أهكذا تنقضي نفسي لديك ظما ... الله في رمق من جارك الجنب «1»
لولاك يا سرح لم يبق «2» الفلا عطلا ... من السّرى، والدّجى خفاقة الطّنب
ولم نبت نتقاضى من مدامعنا ... دينا لتربك من رقراقها السّرب
إنّا «3» إذا ما تصدّى من هوى طلل ... عجنا عليه فحيّيناه عن كثب
مستعطفين سخيّات الشؤون له ... حتى تحاك «4» عليه نمرق «5» العشب
سلي خميلتك الرّيّا بأيّة «6» ما ... كانت ترفّ بها ريحانة الأدب
عن فتية نزلوا عليا «7» سرارتها ... عفت محاسنهم إلّا من الكتب
محافظين على العليا وربّتما ... هزّوا السجايا قليلا بابنة العنب
حتى إذا ما قضوا من كأسها وطرا ... وضاحكوها إلى حدّ «8» من الطّرب
راحوا رواحا وقد زيدت عمائمهم ... حلما ودارت على أبهى من الشّهب «9»
لا يظهر السّكر «10» حالا من «11» ذوائبهم ... إلّا التفاف «12» الصّبا في ألسن العذب
المنزلين القوافي من معاقلها ... والخاضدين لديها شوكة العرب
ومن مقطوعاته قوله «13» : [الطويل]
دعاك خليل والأصيل كأنه ... عليل يقضّي مدة الزمن الباقي «14»
إلى شطّ منساب كأنّك ماؤه ... صفاء ضمير أو عذوبة أخلاق «15»
ومهوى جناح للصّبا يمسح الرّبى ... خفيّ الخوافي والقوادم خفّاق
وفتيان صدق كالنجوم تألّفوا ... على النّأي من شتّى بروج وآفاق
على حين راح البرق في الجو مغمدا ... ظباه ودمع المزن في جفنه راق
وجالت بعيني في الرياض التفاتة ... حبست بها كأسي قليلا عن السّاقي «1»
على سطر خيريّ ذكرتك فانثنى ... يميل بأعناق ويرنو بأحداق
وقف وقفة المحبوب منه فإنها ... شمائل مشغوف بمرآك مشتاق
وصل زهرات منه صفر كأنها ... وقد خضلت قطرا محاجر عشّاق
وقال، وكلفها في حائك، وهو بديع «2» : [البسيط]
قالوا وقد أكثروا في حبّه عذلي «3» ... لو لم تهم بمذال «4» القدر مبتذل
فقلت لو أنّ أمري في الصّبابة لي ... لاخترت ذاك ولكن ليس ذلك لي
في كلّ قلب عزيزات مذلّلة ... للحسن والحسن ملك حيث جلّ ولي
علّقته حببيّ «5» الثّغر عاطره ... درّيّ لون المحيّا أحور المقل «6»
إذا تأمّلته أعطاك ملتفتا ... ما شئت من لحظات الشّادن الوجل «7»
هيهات أبغي به من غيره بدلا ... أخرى الليالي وهل في الغير من بدل؟
غزيّل لم تزل في الغزل جائلة ... بنانه جولان الفكر في الغزل
جذلان تلعب بالمحواك «8» أنمله ... على السّدى لعب الأيام بالأمل «9»
ما إن يني تعب الأطراف مشتغلا ... أفديه من تعب الأطراف مشتغل
ضربا «10» بكفّيه أو فحصا بأخمصه ... تخبّط الظّبي في أشراك محتبل
وقال «11» : [الكامل]
ومهفهف كالغصن إلّا أنّه ... سلب التّثنّي النوم عن أثنائه
أضحى ينام وقد تخدّد «1» خدّه ... عرقا فقلت الورد رشّ بمائه
وقال «2» : [الوافر]
أدرها فالغمامة قد أجالت ... سيوف البرق في لمم البطاح
وراق الروض طاووسا بهيّا ... تهبّ عليه أنفاس الرياح
تقول وقد ثنى قزح عليه ... ثياب الغيم معلمة النواح
خذوا للصّحو أهبتكم فإني ... أعرت المزن قادمتي جناح
وقال «3» : [الطويل]
أدرها على أمر فما ثم من باس ... وإن جدّدت آذانها ورق الآس
وما هي إلّا ضاحكات غمائم ... لواعب من ومض البروق بمقياس
ووفد رياح زعزع النّهر مدّه ... كما وطئت درعا سنابك أفراس
وقال في وصف مغنّ محسن «4» : [الكامل]
