بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 361

وامسح لنا عن مقلتيك من الكرى ... نوما تكابد من بكا وسهاد
هذا الصباح ولا تهبّ إلى متى ... طال الرّقاد ولات حين رقاد
وكأنما قال الرّدى نم وادعا ... سبقت إلى البشرى بحسن معاد
أموسّدا تلك الرخام بمرقد ... أخشن به من مرقد ووساد
خصبت بقدرك حفرة فكأنها ... من جوفها في مثل حرف الصّاد
وثّر لجنبك من أثاث مخيّم ... ترب النّدى «1» وصفائح أنضاد
يا ظاعنا ركب السّرى في ليلة ... طار الدليل بها وحاد الحادي
أعزز علينا إن حططت بمنزل ... تبلى «2» عن الزّوار والعوّاد
جار الأفراد هنالك جيرة «3» ... سقيا لتلك الجيرة الأفراد!
الساكنين إلى المعاد، قبابهم ... منشورة الأطناب والأغماد
من كل ملقية الجراب بمضرب ... ناب البلى فيه عن الأوتاد
بمعرّس السّفر الألى ركبوا السّرى ... مجهولة الغايات والآماد
سيّان فيهم ليلة ونهارها ... ما أشبه التّأويب بالإسناد
لحق البطون من اللّعب على الطّوى «4» ... وعلى الرّواحل عنفوان الزاد
لله هم فلشدّ ما نفضوا من ام ... تعة الحياة «5» حقائب الأجساد
يا ليت شعري والمنى لك جنّة ... والحال مؤذنة بطول بعاد
هل للعلا بك بعدها من نهضة ... أم لانقضاء نواك من ميعاد؟
بأبي وقد ساروا بنعشك صارم ... كثرت حمائله على الأكتاد «6»
ذلّت عواتق حامليك فإنّهم ... شاموك في غمد بغير نجاد
نعم الذّماء «7» البرّ ما قد غوّروا ... جثمانه بالأبرق المنقاد
علياء «8» خصّ بها الضريح وإنما ... نعم الغوير بأبؤس الأنجاد


صفحه 362

أبني العباس، أيّ حلاحل ... سلبتكم الدّنيا وأيّ مصاد
هل كان إلّا العين وافق سهمها ... قدرا فأقصد أيّما إقصاد؟
أخلل بمجد لا يسدّ مكانه ... بالإخوة النّجباء والأولاد
ولكم يرى بك من هضاب لم يكن ... لولاك غير دكادك ووهاد
ما زلت تنعشها بسيبك قابضا ... منها على الأضباع والأعضاد
حتى أراك أبا محمد الرّدى ... كيف انهداد بواذخ الأطواد
يا حرّها من جمرة مشبوبة ... يلقى لها الأيدي على الأكتاد
كيف العزاء وإنها لرزيّة ... خرج الأسى فيها عن المعتاد
صدع النّعاة بها فقلت لمدمعي ... كيف انسكابك يا أبا الجوّاد؟
لك من دمي ما شئت غير منهنه ... صب كيف شئت معصفر الأبراد
بقصير مجتهد وحسبك غاية ... لو قد بلغت بها كبير مراد
أمّا الدموع فهنّ «1» أضعف ناصر ... لكنّهنّ كثيرة التّعداد «2»
ثم السّلام ولا أغبّ قراره ... وأرتك صوب روائح وغواد
تسقيك ما سفحت عليك يراعة ... في خدّ قرطاس دموع مداد
ومن غراميّاته وإخوانيّاته قوله من قصيدة «3» : [البسيط]
عاد الحديث إلى ما جرّ أطيبه ... والشيء يبعث ذكر الشيء عن سبب
إيه عن الكدية البيضاء إنّ لها ... هوى بقلب «4» أخيك الواله الوصب
راوح بها «5» السّهل من أكنافها وأرح ... ركابنا ليلنا «6» هذا من التّعب
وانضح نواحيها «7» من مقلتيك وسل ... عن «8» الكثيب الكريم العهد في الكتب «9»
وقل لسرحته يا سرحة كرمت ... على أبي عامر: عزّي عن السّحب
يا عذبة الماء والظلّ أنعمي طفلا ... حيّيت ممسية ميّادة القضب «10»
ماذا على ظلّك الألمى وقد قلصت ... أفياؤه لو ضفا شيئا لمغترب


