وبابن رشيد تعوّذت من ... خطوب أجلن عليّ القداحا
ألحّ الزمان بأحداثه ... فألقيت طوعا إليه السّلاحا
أعاد شبابي مشيبا كما ... سمعت وصيّر نسكي طلاحا «1»
وفرّق بيني وبين الأهيل ... ولم ير ذا عليه جناحا
أخي وسمييّ، أصخ مسعدا ... لشجو حزين إليك استراحا
فقد جبّ ظهري على ضعفه ... كداما وأدهى شواتي نطاحا «2»
وطوّح بي عن تلمسان ما ... ظننت فراقي لها أن يتاحا
وأعجل سيري عنه ولم ... يدعني أودّع تلك البطاحا
نأى بصديقك عن ربعه ... فكان له النّأي موتا صراحا «3»
وكان عزيزا على قومه ... إذا هاج خاضوا إليه الرّماحا
فها هو إن قال لم يلتفت ... إليه امتهانا له واطّراحا
عجبت لدهري هذا وما ... ألاقي مساء به وصباحا
لقد هدّ منّي ركنا شديدا ... وذلّل منّي حياء لقاحا
وقيت الرّدى من أخ مخلص ... لو اسطعت «4» طرت إليه ارتياحا
وإني على فيح ما بيننا ... لأتبع ذاك الشّذا حيث فاحا
أحنّ إليه حنين الفحول ... ونوح الحمام إذا هو ناحا
وأسأل عنه هبوب النّسيم ... وخفق الوميض إذا ما ألاحا
وإن شئت عرفان حالي وما ... يعانيه جسمي ضنى أو صحاحا
فقلب يذوب إليك اشتياقا ... وصدر يفاح إليك انشراحا
وغرس وداد أصاب فضاء ... نديّا وصادف أرضا براحا
كراسخ مجد تأثّلته ... فلم تخش بعد عليه امتصاحا
وعلياء بوّئتها لو بغى ... سموّا إليها السّماك لطاحا
مكارم جمّعت أفذاذها ... فكانت لعطف علاك وشاحا
ودرس علوم تهيم بها ... عمرت الغدوّ به والرّواحا
نشأت عن الخير واعتدته ... فلم تدر إلّا التّقى والصّلاحا
وقمت لها أيّما رحلة ... كسحت المعارف فيها اكتساحا
بهرت رجال الحديث اقتداء ... وفتّ رجال الكمال اقتراحا
فما إن جليس إذا قلت قال ... أو أنّ «1» الخطيب إذا لحت لاحا
ولو لم تحجّ بها مكة ... لحجّ الملائك عنك صراحا
وأما أنا بعد نهي النّهى ... فما زادني الطّبع إلّا جماحا
أدير كؤوس هواي اغتباقا ... وأشرب ماء دموعي اصطباحا
فبرّد جواي بردّ جواب ... توبّخ فيه مشي الوقاحا
وهنّ بنيّات فكري وقد ... أتيتك فاخفض لهنّ الجناحا
ومن شعره، رحمه الله، وله يمدح ذا الوزارتين المتقدم ذكره، ويذكر غفارة وجّهها له مع هدية: [الكامل]
كبت العدى، إنعامك البغت ... فلي الهناء «2» وللعدى الكبت
يا من إلى جدوى أنامله ... يزجى السّفين وتزجر البخت «3»
لولاك لم يوصل بناحية ... وخد ولم يقطع بها دشت «4»
لولاك لم يطلع بها نشر ... منه ولم يهبط بها خبت
خوّلتني ما لم تسعه يدي ... فأصابني من كثره غمت «5»
شتّى أياد كلما عظمت ... عندي تلكّأ خاطري الهتّ «6»
يعيا لساني عن إذاعتها ... ويضيق عن شكري لها الوقت
وطّأت لي الدنيا فلا عوج ... فيما أرى منها ولا أمت
أمكنتني منها فما ليدي ... ردء ولا لمقالتي عتّ