ومطارح ممّا تجسّ «5» بنانه ... صوتا «6» أفاض عليه ماء وقاره
يثني الحمام فلا يروح لوكره ... طربا ورزق بنيه في منقاره
وقال يصف جدول ماء عليه سرحة، ولها حكاية معروفة «7» : [الكامل]
ومهدّل الشّطّين تحسب أنه ... متسيّل من درّة لصفائه
فاءت عليه مع العشيّة «8» سرحة ... صدئت لفيئتها صفيحة مائه
فتراه أزرق في غلالة سمرة ... كالدّراع استلقى بظلّ لوائه
نثره: قال من مقامة يصف القلم «9» : [المتقارب]
قصير الأنابيب «10» لكنه ... يطول مضاء «11» طوال الرّماح
إذا عبّ للنفس في دامس ... ودبّ من الطّرس فوق الصّفاح
تجلّت به مشكلات الأمور ... ولان له الصّعب بعد الجماح
فلولا هو «1» لغدت أغصان الاكتساب ذاوية، وبيوت الأموال خاوية، وأسرعت إليها البوسى، وأصبحت كفؤاد أمّ موسى، فهو لا محالة تجرها الأربح، وميزانها الأرجح. به تدرّ ألبانها، وتثمر أفنانها، وتستمرّ أفضالها وإحسانها، وهو رأس مالها، وقطب عمّالها وأعمالها. وصاحب القلم قد حوى المملكة بأسرها، وتحكّم في طيّها ونشرها، وهو قطب مدارها، وجهينة أخبارها، وسرّ اختيارها واختبارها، ومظهر مجدها وفخارها، يعقد الرّايات لكل وال، ويمنحهم من المبرّة كلّ صافية المقيل ضافية السّربال، يطفي جمرة الحرب العوان، ويكايد العدوّ بلا صارم ولا سنان، يقدّ المفاصل، ويتخلل الأباطح والمعاقل، ويقمع الحواسد والعوذال.
وفاته: توفي بمالقة يوم الثلاثاء لإحدى عشرة بقيت من رمضان سنة اثنتين «2» وسبعين وخمسمائة. وقبره مشهور بها.
محمد بن قاسم بن أبي بكر القرشي المالقي
من أهل مالقة، وسكن غرناطة وتردد إليها.
حاله: كان لبيبا لوذعيّا، جامعا لخصال؛ من خطّ بارع، وكتابة، ونظم، وشطرنج، إلى نادر حار، وخاطر ذكي، وجرأة. توجّه إلى العدوة، وارتسم بها طبيبا؛ وتولّى النظر على المارستان بفاس في ربيع الثاني من عام أربعة وخمسين وسبعمائة.
شعره: أنشدني بمدينة فاس عام ستة وخمسين، في وجهتي رسولا إلى المغرب، قوله في رجل يقطع في الكاغد: [المجتث]
أبا عليّ حسينا ... أين الوفا منك أينا؟
قد بيّن الدمع وجدي ... وأنت تزداد بينا
بلّت لحاظك قلبي ... تالله ما قلت مينا
قطّ المقصّ لهذا ... سبب الصّبّ مينا
بقيت تفتر حسنا ... ودمت تزداد زينا
وقال أيضا: [البسيط]
فضل التجارات باد في الصناعات ... لولا الذي هو فيها هاجر عات
حاز الجمال فأعياني وأعجزني ... وإن دعيت بوصّاف ونعّات
وكان شديد المغالطة، ذاهبا أقصى مذاهب القحة، يحرّك من لا يتحرك، ويغضب من لا يغضب. عتب يوما جدّته على طعام طبخته له، ولم يستطبه، وكان بين يديه القط يصدعه بصياج طلبه، فقال له: ضجرا، خمسمائة سوط، فقالت له جدّته: لم تعط هذه السياط للقط، إنما عنيتني بها، وأعطيتها باسم القط، فقال لها:
حاش لله يا مولاتي، وبهذا البخل تدريني أو الزحام عليها، بل ذلك للقط حلالا طيبا، ولك أنت ألف من طيبة قلب، فأرسلها مثلا، وما زلنا نتفكّه بذلك، وكان في هذا الباب لا يشقّ غباره.
مولده: بمالقة عام ثلاثة وسبعمائة.
وفاته: بعث إليّ الفقيه أبو عبد الله الشّديد، يعرفني أنه توفي في أواسط عام سبعة وخمسين وسبعمائة.
محمد بن سليمان بن القصيرة «1»
أبو بكر، كاتب الدولة اللّمتونية، وعلم وقته.