صفحه 363

أهكذا تنقضي نفسي لديك ظما ... الله في رمق من جارك الجنب «1»
لولاك يا سرح لم يبق «2» الفلا عطلا ... من السّرى، والدّجى خفاقة الطّنب
ولم نبت نتقاضى من مدامعنا ... دينا لتربك من رقراقها السّرب
إنّا «3» إذا ما تصدّى من هوى طلل ... عجنا عليه فحيّيناه عن كثب
مستعطفين سخيّات الشؤون له ... حتى تحاك «4» عليه نمرق «5» العشب
سلي خميلتك الرّيّا بأيّة «6» ما ... كانت ترفّ بها ريحانة الأدب
عن فتية نزلوا عليا «7» سرارتها ... عفت محاسنهم إلّا من الكتب
محافظين على العليا وربّتما ... هزّوا السجايا قليلا بابنة العنب
حتى إذا ما قضوا من كأسها وطرا ... وضاحكوها إلى حدّ «8» من الطّرب
راحوا رواحا وقد زيدت عمائمهم ... حلما ودارت على أبهى من الشّهب «9»
لا يظهر السّكر «10» حالا من «11» ذوائبهم ... إلّا التفاف «12» الصّبا في ألسن العذب
المنزلين القوافي من معاقلها ... والخاضدين لديها شوكة العرب
ومن مقطوعاته قوله «13» : [الطويل]
دعاك خليل والأصيل كأنه ... عليل يقضّي مدة الزمن الباقي «14»
إلى شطّ منساب كأنّك ماؤه ... صفاء ضمير أو عذوبة أخلاق «15»
ومهوى جناح للصّبا يمسح الرّبى ... خفيّ الخوافي والقوادم خفّاق
وفتيان صدق كالنجوم تألّفوا ... على النّأي من شتّى بروج وآفاق


صفحه 364

على حين راح البرق في الجو مغمدا ... ظباه ودمع المزن في جفنه راق
وجالت بعيني في الرياض التفاتة ... حبست بها كأسي قليلا عن السّاقي «1»
على سطر خيريّ ذكرتك فانثنى ... يميل بأعناق ويرنو بأحداق
وقف وقفة المحبوب منه فإنها ... شمائل مشغوف بمرآك مشتاق
وصل زهرات منه صفر كأنها ... وقد خضلت قطرا محاجر عشّاق
وقال، وكلفها في حائك، وهو بديع «2» : [البسيط]
قالوا وقد أكثروا في حبّه عذلي «3» ... لو لم تهم بمذال «4» القدر مبتذل
فقلت لو أنّ أمري في الصّبابة لي ... لاخترت ذاك ولكن ليس ذلك لي
في كلّ قلب عزيزات مذلّلة ... للحسن والحسن ملك حيث جلّ ولي
علّقته حببيّ «5» الثّغر عاطره ... درّيّ لون المحيّا أحور المقل «6»
إذا تأمّلته أعطاك ملتفتا ... ما شئت من لحظات الشّادن الوجل «7»
هيهات أبغي به من غيره بدلا ... أخرى الليالي وهل في الغير من بدل؟
غزيّل لم تزل في الغزل جائلة ... بنانه جولان الفكر في الغزل
جذلان تلعب بالمحواك «8» أنمله ... على السّدى لعب الأيام بالأمل «9»
ما إن يني تعب الأطراف مشتغلا ... أفديه من تعب الأطراف مشتغل
ضربا «10» بكفّيه أو فحصا بأخمصه ... تخبّط الظّبي في أشراك محتبل
وقال «11» : [الكامل]
ومهفهف كالغصن إلّا أنّه ... سلب التّثنّي النوم عن أثنائه