بالغت في برّي ولا نسب ... أدلي إليك به ولا حسب
لكنّ حسبي إن متتّ به ... يوما إليك ودادي البحت
بوركت من رجل برؤيته ... يوسى الضّنى ويعالج الغتّ «1»
لو سار في بهماء مقفرة ... في حيث لا ماء ولا نبت
لتفجّر الماء النّمير بها ... ولأعشبت أرجاؤها المرت
لا تحسبنّ البخت نيل غنى ... نيل الرضا منه هو البخت
آلت جلالته وحقّ لها ... أن لا يحيط بكنهها نعت
أظهرت دين الله في زمن ... ما زال يغلب حقّه البهت
شيّدته وهددت ممتعضا ... لضياعه ما شيّد الجبت «2»
أمّنت أرض المسلمين فلا ... ذئب يخاف بها ولا لصت «3»
وحفظتها من كل نائبة ... تخشى فأنت حفيظها الثّبت
ونهجت سبل «4» المكرمات فما ... لمؤمّل عن غايه ألت «5»
لم تبق غفلا من متالعها ... إلّا وفيه لحائر برت «6»
هادن طغاة الكفر ما هدأت ... حتى يجيء نهارها المحت «7»
دعها تودّع في معاقلها ... ما لم تعدّ جفاتها العفت «8»
كم ذدتها عنّا وقد هبرت ... لهراشنا أشداقها الهرت «9»
بوقوف طرفك عند شدّته ... يبأى ويفخر ملكها الرّتّ «10»
والشّكر «11» ما أظهرت من كرم ... في ذاك تفصح عجمها المرت
لك من ممالكها وإن رغمت ... ما جال فيه جوادك الحتّ «12»
ولكلّ أصيد من بطارقها ... في كلّ أري له دعت «13»
لولا لباك البيض ما أرقت ... للقائها أفراسنا الكمت
عندي «1» لمن ينتابه مقة ... ولمن ينيب لغيره مقت
ولو أنّ «2» بيضك لم تسل لمّا ... ذلّت أنوف طغاتها السّلت
يا ابن الحكيم أمنت صرف ردى ... أبدا له في أثلتي نحت «3»
وبيمنه أنّست من أملي ... ما لم يكن يوما له عرت «4»
مثنى الوزارة موئلي وله ... ما دمت أملك قدرتي أقت «5»
وببأسه أطفي شرارة من ... يعثو وأقدح أنف من يعتو «6»
عمّ الورى جودا وفضل غنى ... حتى تساوى العدّ والغلت «7»
وهمي على عال ومنخفض ... لم يبق فوق لا ولا تحت
ظلّ إذا نصطاف معتدل ... عطر الشّذا وحيا إذا نشتو «8»
يتضاءل الصبح المنير إذا ... لاقى سناه جبينك الصّلت
حتى كأن شمس الضحى قمر ... وكأنّ ضوء شعاعها فخت «9»
وغريبة في لطف صنعتها ... يمضي الزمان وما لها أخت
ينأى النّدى بها إذا لبست ... ويتيه إن طويت بها التّخت
زنجيّة لكن لمحتدها ... في الرّوم يعنو القسّ والشّنت «10»
مثل العروس على منصّتها ... من شأنها التّزيين والزّتّ «11»
لأكون أنحل ما أكون هدى ... فيها فيعبل جسمي الشّخت
وبمثل شيبي فوق حلكتها ... يبدو الوقار ويحفظ السّمت
تظهرنني «12» بلباسها وبه ... عندي لها الإيثار ما عشت
لا زلت تؤثرني بها أبدا ... ولا تف من يشقى بذا السّلت
وبقيت تدرك ما تريد وما ... تهوى بقاء ما له فتّ
ومن شعره أيضا في المدح قوله، رحمه الله، من قصيدة ثبتت في ديوان مجموع من أمداحه منها قوله: [الكامل]
