت صنعاء بأوشيتها، وعنت بأرديتها، ودخلت العروس في حليتها، ورقمت الكفوف بالحنّاء، وأثني على الحسن وهو أحقّ بالثناء، وطلّقت التّوبة ثلاثا بعد البناء، وغصّ الذّراع بالسّوار، وتختّم في اليمين واليسار، وأمسكت الثياب بأيدي الأبكار، ومشت الإماء أمام الأحرار، وتقدمت الدّايات بالأطفال الصّغار، وامتلأت الدّنيا سرورا «1» ، وانقلب الكلّ إلى أهله مسرورا. وبينما كانت الحال كما نصصت، والحكاية كما قصصت، إذ تلألأت الدنيا برقا، وامتدّ مع الأفقين غربا وشرقا، وردّ لمعانه عيون الناظرين زرقا، ولولا أنه جرّب حتى يدرى، لقيل قد طلعت مع الشمس شمس أخرى، حتى أقبل من شرفت العرب بنسبه، وفخر الإسلام بسببه، من انتسب إلى زهرة وقصيّ، وازدانت به آل غالب وآل لؤي، من إذا ذكر المجد فهو ممسك بعده، أو الفضل فهو لابس برده، أو الفخر فهو واسطة عقده، أو الحسن فهو نسيج وحده، الذي رفع لواء العليا، وعارضت مكارمه صوب الحيا، وحكت محاسنه زهرة الحياة الدنيا. فأما وجهه فكما شرقت الشمس وأشرقت، وغربت كواكب سمائها وشرقت، وتفتّحت أطواق الليل عن غرر مجده وتشقّقت.
ولولا حيا يغلب عليه، وخفر يصحبه إذا نظرت إليه، لاستحال النهار، وغارت لنوره كواكب الأسحار، ولكاد سنا برقه يذهب بالأبصار، لا يحفل بالصبح إذا انفلق، ولا بالفجر إذا عمّ آفاق الدّجا وطبّق، ولو بدا للمسافر في ليله لطرق، وقد عجم الأبنوس على العاج، وأدار جفنا كما عطف على أطفالها النّعاج، يضرب بها ضرب السيف، ويلمّ بالفؤاد إلمام الطّيف، ويتلقّاها السّحر تلقّي الكريم للضيف. لو جرّدها على الرّيم لوقف، أو على فرعون ما صرف من سحره ما صرف، أو على بسطام ابن قيس لألقى سلاحه وانصرف. وأما أدواته فكما انشقّت الأرض عن نباتها، وأخذت زخرفها في إنباتها، ونفح عرف النّسيم في جنباتها، يتفنّن أفانين الزهر، ويتقلب تقلّب الدهر، وتطلع له نوادر كالنجوم الزهر، لو أبصره مطرّف ما شهر بخطّه، ولا جرّ من العجب ذيل مرطه، ولا كان المخبر معه من شرطه. وأما أنه لو قرىء على سحبان كتابه، وانحدر على نهره عبابه، وملأت مسامعه أطنابه وأسبابه، ما قام في بيانه ولا قعد، ولنزل عن مقامه الذي إليه صعد، ولا خلّف من بلاغته ما وعد. لعمرك ما كان بشر بن المعتمر يتفنّن للبلاغة فنونا، ولا يتقبّلها بطونا ومتونا، ولا أبو العتاهية ليشرطها كلاما موزونا، ولا نمّق الحسن بن سهل الألفاظ، ولا رفع قسّ بن ساعدة صوته بعكاظ، ولا أغاظ زيد بن علي هشاما بما أغاظ، وأما مكارمه