صفحه 365

أضحى ينام وقد تخدّد «1» خدّه ... عرقا فقلت الورد رشّ بمائه
وقال «2» : [الوافر]
أدرها فالغمامة قد أجالت ... سيوف البرق في لمم البطاح
وراق الروض طاووسا بهيّا ... تهبّ عليه أنفاس الرياح
تقول وقد ثنى قزح عليه ... ثياب الغيم معلمة النواح
خذوا للصّحو أهبتكم فإني ... أعرت المزن قادمتي جناح
وقال «3» : [الطويل]
أدرها على أمر فما ثم من باس ... وإن جدّدت آذانها ورق الآس
وما هي إلّا ضاحكات غمائم ... لواعب من ومض البروق بمقياس
ووفد رياح زعزع النّهر مدّه ... كما وطئت درعا سنابك أفراس
وقال في وصف مغنّ محسن «4» : [الكامل]
ومطارح ممّا تجسّ «5» بنانه ... صوتا «6» أفاض عليه ماء وقاره
يثني الحمام فلا يروح لوكره ... طربا ورزق بنيه في منقاره
وقال يصف جدول ماء عليه سرحة، ولها حكاية معروفة «7» : [الكامل]
ومهدّل الشّطّين تحسب أنه ... متسيّل من درّة لصفائه
فاءت عليه مع العشيّة «8» سرحة ... صدئت لفيئتها صفيحة مائه
فتراه أزرق في غلالة سمرة ... كالدّراع استلقى بظلّ لوائه
نثره: قال من مقامة يصف القلم «9» : [المتقارب]
قصير الأنابيب «10» لكنه ... يطول مضاء «11» طوال الرّماح


صفحه 366

إذا عبّ للنفس في دامس ... ودبّ من الطّرس فوق الصّفاح
تجلّت به مشكلات الأمور ... ولان له الصّعب بعد الجماح
فلولا هو «1» لغدت أغصان الاكتساب ذاوية، وبيوت الأموال خاوية، وأسرعت إليها البوسى، وأصبحت كفؤاد أمّ موسى، فهو لا محالة تجرها الأربح، وميزانها الأرجح. به تدرّ ألبانها، وتثمر أفنانها، وتستمرّ أفضالها وإحسانها، وهو رأس مالها، وقطب عمّالها وأعمالها. وصاحب القلم قد حوى المملكة بأسرها، وتحكّم في طيّها ونشرها، وهو قطب مدارها، وجهينة أخبارها، وسرّ اختيارها واختبارها، ومظهر مجدها وفخارها، يعقد الرّايات لكل وال، ويمنحهم من المبرّة كلّ صافية المقيل ضافية السّربال، يطفي جمرة الحرب العوان، ويكايد العدوّ بلا صارم ولا سنان، يقدّ المفاصل، ويتخلل الأباطح والمعاقل، ويقمع الحواسد والعوذال.
وفاته: توفي بمالقة يوم الثلاثاء لإحدى عشرة بقيت من رمضان سنة اثنتين «2» وسبعين وخمسمائة. وقبره مشهور بها.
محمد بن قاسم بن أبي بكر القرشي المالقي
من أهل مالقة، وسكن غرناطة وتردد إليها.
حاله: كان لبيبا لوذعيّا، جامعا لخصال؛ من خطّ بارع، وكتابة، ونظم، وشطرنج، إلى نادر حار، وخاطر ذكي، وجرأة. توجّه إلى العدوة، وارتسم بها طبيبا؛ وتولّى النظر على المارستان بفاس في ربيع الثاني من عام أربعة وخمسين وسبعمائة.
شعره: أنشدني بمدينة فاس عام ستة وخمسين، في وجهتي رسولا إلى المغرب، قوله في رجل يقطع في الكاغد: [المجتث]
أبا عليّ حسينا ... أين الوفا منك أينا؟
قد بيّن الدمع وجدي ... وأنت تزداد بينا
بلّت لحاظك قلبي ... تالله ما قلت مينا
قطّ المقصّ لهذا ... سبب الصّبّ مينا
بقيت تفتر حسنا ... ودمت تزداد زينا