طرقتك وهنا أخت آل علاج ... والرّكب بين دكادك وحراج
في ليلة ليلاء لم ينبح بها ... كلب ولم يصرخ أذين دجاج
أنّى اهتدت لمضللين توهّنوا ... منها لهتك دياجر ودياج
متسربلي برد الظّلام كأنهم ... فيه قداح في رماية ساج
وثقوا بمحمود السّرى وتسلّموا ... لمخارم مجهولة وفجاج
ومنازل درس الرسوم بلاقع ... أخوين من هيج ومن هجهاج
محّت معالمهنّ غير مثلّم ... كسوار تاج أو كدملج عاج
ومواثل مثل الحمام جواثم ... ورق وأسمج دائم التّشحاج
ومشجّج ما زال منهل الحيا ... يبكي صداه بدمعه الثّجّاج
حتى أعاد لعوده أوراقه ... خضر الظّلال ذكيّة الآراج
وكسا عراة عراصه من وشيه ... حللا تبوّر صنعة الديباج
لا مثل ليلات مضين سريعة ... بردت حرارة قلبي المهتاج
أدركت منها في صباي مطالبي ... وقضيت منها في شبابي حاجي «1»
كم ليلة مرّت ولم يشعر بها ... غيري وغير منادمي وسراجي «2»
بتنا ندير إلى انبلاج صباحها ... كأس الهوى صرفا بغير مزاج
وتدير أعيننا حديث غرامنا ... بمرامز من فضّها وأحاج
بمآرج النّفحات من دارين أو ... بمدارج النّسمات من درّاج
وخلوص ودّ في نقاء سريرة ... كسلاف راح في صفاء زجاج
أمحضته حظّي من الزمن الذي ... أعيا مرامي أهله وعلاجي «3»
واخترت قرب جواره لخلوصه ... وتركت كلّ مماذق «4» مرّاج
ما في زمانك غيره فاخلص له ... غيبا وداهن من أردت وداج
لا تحفلنّ بغيره واستعفين ... بوقاره عن كل غمر ماج
اترك بني الدنيا وأعرض عنهم ... فعساك تطعم لذّة الإثلاج
نزّهت نفسي عنهم بنواله ... وحفظتها من جاهه بسياج
أصبحت من آلائه وولائه ... في عزّة ضحيا وعزّ داج
ولو انني «1» عجت الركاب ميمّما ... أحدا سواه ما حمدت معاجي «2»
طلق إذا احتلك الزمان أنار في ... ظلمائه كالكوكب الوهّاج
طود الرّصانة والرّزانة والحجا ... بحر النّدى المتلاطم الأمواج
وغمامه الهامي على آماله ... من غير إرعاد ولا إرعاج
وهزبر آجام القنا الضّاري إذا ... سقطت عواتمها على الأزجاج
ضمن الإله له على أعدائه ... ما شاء من ظفر ومن إفلاج
أبقى أبو عبد الإله محمد ... ما شاد والده أبو الحجّاج «3»
وبنى أبو إسحاق قبل وصنوه ... ركنا الضعيف ومعدنا المحتاج
وجرى على آثار أسلاف لهم ... درجوا وكلّهم على منهاج
ما منهم إلّا أعزّ مبارك ... مصباح ليل أو صباح عجاج
بيت بنوه من سراوة حمير ... في الذّروة العلياء من صنهاج
كم كان في الماضين من أسلافهم ... من ربّ إكليل وصاحب تاج
أساس كل رئاسة ورؤوس كل ... ل سياسة وليوث كل هياج
أعيت نجوم الليل من سهر وما ... أعيا أبو موسى من الإدلاج
حتى أصارته لرحمة ربّه ... يوم العقاب وقيعة الأعلاج
وأقيم نجل أخيه بعد مقامه ... فيهم يطاعن مثله ويواج
فردا يلفّ كتائبا بكتائب ... ويكبّ أفواجا على أفواج