صفحه 355

فكما انسكب الغيث عن ظلاله، وخرج الودق من غلاله، فتدارك النّعمة عن فوتها، وأحيا الأرض بعد موتها، ذلك الشريف الأجلّ، الوزير الأفضل، أبو طالب ابن القرشي الزّهري، أدام الله اعتزازه، كما رقم في حلل الفخر طرازه، فاجتمعت به السيادة بعد افتراقها، وأشرق وجه الأرض لإشراقها، والتفّت الثياب بالثياب، وضمّ الرّكاب بالرّكاب، ولا عهد كأيام الشباب، فوصل القريب البعيد، وهنّوه كما جرت العادة بالعيد، فوقف مع ركابه وسلّمت، وجرت كلاما وبه تكلّمت، فقلت: تقبّل الله سعيك، وزكّى عملك، وبلّغك فيما تودّه أملك، ولا تأمّلت وجها من السّرور إلّا تأمّلك، ونفعك بما أوليت، وأجزل حظّك على ما صمت وصلّيت، ووافقتك لعلّ وساعدتك ليت، وهنّاك عيد الفطر وهنّأته، وبدأك بالمسرات وبدأته، وتبرّأ لك الدهر مما تحسد وبرّأته. وهكذا بحول الله أعياد واعتياد، وعمر في دوام وعزّ في ازدياد، والسّنّة تفصح بفضلك إفصاح الخطباء من إياد، وأقرأ عليك سلام الله ما أشرق الضّحى، ودام الفطر والأضحى.
دخوله غرناطة: دخل غرناطة، وتردّد إليها غير ما مرة، وأقام بها، وامتدح ابن أضحى «1» وابن هاني، وابن سعيد وغيرهم من أهلها. قال ابن سعيد في «طالعه» :
وقد وصف وصول ابن قزمان إلى غرناطة، واجتماعه بجنّته بقرية الزاوية من خارجها، بنزهون القليعية الأديبة، وما جرى بينهما، وأنها قالت له بعقب ارتجال بديع، وكان لبس غفارة صفراء: أحسنت يا بقرة بني إسرائيل، إلّا أنّك لا تسرّ النّاظرين، فقال لها: إن لم أسرّ الناظرين، فأنا أسرّ السامعين، وإنما يطلب سرور الناظرين منك، يا فاعلة يا صانعة. وتمكّن السّكر من ابن قزمان، وآل الأمر إلى أن تدافعوا معه حتى رموه في البركة، فما خرج منها إلّا وثيابه تقطر، وقد شرب كثيرا من الماء، فقال:
اسمع يا وزير ثم أنشد «2» : [السريع]
إيه أبا بكر ولا حول لي ... بدفع أعيان وأنذال
وذات فرج «3» واسع دافق ... بالماء يحكي حال أذيالي «4»
غرّقتني في الماء يا سيدي ... كفّره بالتغريق في المال


صفحه 356

فأمر بتجريده، وخلع عليه ما يليق به، ولم يمرّ لهم بعد عهدهم بمثله.
ولم ينتقل ابن قزمان من غرناطة، إلّا بعد ما أجزل له من الإحسان، ومدحه بما هو في ديوان أزجاله.
محنته: جرت عليه بابن حمدين «1» محنة كبيرة عظم لها نكاله، بسبب شكاسة أخلاق كان موصوفا بها، وحدّة شقي بسببها. وقد ألمّ الفتح في قلائده بذلك، واختلّت حاله بآخرة، واحتاج بعد انفصال أمر مخدومه الذي نوّه به.
وفاته: توفي بقرطبة لليلة بقيت من رمضان سنة خمس وخمسين وخمسمائة، والأمير ابن سعد يحاصر قرطبة رحمه الله.
محمد بن غالب الرّصافي «2»
يكنى أبا عبد الله، بلنسي الأصل، سكن غرناطة مدة، ثم مالقة.
حاله: قال الأستاذ «3» : كان فحلا من فحول الشعراء، ورئيسا في الأدباء، عفيفا، ساكنا، وقورا، ذا سمت وعقل. وقال القاضي «4» : كان شاعرا مجيدا، رقيق الغزل، سلس الطبع، بارع التّشبيهات، بديع الاستعارات، نبيل المقاصد والأغراض، كاتبا بليغا، ديّنا، وقورا، عفيفا، متفقها، عالي الهمة، حسن الخلق والخلق والسّمت، تام العقل، مقبلا على ما يعنيه من التّعيش بصناعة الرّفي التي كان يعالجها بيده، لم يبتذل نفسه في خدمة، ولا تعرض لانتجاع بقافية، خلا وقت سكناه بغرناطة، فإنه امتدح واليها حينئذ، ثم نزع عن ذلك، راضيا بالخمول حالا، والقناعة مالا، على شدّه الرغبة فيه، واغتنام ما يصدر عنه.
أخبار عقله وسكونه: قال الفقيه أبو الحسن شاكر بن الفخّار المالقي، وكان خبيرا بأحواله: ما رأيت عمري رجلا أحسن سمتا، وأطول صمتا، من أبي عبد الله الرصافي. وقال غيره من أصحابه: كان رفّاء، فما سمع له أحد من جيرانه كلمة في أحد. وقال أبو عمرو بن سالم: كان صاحبا لأبي، ولقيته غير ما مرة، وكان له


