لم لا أضيع بها عهاد مدامعي ... إني إذا لعهودها «1» لمضيّع
خلّيّ، لو لم تسعداني في البكا ... لقطعت من حبليكما ما يقطع
أرأيتما نفسا تفارق جسمها ... وبه تنعّمها ولا تتوجّع؟
عظمت رزيّتها وأيّ رزيّة ... ظلّت لها أكبادنا تتصدّع
هذي حمامك، يا عليّ، سواجع ... وأخالها أسفا عليها تسجع
إن طارحتني ورقها فبأضلعي ... شوق يطارحه ادّكار موجع
آه على جسمي الذي فارقته ... لا كنت ممّن جسمه لا يرجع
ومن العجاب رجوع ما أودى به ... دهر بتشتيت «2» الأحبّة مولع
الجور منه إذا استمرّ طبيعة ... والعدل منه إذا استقام تطبّع
هذي عقوبة زلّة سلفت بها ... من أكل طعمته التي لا تشبع
قد كنت أمنع رسخ نفسي قبلها ... واليوم أوجب أنّه لا يمنح
لم لا وقد أصبحت بعد محلّة ... فيها السحائب بالرغائب تهمع؟
دار يدرّ الرزق من أخلاقها ... ولكم دعا داع بها من يوضع
وكأنّ مجلسها البهيّ بصدرها ... ملك بأعلى دسته متربّع
وكأنّ مجمر عنبر بفنائها ... يذكي وما «3» قد سيف منه يسطع
وكأنها المتوكلية بهجة ... وعليّ بن الجهم فيها يبدع
في حجر ضبّ خافض بجواره ... من كان قبل له العوامل ترفع
يا نفثة المصدور كم لك قبلها ... من زفرة بين الجوانح تسفع
وعساك تنقع غلّة بك إنها ... بجحيم ما أسبلته لا تنقع
لله أنت مذاعة أودعتها ... من كل سرّ بالضمائر يودع
بدويّة في لفظها ونظامها ... حضرية فيما به يترجّع
لم لا تشفع في الذي أشكو بها ... ومثالها في مثله يتشفّع؟
كملت وما افترعت فأيّ خريدة ... لو كان يفرعها همام أروع
بارت عليّ فأصبحت لحيائها ... مني بضافي مرطها تتلفّع
ومن شعره قوله يمدح ذا الوزارتين أبا عبد الله بن الحكيم، وهي من مشاهير أمداحه «1» : [الطويل]
سل الرّيح إن لم تسعد السّفن أنواء ... فعند صباها من تلمسان أنباء
وفي خفقان البرق منها إشارة ... إليك بما تنمي إليها «2» وإيماء
تمرّ الليالي ليلة بعد ليلة ... وللأذن إصغاء وللعين إكلاء «3»
وإني لأصبو للصّبا كلّما سرت ... وللنّجم مهما كان للنّجم إصباء «4»
وأهدي إليها كلّ حين «5» تحيّة ... وفي ردّ إهداء التحية إهداء
وأستجلب النوم الغرار ومضجعي ... قتاد كما شاءت نواها وسلّاء «6»
لعلّ خيالا من لدنها يمرّ بي ... ففي مرّه بي من جوى الشوق إبراء
وكيف خلوص الطّيف منها وحولها «7» ... عيون لها في كلّ طالعة راء
وإني لمشتاق إليها ومنبئ ... ببعض اشتياقي لو تمكّن إنباء
وكم قائل تفنى غراما بحبّها ... وقد أخلقت منها ملاء وأملاء «8»
لعشرة أعوام عليها تجرّمت ... إذا مضى قيظ بها جاء إهراء «9»
يطنّب فيها عائثون وخرّب «10» ... ويرحل عنها قاطنون وأحياء «11»
كأنّ رماح الذاهبين «12» لملكها ... قداح، وأموال المنازل أبداء «13»
فلا تبغين فيها مناخا لراكب ... فقد قلّصت منها ظلال وأفياء
ومن عجبي «14» أن طال سقمي ونزعها ... وقسّم إضناء علينا وإطناء «15»