حاله: قال ابن الصيرفي: الوزير الكاتب، الناظم، الناثر، القائم بعمود الكتابة، والحامل لواء «2» البلاغة، والسابق الذي لا يشقّ غباره، ولا تخمد أبدا أنواره. اجتمع له براعة النثر، وجزالة النظم، رقيق النّسيج، حصيف المتن، رقعته ما شئت في العين واليد. قال ابن عبد الملك «3» : وكان كاتبا مجيدا، بارع الخطّ، كتب عن يوسف بن تاشفين «4» .
مشيخته: روى عن أبي الحجاج الأعلم، وأبي الحسن بن «5» شريح، وروى عنه أبو الوليد هشام بن يوسف بن الملجوم، لقيه بمرّاكش «6» .
شعره: وهو عندي في نمط دون ما وصف به. فمن ذلك قوله من قصيدة أنحى فيها على ابن ذي النّون، ومدح ابن عباد، عند خلع ابن جهور، أبي الوليد، وتصيير قرطبة إليه: [الطويل]
فسل عنه أحشاء ابن ذي النون هل سرى ... إليها سكون منذ زلزلها الذّعر؟
وهل قدّرت مذ أوحشته طلائع ال ... ظهور عليه أنّى «1» تؤنسه الخمر؟
ألم يجن يحيى من تعاطيك ظلّه ... سجا لك هيهات السّهى منك يا بدر
لجاراك واستوفيت أبعد غاية ... وآخره عن شأوك الكفّ والعثر
فأحرزت فضل السّبق عفوا وكفّه ... على رغمه مما توهّمه صفر
ويا شدّ ما أغرته قرطبة وقد ... أبشرتها خيلنا فكان لك الدّرّ
ومنها:
أتتك وقد أزرى ببهجة حسنها ... ولا أنها «2» من جور مالكها طمر
فألبستها من سابغ العدل حلّة ... زهاها بها تيه وغازلها كبر
وجاءتك متفالا فضمّخ حيّها ... وإزدانها «3» من ذكرك المعتلي عطر
وأجريت ماء الجود في عرصاتها ... فروّض حتى كاد أن يورق الصّخر
وطاب هواء «4» أفقها فكأنها ... تهبّ نسيما فيه أخلاقك الزّهر
وما أدركتهم في هواك هوادة ... وما ائتمروا إلّا لما أمر البرّ
وما قلّدوك الأمر «5» إلّا لواجب ... وما «6» جئته فيه المجرّب والغمر
وبوّأهم في ذروة المجد معقلا ... حرام على الأيام إلمامه حجر
وأوردهم من فضل سيبك موردا ... على كثرة الوارد مشرعه غمر
فلولاك لم تفصل عرى الإصر عنهم ... ولا انفكّ من ربق الأذى لهم أسر
أعدت نهار ليلهم ولطالما ... أراهم نجوم الليل في أفقه الظهر
ولا زلت تؤويهم إلى ظلّ دوحة ... من العزّ في أرحابها النّعم الخضر
كتابته: وهي من قلّة التصنّع والإخشوشان، بحيث لا يخفى غرضها، ولكل زمان رجاله. وهي مع ذلك تزينها السذاجة، وتشفع لها الغضاضة. كتب عن الأمير يوسف بن تاشفين ولاية عهده لولده:
«هذا كتاب تولية عظيم جسيم، وتوصية حميم كريم، مهدت على الرّضا قواعده، وأكّدت بيد التقوى مواعده ومعاقده، وسدّدت إلى الحسنى مقاصده، وأبعدت عن الهوادة والهوى مصادره وموارده. أنفذه أمير المسلمين، وناصر الدين، أبو يعقوب يوسف بن تاشفين، أدام الله أمره، وأعزّ نصره، وأطال فيما يرضيه منه، ويرضى به عنه عمره، غير محاب، ولا تارك في النصيحة لله ولرسوله والمسلمين موضع ارتياب لمرتاب، للأمير الأجل أبي الحسن عليّ ابنه، المتقبّل هممه وشيمه، المتأثّل حلمه وتحلّمه، الناشىء في حجر تقويمه وتأديبه، المتصرّف بين يدي تخريجه وتدريبه، أدام الله عزّه وتوفيقه، ونهج إلى كل صالح من الأعمال طريقه، وقد تهمّم بمن تحت عصاه من المسلمين، وهدى في انتقاء من يخلفه هدى المتّقين، ولم ير أن يتركهم بعد سدى غير مدينين، واعتام في النّصاب الرفيع واختار واستنصح أولي الرأي والدين، واستشار فلم يوقع بعد طول تأمل، وتراخي مدة، وتمثل اختياره، واختبار من فاوضه في ذلك من أولي التقوى والحنكة