صفحه 367

وقال أيضا: [البسيط]
فضل التجارات باد في الصناعات ... لولا الذي هو فيها هاجر عات
حاز الجمال فأعياني وأعجزني ... وإن دعيت بوصّاف ونعّات
وكان شديد المغالطة، ذاهبا أقصى مذاهب القحة، يحرّك من لا يتحرك، ويغضب من لا يغضب. عتب يوما جدّته على طعام طبخته له، ولم يستطبه، وكان بين يديه القط يصدعه بصياج طلبه، فقال له: ضجرا، خمسمائة سوط، فقالت له جدّته: لم تعط هذه السياط للقط، إنما عنيتني بها، وأعطيتها باسم القط، فقال لها:
حاش لله يا مولاتي، وبهذا البخل تدريني أو الزحام عليها، بل ذلك للقط حلالا طيبا، ولك أنت ألف من طيبة قلب، فأرسلها مثلا، وما زلنا نتفكّه بذلك، وكان في هذا الباب لا يشقّ غباره.
مولده: بمالقة عام ثلاثة وسبعمائة.
وفاته: بعث إليّ الفقيه أبو عبد الله الشّديد، يعرفني أنه توفي في أواسط عام سبعة وخمسين وسبعمائة.
محمد بن سليمان بن القصيرة «1»
أبو بكر، كاتب الدولة اللّمتونية، وعلم وقته.
حاله: قال ابن الصيرفي: الوزير الكاتب، الناظم، الناثر، القائم بعمود الكتابة، والحامل لواء «2» البلاغة، والسابق الذي لا يشقّ غباره، ولا تخمد أبدا أنواره. اجتمع له براعة النثر، وجزالة النظم، رقيق النّسيج، حصيف المتن، رقعته ما شئت في العين واليد. قال ابن عبد الملك «3» : وكان كاتبا مجيدا، بارع الخطّ، كتب عن يوسف بن تاشفين «4» .
مشيخته: روى عن أبي الحجاج الأعلم، وأبي الحسن بن «5» شريح، وروى عنه أبو الوليد هشام بن يوسف بن الملجوم، لقيه بمرّاكش «6» .


صفحه 368

شعره: وهو عندي في نمط دون ما وصف به. فمن ذلك قوله من قصيدة أنحى فيها على ابن ذي النّون، ومدح ابن عباد، عند خلع ابن جهور، أبي الوليد، وتصيير قرطبة إليه: [الطويل]
فسل عنه أحشاء ابن ذي النون هل سرى ... إليها سكون منذ زلزلها الذّعر؟
وهل قدّرت مذ أوحشته طلائع ال ... ظهور عليه أنّى «1» تؤنسه الخمر؟
ألم يجن يحيى من تعاطيك ظلّه ... سجا لك هيهات السّهى منك يا بدر
لجاراك واستوفيت أبعد غاية ... وآخره عن شأوك الكفّ والعثر
فأحرزت فضل السّبق عفوا وكفّه ... على رغمه مما توهّمه صفر
ويا شدّ ما أغرته قرطبة وقد ... أبشرتها خيلنا فكان لك الدّرّ
ومنها:
أتتك وقد أزرى ببهجة حسنها ... ولا أنها «2» من جور مالكها طمر
فألبستها من سابغ العدل حلّة ... زهاها بها تيه وغازلها كبر
وجاءتك متفالا فضمّخ حيّها ... وإزدانها «3» من ذكرك المعتلي عطر
وأجريت ماء الجود في عرصاتها ... فروّض حتى كاد أن يورق الصّخر
وطاب هواء «4» أفقها فكأنها ... تهبّ نسيما فيه أخلاقك الزّهر
وما أدركتهم في هواك هوادة ... وما ائتمروا إلّا لما أمر البرّ
وما قلّدوك الأمر «5» إلّا لواجب ... وما «6» جئته فيه المجرّب والغمر
وبوّأهم في ذروة المجد معقلا ... حرام على الأيام إلمامه حجر
وأوردهم من فضل سيبك موردا ... على كثرة الوارد مشرعه غمر
فلولاك لم تفصل عرى الإصر عنهم ... ولا انفكّ من ربق الأذى لهم أسر
أعدت نهار ليلهم ولطالما ... أراهم نجوم الليل في أفقه الظهر
ولا زلت تؤويهم إلى ظلّ دوحة ... من العزّ في أرحابها النّعم الخضر