وكم أرجفوا غيظا بها ثم أرجأوا ... فيكذب إرجاف ويصدق إرجاء
يردّدها عيّابها «1» الدّهر مثلما ... يردّد حرف الفاء في النطق فأفاء
فيا منزلا نال الردى منه ما اشتهى ... ترى وهل لعمر الأنس بعدك إنساء «2» ؟
وهل للظى الحرب التي فيك تلتظي ... إذا ما انقضت أيام بوسك إطفاء؟
وهل لي زمان أرتجي فيه عودة ... إليك ووجه البشر أزهر وضّاء؟
فواسيئي حالي «3» إن هلكت ولم أقل ... لصحبي بها الغرّ الكرام ألا هاؤا
ولم أطرق الدّير «4» الذي كنت طارقا ... كعادى «5» وبدر الأفق أسلع مشناء «6»
أطيف به حتى تهرّ كلابه ... وقد نام عسّاس وهوّم سبّاء
ولا صاحب إلّا حسام «7» ولهذم ... وطرف لخدّ الليل مذ كان وطّاء
وأسحم قاريّ كشعري حلكة ... تلألأ فيه من سنى الصبح أضواء
فما لشرابي في سواك مرارة «8» ... ولا لطعامي دون بابك «9» إمراء
ويا داري الأولى بدرب حلاوة «10» ... وقد جدّ عيث في بلاها وإرداء
أما آن أن يحمى حماك كعهده ... وتجتاز أحماش «11» عليك وأحماء؟
أما آن أن يعشو لنارك طارق ... جنيب له رفع إليك ودأداء؟ «12»
يرجّي نوالا أو يؤمّل دعوة ... فما زال قار في ذراك وقرّاء
أحنّ لها ما أطّت النّيب حولها ... وما عاقها عن مورد الماء أظماء «13»
فما فاتها مني نزاع على النّوى ... ولا فاتني منها على القرب إجشاء «14»
كذلك جدّي في صحابي وأسرتي ... ومن لي به من «1» أهل ودّي إن فاؤوا «2»
ولولا جوار ابن الحكيم محمد ... لما فات نفسي من بني الدهر إقماء «3»
حماني فلم تنتب محلّي نوائب ... بسوء ولم ترزأ فؤادي أرزاء
وأكفاء «4» بيتي في كفالة جاهه ... فصاروا عبيدا لي وهم لي أكفاء
يؤمّون قصدي طاعة ومحبة ... فما عفته عافوا وما شئته شاءوا «5»
دعاني إلى المجد لذي كنت آملا ... فلم يك لي عن دعوة المجد إبطاء
وبوّأني من هضبة العزّ تلعة ... يناجي السّها منه «6» صعود وطأطاء «7»
يشيّعني منها «8» إذا سرت حافظ ... ويكلأني منها إذا نمت كلّاء «9»
ولا مثل نومي في كفالة غيره ... وللذّئب إلمام وللصّلّ إلماء
بغيضة ليث أن بمرقب خالب ... تندّ «10» كسا فيه وتقطع أكساء
إذا كان لي من نائب الملك كافل ... ففي حيثما هوّمت كنّ وإدفاء
وإخوان صدق من صنايع جاهه ... يبادرني منهم قيام وإيلاء
سراع لما يرجى من الخير عندهم ... ومن كلّ ما يخشى من الشّرّ أبراء «11»
إليك أبا عبد الإله صنعتها ... لزوميّة فيها لوجدي إفشاء
مبرّاة مما يعيب لزومها ... إذا عاب إكفاء سواها وإيطاء «12»
أذعت بها السّرّ الذي كان قبلها ... عليه لأحناء الجوانح إضناء
وإن لم يكن كلّ الذي كنت آملا ... وأعوز إكلاء فما عاز إكماء «13»
ومن يتكلّف مفحما شكر منّة ... فما لي إلى ذاك التكلّف إلجاء
إذا منشد لم يكن عنك ومنشئ ... فلا كان إنشاد ولا كان إنشاء
ومن شعره قوله: [المتقارب]
أطار فؤادي برق ألاحا ... وقد ضمّ بعد لوكر جناحا
