بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 373

مدحتهم بكلام لو مدحت به ... دهري أمنت من الإملاق والنّصب
فعاد مدحي لهم هجوا يصدّقه ... من لؤمهم عودتي عنهم بلا أرب
فكان ما قلت من مدحهم كذبا ... أستغفر الله من زور ومن كذب
وقال في غرض يظهر من الأبيات، يخاطب السلطان: [الكامل]
ما لي أرى تاج الملوك وحوله ... عبدان لا حلم ولا آداب
فكأنه البازي الصّيود وحوله ... نغر «1» يقلّب ريشه وغراب
يا أيها الملك الكرام جدوده ... أسنى المحافل غيرها أتراب
أبدلهما بالبيض «2» من صفّيهما ... إن العبيد محلّها الأبواب
وفاته: توفي في حدود ثمانية وأربعين وسبعمائة أو بعد ذلك «3» .
محمد بن محمد بن إبراهيم بن المرادي ابن العشاب «4»
قرطبي الأصل، تونسي الولادة والمنشأ، ابن نعمة وغذي جاه وحرمة.
حاله: كان حييّا فاضلا كريما، سخيّا. ورد على الأندلس، مفلتا من نكبة أبيه، وقد عركته عرك الرّحى لثقالها، على سنن من الوقار والدّيانة والحما، يقوم على بعض الأعمال النبيهة.
وجرى ذكره في الإكليل بما نصّه «5» : جواد لا يتعاطى طلقه، وصبح فضل لا يماثل فلقه. كانت لوالده «6» ، رحمه الله تعالى «7» ، من الدول الحفصيّة منزلة لطيفة المحلّ، ومفاوضة في العقد والحلّ، ولم يزل تسمو «8» به قدم النّجابة، من العمل إلى الحجابة. ونشأ ابنه هذا مقضيّ الديون، مفدّى بالأنفس والعيون. والدهر ذو ألوان،


صفحه 374

ومارق حرب عوان «1» ، والأيام كرات تتلقّف، وأهوال «2» لا تتوقّف، فألوى بهم الدهر وأنحى «3» ، وأغام جوّهم بعقب ما أصحى «4» ، فشملهم الاعتقال، وتعاورتهم «5» النّوب الثقال، واستقرّت بالمشرق ركابه، وحطّت به أقتابه، فحجّ واعتمر، واستوطن تلك المعاهد وعمر، وعكف على كتاب الله تعالى «6» فجوّد الحروف، وأحكم «7» الخلف المعروف، وقيّد وأسند، وتكرّر إلى دور الحديث وتردّد، وقدم على هذا الوطن قدوم النّسيم البليل، على كبد العليل. ولمّا استقرّ به قراره، واشتمل على جفنه غراره، بادرت إلى مؤانسته، وثابرت على مجالسته، فاجتليت للسّرو «8» شخصا، وطالعت ديوان الوفاء مستقصا.
شعره: وشعره ليس بحايد عن الإحسان، ولا غفل من النكت الحسان. فمن ذلك ما خاطبني به «9» : [الطويل]
بيمن أبي عبد الإله «10» محمد ... تيمّن هذا القطر وانسجم القطر
أفاض علينا من جزيل عطائه ... بحورا تديم «11» المدّ ليس لها جزر
وأنسنا لمّا عدمنا مغانيا ... إذا ذكرت في القلب من ذكرها عبر «12»
هنيئا بعيد الفطر يا خير ماجد ... كريم به تسمو السّيادة والفخر
ودمت مدى الأيام في ظلّ نعمة ... تطيع لك الدنيا ويعنو «13» لك الدهر
وممّا خاطب به سلطانه في حال الاعتقال: [البسيط]
لعلّ عفوك بعد السّخط يغشاني ... يوما فينعش قلب الوالد العاني «14»