حتى تجلّى دجن كلّ عجاجة ... عنهم وأمسك رعد كل ضجاج
من مثل يوسف في قراع كتائب ... ولقاء أعداء وخوض لجاج؟
أو من يشقّ من الأنام غباره ... في ردّ آراء ونقض حجاج
إن خاض يوما في بيان حقيقة ... أنهى عن الثّوري والحلّاج «1»
وإذا تكلّم في الغريب وضبطه ... لم يعبأ بالعتبيّ والزّجّاج «2»
أنست قصائد جرول أشعاره ... وأراجز العجليّ والعجّاج «3»
جمع الفصاحة والصبّاحة والتقى ... والجود في وجد وفي إحراج
تخشاه أسد الغاب في أجماتها ... والرّوم في الأسوار والأبراج
إنّا بني قحطان لم نخلق لغي ... ر غياث ملهوف ومنعة لاج
نبري طلى الأعراب في الهيجا وفي الل ... أواء سوف نماري الأعراجي «4»
بسيوفنا البيض اليمانية التي ... طبعت لحزّ غلاصم ووداج
تأبى لنا الإحجام عن أعدائنا ... يوم اللّقاء طهارة الأمشاج
أنصار خير العالمين وحزبه ... وحماته في الجحفل الرّجراج
وفداته بنفوسهم ونفيسهم ... من غدر مغتال وسبّة هاج
هم صفوة الخلق التي اختيرت له ... وسواهم همج من الأهماج
إلّا الألى سبقوا بباهر فضلهم ... من سائر الأصحاب والأزواج
وكفى بحكمتنا إقامة حجّة ... وبركننا من كعبة الحجّاج
ولنا مفاخر في القديم شهيرة ... كالصّبح في وضح وفي إبلاج
منّا التّبابعة الذين ببابهم ... كانت تنيخ جباة كلّ خراج
ولأمرهم كانت تدين ممالك ال ... دّنيا بلا قهر ولا إحراج
من يقتدح زندا فإنّ زنادهم ... في الجود وارية بلا إخراج
أبوابهم مفتوحة لضيوفهم ... أبدا بلا قفل ولا مزلاج
ومما اشتهر من شعره قوله «1» : [السريع]
أرّق عيني بارق من أثال ... كأنّه في جنح ليلي ذبال
أثار شوقا في «2» ضمير الحشا ... وعبرتي في صحن خدّي أسال
حكى فؤادي قلقا واشتعال ... وجفن عيني أرقا وانهمال
جوانح تلفح نيرانها ... وأدمع تنهلّ مثل العزال «3»
قولوا وشاة الحبّ ما شئتم ... ما لذّة الحبّ سوى أن يقال
عذرا للوّامي «4» ولا عذر لي ... فزلّة العالم ما إن تقال
قم نطرد الهمّ بمشمولة ... تقصّر الليل إذا الليل طال
وعاطها صفراء ذمّيّة ... تمنعها الذّمّة من أن تنال
كالمسك ريحا واللّمى مطعما ... والتّبر لونا والهوى في اعتدال
عتّقها في الدّنّ خمّارها ... والبكر لا تعرف غير الحجال
لا تثقب المصباح «5» لا واسقني ... على سنى البرق وضوء الهلال
فالعيش نوم والرّدى يقظة ... والمرء ما بينهما كالخيال
خذها على تنغيم مسطارها «6» ... بين خوابيها وبين الدّوال
في روضة باكر وسميّها ... أخمل دارين وأنسى أوال «7»
كأنّ فأر المسك مغبوقة «8» ... فيها إذا هبّت صبا أو شمال
من كلّ «9» ساجي الطّرف ألحاظه ... مفوّقات أبدا للنضال
من عاذري والكلّ لي عاذل «10» ... من حسن الوجه قبيح الفعال
من خلّبيّ الوعد كذّابه ... ليّان لا يعرف غير المطال