كأنّ تألّقه في الدّجى ... حسام جبان يهاب الكفاحا
أضاء وللعين إغفاءة ... تلذّ إذا ما سنا الفجر لاحا
كمعنى خفيّ بدا بعضه ... وزيد بيانا فزاد اتّضاحا
كأن النجوم وقد غربت ... نواهل ماء صدرن قماحا
لواغب باتت تجدّ السّرى ... فأدركها الصبح روحي طلاحا
وقد لبس الليل أسماله ... فمحّت عليه بلا وانصياحا
وأيقظ روض الرّبا زهره ... فحيّا نسيم صباه الصّباحا
كأنّ النهار وقد غالها ... مبيت مال حواه اجتياحا
أتى يستفيض دموعي امتياحا ... ويلهب نار ضلوعي اقتداحا
فلم يلق دجن انتحابي شحيحا ... ولم يلف زند اشتياقي شحاحا
ولولا توقّد نار الحشا ... لأنفدت ماء جفوني امتياحا
وممّا يشرّد عني الكرى ... هديل حمام إذا نمت صاحا
ينوح عليّ وأبكي له ... فأقطع ليلي بكا أو نياحا
أعين، أريحي أطلت الأسى ... عليك وما زدت إلّا انتزاحا
دعيني أرد ماء دمعي فلم ... أرد بعد مائك ماء قراحا
أحنّ إليك إذا سفت ريحا ... وأبكي عليك إذا ذقت راحا
وأفنى التياحا إليك وكم ... أشحت بوجهي عنك اتّشاحا
ولولا سخائم قوم أبوا ... إيابي ركبت إليك الرّياحا
أباحوا حماي وكم مرة ... حميت حمى عرضهم أن يباحا
ودافعت عنهم بشعري انتصارا ... فكان الجزاء جلائي المتاحا
أباعوا ودادي بخسا فسل ... أكان سماحهم بي رباحا؟
وأغروا بنفسي طلابها ... سرارا فجاءوا لقتلي صراحا
وآلوا يمينا على أنّ ما ... توهّمت لم يك إلّا مزاحا
فشاورت نفسي في ذا فما ... رأت لي بغير الفلاة فلاحا
فبتّ أناغي نجوم الدّجى ... نجاء فلم ألق إلّا نجاحا
أجوب الدياجير وحدي ولا ... مؤانس إلّا القطا والسّراحا «1»
وإلّا الثعالب تحتس في ... مبيتي فتملأ سمعي ضباحا «2»
أجوز الأفاحيص فيحا قفارا ... وأعرو الأداحيّ غبرا فساحا «3»
فأعيي شوارد هذي عداء ... وأعلو لواغي تلك صياحا
وجوّاب بدو إذا استنبحوا ... أجابوا عواء وأمّوا النّباحا
يرون قتالي في الحجر حلّا ... وإذهاب نفسي فيه مباحا
قصدت هناهم فلم أخطهم ... أعاجم شوس العيون قباحا
فسل كيف كان خلاصي من ... أسارهم أسرى أم سراحا؟
ولا مثل بيت تيمّمته ... فلم ألف إلّا الغنا والسّماحا
عيابا ملاء ونيبا سمانا ... وغيدا خدالا وعودا أقاحا «4»
وإلّا أعاريب شمّ الأنوف ... كرام الجدود فصاحا صباحا
وإلّا يعافير سود العيون ... يرين فساد المحبّ صلاحا
يردّدن فينا لحاظا مراضا ... يمرّضن منّا القلوب الصّحاحا
وتحت الوجاح طلا ربرب «5» ... لو أنّ «6» القيان رفعن الوجاحا
أراني محاسن منه فلم ... أطق عن حماه بقلبي براحا
محيّا وسيما وفرعا أثيثا ... وقدّا قويما وردفا رداحا
وأبدى لعيني بدائع لم ... يدع لي عقلا بها حين راحا
إذا لم يرد غير سفك دمي ... فحلّ وبلّ «7» له ما استباحا
وما زلت سمحا بنفسي كذا ... متى ما رأيت الوجوه الملاحا
وبابن رشيد تعوّذت من ... هواه فقد زدت فيه افتضاحا