صفحه 375

مولاي، رحماك، إني قد عهدتك ذا ... حلم وعفو وإشفاق وتحنان
فاصرف حنانك ثمّ اعطف «1» عليّ وجد ... برحمة منك تحيي جسمي الفاني «2»
فقد تناهى الأسى عندي وعذّبني ... وشرّد النوم عن عيني وأعياني «3»
وحقّ آلائك الحسنى وما لك من ... طول وفضل وإنعام وإحسان
إني ولو حلّت البلوى على كبدي ... وأسكبت فوق خدّ دمعي القاني «4»
لوائق بحنان منك يطرقني ... عمّا قريب وعفو عاجل دان
دامت سعودك في الدنيا مضاعفة ... تذلّ من دان «5» طوعا كلّ سلطان
محمد بن محمد بن عبد الملك بن محمد بن سعيد الأنصاري الأوسي «6»
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن عبد الملك، من أهل مرّاكش، وسكن غرناطة.
حاله: من عائد الصلة «7» : كان، رحمه الله، غريب المنزع، شديد الانقباض، محجوب المحاسن، تنبو العين عنه جهامة، وغرابة شكل، ووحشة ظاهر «8» ، في طيّ ذلك أدب غضّ، ونفس حرّة، وحديث ممتع، وأبوّة كريمة، أحد الصابرين على الجهد، المتمسكين «9» بأسباب الحشمة، الراضين بالخصاصة. وأبوه قاضي القضاة، نسيج وحده، الإمام العالم، التاريخي، المتبحّر في الأدب «10» ، تقلّبت به أيدي الدهر «11» بعد وفاته لتبعة سلّطت على نسبه «12» ، فاستقرّ بمالقة، متحارفا مقدورا عليه، لا يهتدي لمكان فضله، إلّا من عثر عليه جزافا.
شعره: «13» [السريع]
من لم يصن في أمل وجهه ... عنك فصن وجهك عن ردّه


صفحه 376

واعرف له الفضل وعرّف به «1» ... حيث أحلّ النّفس من قصده
ومما خاطبني به قوله «2» : [الوافر]
وليت ولاية أحسنت فيها ... ليعلم أنها شرفت بقدرك
وكم وال أساء فقيل فيه ... دنيّ القدر ليس لها بمدرك
وأنشدني في ذلك أيضا رحمة الله عليه «3» : [الوافر]
وليت فقيل أحسن «4» خير وال ... ففاق «5» مدى مداركها بفضله
وكم وال أساء فقيل فيه «6» ... دنا فمحا محاسنها بفعله
وممّا خاطب به السلطان يستعديه على من مطله من العمال، وعذّر عليه واجبه من الطعام والمال: [مخلع البسيط]
مولاي نصرا «7» ، فكم يضام ... من ما له غيرك اعتصام
أمرت لي بالخلاص فامرر «8» ... لي عنده المال والطعام
فقال ما اعتاده جوابا ... وحسبي الله والإمام
هذا مقام ولا فعال ... بغير مولاي والسلام
وفاته: فقد في وقيعة على المسلمين من جيش مالقة بأحواز إستبّة «9» في ذي قعدة من عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة.
محمد بن خميس بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد ابن خميس الحجري حجر ذي رعين التّلمساني
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن خميس «10» .