صفحه 357

موضع يخرج إليه في فصل العصير، فكنت أجتاز عليه مع أبي فألثم يده، فربما قبّل رأسي، ودعا لي، وكان أبي يسأله الدعاء فيخجل، ويقول: أنا والله أصغر من ذلك.
قال: وكان بإزائه أبو جعفر البلنسي، وكان متوقّد الخاطر، فربما تكلم مع أحد التجار، فكان منه هفوة، فيقول له جلساؤه: شتّان والله بينك وبين أبي عبيد الله في العقل والصمت، فربما طالبه بأشياء ليجاوبه عليها، فما يزيد على التبسم. فلما كان أحد الأيام، جاء البلنسي ليفتح دكانه، فتعمّد إلقاء الغلق من يده، فوقع على رأس أبي عبد الله، وهو مقبل على شغله، فسال دمه، فما زاد على أن قام ومسح الدم، ثم ربط رأسه، وعاد إلى شغله. فلمّا رأى ذلك منه أبو جعفر ترامى عليه، وجعل يقبّل يديه، ويقول: والله ما سمعت برجل أصبر منك، ولا أعقل.
شعره: وشعره لا نهاية فوقه رونقا ومائية، وحلاوة وطلاوة، ورقّة ديباجة، وتمكّن ألفاظ، وتأصّل معنى. وكان، رحمه الله، قد خرج صغيرا من وطنه، فكان أبدا يكثر الحنين إليه، ويقصر أكثر منظومه عليه. ومحاسنه كثيرة فيه، فمن ذلك قوله «1» : [الطويل]
خليليّ، ما للبيد قد عبقت نشرا؟ ... وما لرؤوس الرّكب قد رنّحت «2» سكرا؟
هل المسك مفتوقا «3» بمدرجة الصّبا ... أم القوم أجروا من بلنسية ذكرا؟
خليليّ، عوجا بي قليلا «4» فإنه ... حديث كبرد الماء في الكبد الحرّى
قفا غير مأمورين ولتتصدّيا «5» ... على ثقة للمزن «6» فاستسقيا القطرا
بجسر معان والرّصافة أنه ... على القطر أن يسقي الرّصافة والجسرا «7»
بلادي التي ريشت قويدمتي «8» بها ... فريخا وأورثتني قرارتها وكرا
مبادئ «9» أنيق «10» العيش في ريّق الصّبا ... أبى الله أن أنسى اغتراري بها غرّا «11»


صفحه 358

لبسنا بها ثوب الشباب لباسها ... ولكن عرينا من حلاه، ولم تعرا «1»
أمنزلنا عصر الشبيبة ما الذي ... طوى دوننا تلك الشبيبة والعصرا؟
محلّ أغرّ العهد لم نبد ذكره ... على كبد إلا امترى أدمعا حمرا
أكلّ مكان كان «2» في الأرض مسقطا ... لرأس الفتى يهواه ما عاش مضطرّا «3»
ولا مثل مدحوّ من المسك تربة ... تملّي الصّبا فيه حقيبتها «4» عطرا
نبات كأنّ الخدّ يحمل نوره ... تخال لجينا في أعاليه أو تبرا
وماء «5» كترصيع المجرّة جلّلت ... نواحيه «6» الأزهار واشتبكت «7» زهرا
أنيق كريّان «8» الحياة التي خلت «9» ... طليق كريعان «10» الشّباب الذي مرّا
وقالوا: هل الفردوس ما قد وصفته؟ ... فقلت: وما الفردوس في الجنّة الأخرى «11»
بلنسية تلك الزّمرّدة «12» التي ... تسيل عليها كلّ لؤلؤة نهرا
كأنّ عروسا أبدع الله حسنها ... فصيّر من شرخ الشّباب لها عمرا
توبّد «13» فيها شعشعانيّة الضّحى «14» ... مضاحكة الشمس البحيرة والبحرا «15»
تزاحم «16» أنفاس الرياح بزهرها ... نجوما فلا شيطان يقربها «17» ذعرا
وإن كان قد مدّت يد البين بيننا ... من الأرض ما يهوى المجدّ به شهرا «18»