وقد ضاق صدري عن كتمه ... وأودعته جفن عيني فباحا
وبابن رشيد تعوّذت من ... خطوب أجلن عليّ القداحا
ألحّ الزمان بأحداثه ... فألقيت طوعا إليه السّلاحا
أعاد شبابي مشيبا كما ... سمعت وصيّر نسكي طلاحا «1»
وفرّق بيني وبين الأهيل ... ولم ير ذا عليه جناحا
أخي وسمييّ، أصخ مسعدا ... لشجو حزين إليك استراحا
فقد جبّ ظهري على ضعفه ... كداما وأدهى شواتي نطاحا «2»
وطوّح بي عن تلمسان ما ... ظننت فراقي لها أن يتاحا
وأعجل سيري عنه ولم ... يدعني أودّع تلك البطاحا
نأى بصديقك عن ربعه ... فكان له النّأي موتا صراحا «3»
وكان عزيزا على قومه ... إذا هاج خاضوا إليه الرّماحا
فها هو إن قال لم يلتفت ... إليه امتهانا له واطّراحا
عجبت لدهري هذا وما ... ألاقي مساء به وصباحا
لقد هدّ منّي ركنا شديدا ... وذلّل منّي حياء لقاحا
وقيت الرّدى من أخ مخلص ... لو اسطعت «4» طرت إليه ارتياحا
وإني على فيح ما بيننا ... لأتبع ذاك الشّذا حيث فاحا
أحنّ إليه حنين الفحول ... ونوح الحمام إذا هو ناحا
وأسأل عنه هبوب النّسيم ... وخفق الوميض إذا ما ألاحا
وإن شئت عرفان حالي وما ... يعانيه جسمي ضنى أو صحاحا
فقلب يذوب إليك اشتياقا ... وصدر يفاح إليك انشراحا
وغرس وداد أصاب فضاء ... نديّا وصادف أرضا براحا
كراسخ مجد تأثّلته ... فلم تخش بعد عليه امتصاحا
وعلياء بوّئتها لو بغى ... سموّا إليها السّماك لطاحا
مكارم جمّعت أفذاذها ... فكانت لعطف علاك وشاحا
ودرس علوم تهيم بها ... عمرت الغدوّ به والرّواحا
نشأت عن الخير واعتدته ... فلم تدر إلّا التّقى والصّلاحا
وقمت لها أيّما رحلة ... كسحت المعارف فيها اكتساحا
بهرت رجال الحديث اقتداء ... وفتّ رجال الكمال اقتراحا
فما إن جليس إذا قلت قال ... أو أنّ «1» الخطيب إذا لحت لاحا
ولو لم تحجّ بها مكة ... لحجّ الملائك عنك صراحا
وأما أنا بعد نهي النّهى ... فما زادني الطّبع إلّا جماحا
أدير كؤوس هواي اغتباقا ... وأشرب ماء دموعي اصطباحا
فبرّد جواي بردّ جواب ... توبّخ فيه مشي الوقاحا
وهنّ بنيّات فكري وقد ... أتيتك فاخفض لهنّ الجناحا
ومن شعره، رحمه الله، وله يمدح ذا الوزارتين المتقدم ذكره، ويذكر غفارة وجّهها له مع هدية: [الكامل]
كبت العدى، إنعامك البغت ... فلي الهناء «2» وللعدى الكبت
يا من إلى جدوى أنامله ... يزجى السّفين وتزجر البخت «3»
لولاك لم يوصل بناحية ... وخد ولم يقطع بها دشت «4»
لولاك لم يطلع بها نشر ... منه ولم يهبط بها خبت
خوّلتني ما لم تسعه يدي ... فأصابني من كثره غمت «5»
شتّى أياد كلما عظمت ... عندي تلكّأ خاطري الهتّ «6»
يعيا لساني عن إذاعتها ... ويضيق عن شكري لها الوقت
وطّأت لي الدنيا فلا عوج ... فيما أرى منها ولا أمت
أمكنتني منها فما ليدي ... ردء ولا لمقالتي عتّ
بالغت في برّي ولا نسب ... أدلي إليك به ولا حسب