صفحه 377

حاله: من عائد الصلة «1» : كان، رحمه الله، نسيج وحده زهدا وانقباضا، وأدبا وهمّة، حسن الشّيبة، جميل الهيئة، سليم الصّدر، قليل التّصنّع، بعيدا عن الرّياء والهوادة «2» عاملا على السياحة والعزلة، عالما «3» بالمعارف القديمة، مضطلعا بتفاريق النّحل، قائما على صناعة «4» العربية والأصلين، طبقة الوقت في الشعر، وفحل الأوان في النظم «5»
المطوّل، أقدر الناس على اجتلاب الغريب، ومزج «6» الجزالة بالسّلاسة، ووضع الألفاظ البيانيّة مواضعها، شديد الانتقاء والإرجاء، خامد نار الرّوية، منافسا في الطريقة منافسة كبيرة. كتب بتلمسان عن ملوكها من بني زيّان، ثم فرّ عنهم، وقد أوجس منهم خيفة، لبعض ما يجري بأبواب الملوك. وبعد ذلك بمدة، قدم غرناطة، فاهتزّ الوزير ابن الحكيم لتلقّيه، ومتّ إليه بالوسيلة العلمية، واجتذبه بخطبة التلميذ، واستفزّه بتأنيسه وبرّه، وأقعده للإقراء بجواره. وكان يروم الرّحلة، وينوي السفر، والقضاء يثبّطه. حدّثني شيخنا الرئيس أبو الحسن بن الجياب، قال: بلغ الوزير أبا عبد الله «7» الحكيم أنه يروم السفر، فشقّ ذلك عليه، وكلّفنا «8» تحريك الحديث بحضرته. وجرى ذلك، فقال الشيخ: أنا كالدّم بطبعي، أتحرّك في كل ربيع.
شعره: وشعره بديع، فمن ذلك قوله يمدح أبا سعيد بن عامر، ويذكر الوحشة الواقعة بينه وبين أبي بكر بن خطّاب «9» : [الوافر]
مشوق زار ربعك يا إماما ... محا آثار دمنتها التثاما «10»
تتبّع ريقة الطّلّ ارتشافا ... فما «11» نفعت ولا نقعت أواما
وقبّل خدّ وردتها جهارا ... وما راعى لضرّتها ذماما
وما لحريم بيتك أن يدانى ... ولا لعليّ «12» قدرك أن يساما


صفحه 378

ولكن عاش في رسم لمغنى «1» ... تجشّمه سلاما واستلاما
تنفّس روضة المطلول وهنا ... فحنّ وشمّ «2» ريّاه فهاما
تلقى طيب ب ... ته «3» حديثا ... روت مسندا عنه النّعاما
فيا نفس الصّبا إن جئت ساحا ... ولم تعرف لساكنها مقاما
وأخطأت الطريق إلى حماها ... فردّتك العرادة والخزاما
فلا تبصر بسرحتها قضيبا ... ولا تذعر بمسرحها سواما
وعانق قربانتها ارتباطا ... وصافح كفّ سوسنها التزاما
ونافح عرف زهرتها كبا ... تعاطك ماء ريقتها مداما
ويا برقا أضاء على أوال ... يمانيّا متى جئت الشّآما
أثغر إمامة أنت ابتساما ... أم الدّرّ الأوامى انتظاما؟
خفقت ببطن واديها لوا ... ولحت على ثنيّتها حساما
أمشبه قلبي المضني احتداما ... على م ذدت عن عيني المناما؟
ولم أسهرتني وطردت عني ... خيالا كان يأتيني لماما؟
وأبلغ منه تأريقا لجفني ... كلام أثخن الأحشا كلاما
تعرّض لي فأيقظت القوافي ... ولو ترك القطا يوما لناما
وقيل وما أرى يومي كأمسي ... جدعت رواطبا وقلبت هاما
وجرّعت العدوّ سمّا زعافا ... فكان لحسد موتا زواما
دعوت زعيمهم ذاك ابتياسا ... ورعت خميسهم ذاك اللّماما
نزعت شواه كبشهم نطاحا ... ولم أترك لقرمهم سناما
أضام وفي يدي قلبي لماذا ... أضام أبا سعيد أو علاما؟
به وبما أذلق من لساني ... أفل الصارم العضب انهزاما
وغرام الوزير أبي سعيد ... أصرفه إذا شئت انتقاما
به وبنجله البرّ انتصاري ... لما أكلوه من لحمي حراما
أعثمن بن عامر لا تكلني ... لدهر علّم الشحّ الغماما
وردت فلم أرد إلّا سرابا ... وشمت فلم أشم إلّا جهاما