واستشارة الأعلية، ولا صار بدونهم الارتياد والاجتهاد إلّا إليه، ولا التقى روّاد الرأي والتشاور إلّا لديه. فولّاه عن استحكام بصيرة، وبعد طول مشورة، عهده، وأفضى إليه الأمر والنهي، والقبض والبسط عنده بعده، وجعله خليفته السّاد في رعاياه مسّده، وأوطأ عقبه جماهير الرجال، وناط به مهمات الأمور والأعمال، وعهد إليه أن يتّقي الله ما استطاع، ولا يعدل عن سمت العدل وحكم الكتاب والسّنّة في أحد عصا أو أطاع، ولا ينام عن حماه الحيف والخوف بالاضطجاع، ولا يتليّن دون معلن شكوى، ولا يتصام عن مستصرخ لذي بلوى، وأن ينظم أقصى البلاد وأدناها في سلك تدبيره، ولا يكون بين القريب والبعيد بون في إحصائه وتقديره. ثم دعا، أدام الله تأييده، لمبايعته، أدام الله عزّه ونصره، من حضر ودنا من المسلمين، فلبّوا مسرعين، وأتوا مهطعين، وأعطوا صفقة إيمانهم متبرّعين متطوعين، وبايعوه على السمع والطاعة، والتزام سنن الجماعة، وبذل النصيحة جهد الاستطاعة، ومناصفة من ناصفه، ومحاربة من حاربه، ومكايدة من كايده، ومعاندة من عانده، لا يدّخرون في ذلك على حال المنشط مقدرة، ولا يحتجون في حالتي الرضا والسخط إلى معذرة. ثم أمر بمخاطبة سائر أهل البلاد لمبايعته، كل طائفة منهم في بلدها، وتعطيه كما أعطاه من حضر صفقة يدها، حتى ينتظم في التزام طاعته القريب والبعيد، ويجتمع على الاعتصام بحبل دعوته الغائب
والشهيد، وتطمئنّ من أعلام الناس وخيارهم نفوس قلقة، وتنام عيون لم تزل مخافة إقذائها مورقة، ويشمل الناس كافة السرور والاستبشار، وتتمكن لديهم الدّعة ويتمهّد القرار، وتنشأ لهم في الصلاح آمال، ويستقبلهم جدّ صالح وإقبال. والله يبارك لهم بيعة رضوان، وصفقة رجحان، ودعوة يمن وأمان، إنه على ما يشاء قدير، لا إله إلا هو، نعم المولى ونعم النصير. شهد على إشهاد أمير المسلمين بكل ما ذكر عنه فوق هذا من بيعته، ولقيه حملة عنه ممن التزم البيعة المنصوصة قبل، وأعطي صفقته طائعا متبرعا بها. وبالله التوفيق. وكتب بحضرة قرطبة في ذي الحجة سنة ست وتسعين وأربعمائة» .
دخل غرناطة غير ما مرّة، وحده، وفي ركاب أميره.
وفاته: توفي في جمادى الآخرة من عام ثمانية وخمسمائة.
محمد بن يوسف بن عبد الله بن إبراهيم التميمي المازني
من أهل سرقسطة، ودخل غرناطة، وروى عن أبي الحسن بن الباذش بها، يكنى أبا الطاهر. وله المقامات اللّزوميات المعروفة.
حاله: كان كاتبا لغويا شاعرا، معتمدا في الأدب، فردا، متقدما في ذلك في وقته، وله المقامات المعروفة، وشعره كثير مدوّن.
مشيخته: روى عن أبي علي الصّدفي، وأبي محمد بن السيد، وأبي الحسن بن الأخضر، وأبي عبد الله بن سليمان، المعروف بابن أخت غانم، وأبي محمد بن عتّاب، وأبي الحسن بن الباذش، وأبي محمد عبد الله بن محمد التّجيبي الدّكلي، وأبي القاسم بن صوابه، وأبي عمران بن أبي تليد، وغيرهم. أخذ عنه القاضي أبو العباس بن مضاء، أخذ عنه الكامل للمبرّد، قال: وعليه اعتمد في تقييده. وروى عنه المقرئ المسنّ الخطيب أبو جعفر بن يحيى الكتامي، وذكره هو وابن مضاء.
وفاته: توفي بقرطبة ظهر يوم الثلاثاء، الحادي والعشرين من جمادى الأولى، سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، بزمانة «1» لازمته نحوا من ثلاثة أعوام، نفعه الله.
شعره: [الوافر]
أيا قمر، أتطلع من وشاح ... على غض فاخر من كل راح؟