صفحه 379

قطعت الأرض طولا ثم عرضا ... أزور بني ممالكها الكراما
وجاجاني على كرم نداهم ... وأعجلت الخوافي والقداما
وذلّلت المطامع من إبائي ... وقبّلت البراجم والسّلاما
ومن أدبي نصبت لهم حبالا ... أصيد بها النّعام ولا النّعامى
فلم أر مثل ربعي دار أنس ... ولم أر مثل عثمن إماما
ولا كأبيه أو كنى أبيه ... أبيّ يحيي غيوثا أو رهاما
كفاني بابن عامر خفض عيش ... ورفع مكاتبي إلّا أضاما
وإني من ولائك في يفاع ... أقابل منهم بدرهم التّماما
ومن شعره، رحمه الله، قوله «1» : [الطويل]
تراجع من دنياك ما أنت تارك ... وتسألها «2» العتبى وها هي فارك «3»
تؤمّل بعد التّرك رجع ودادها ... وشرّ وداد ما تودّ التّرائك
حلا لك منها ما خلا «4» لك في الصّبا ... فأنت على حلوائه متهالك
تظاهر بالسّلوان عنها تجمّلا ... فقلبك محزون وثغرك ضاحك
تنزّهت عنها نخوة لا زهادة ... وشعر عذاري أسود اللون حالك
ليالي تغري بي وإن هي أعرضت ... زنانب من ضوّاتها وعواتك
غصون قدود في حقاف روادف ... تمايل من ثقل بين الأرائك
تطاعنني منهن في كل ملعب ... ثديّ كأسنان الرماح فواتك
وكم كلّة فيها هتكت ودونها ... صدور العوالي والسّيوف البواتك
ولا خدن إلّا ما أعدت ردينه ... لطالبها أو ما تحيّر هالك
تضلّ فواد المرء عن قصد رشده ... فواتر ألحاظ للظّبا الفواتك
وفي كل سنّ لابن آدم وإن تطل ... سنوه طباع جمّة وعوائك
وإلّا فما لي بعد ما شاب مفرقي ... وأعجز رأيي عجزهنّ «5» الرّكارك


صفحه 380

أجوب إليها كلّ بيداء مملق ... ترافقني فيها الرجال الحواتك «1»
وأسترشد الشّهب الشوابك جار ... إذا اشتبهت فيها عليّ المسالك
نهازز أمثال الجياد تؤودة ... اغوارب أمثال الهضاب توامك
ظماء وما غير السّماوة مورد ... وينحى وما دون الصآة مبارك
ذواهل عن عضّ الرجال ظهورها ... إذا ما اشتكت عضّ السروج الموارك
إذا ما نبا عن سنبك الأرض سنبك ... هلعن فلانت تحتهنّ السّنابك
تقدّ بنا في كل قاع وفدفد ... بوائكها والمنغيات الدّراهك
فأمامها ريّ كالسحاب موالع ... وأمامها ركّا كالرّياح بواشك
قلاص بأطواف الجديل بوالع ... وجرد لأوساط الشّكيم عوالك
ترامى بها نياقها كلّ مرتمى ... فهنّ نواح للرّدى أو هوالك
وكم منزل خلّيته لطلابها ... تعفّيه تعدي السّافيات السّواهك
يمرّ به زوّاره وعفاته ... وما إن به إلّا لصوق حبائك
وآثارتنا تقادم عهدهم ... وهنّ عليه جاثيات بوارك
لوارب أفراس ونؤى حذاة ... ثلاث أثاف كالحمام سوادك
تمرّ عليه نسمة الفجر مثلما ... تمرّ على طيب العروس المداوك
وأركب كالشّهد ينفح برده ... لمجهول حسيّ ما له للدّهر مبانك
ويطلبها منّي غريم مماحك ... ويمطلني منها عديم مماعك «2»
أحاول منها ما تعذّر في الصّبا ... ومن دونه وقع الحمام المواشك
يسلّي الفتى منها وإن راق حسنها ... حسائف لا تحصى هنا ومبارك
فمنها ملال دائم لا تملّه ... تزوّر إفك عن رضى الحق آفك
تهاون بالإفك الرجال جهالة ... وما أهلك الأحياء إلّا الأفايك
تزن طول تسهادي وقدري تململي ... طوال الليالي والنجوم النّوابك
تغير على الدهر منه جحافل ... كأن مدوّم الرّجم فيها نيازك
فليت الذي سوّدت فيها معوّض ... بما بيّضت مني دجاها الحوالك
ألا لا تذكّرني تلمسان والهوى ... وما دهكت منّا الخطوب الدّواهك
فإنّ ادّكار ما مضى من زمانها ... لجسمي وللصّبر الجميل لناهك