بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 58

للأشراف، مستميلا للقلوب، مطبقا المفاصل، مزيحا للعلل، مستبصرا في الاستبداد، خاطبا جميل الذكر، عظيم الصبر، رحيب الذّرع، طموح الطرف، جشع السيف، مهادي جياد العقاب والمثوبة، مهيبا، جزلا، منكسف اللون، مصفر الكفّ، آية الله، جلّ جلاله، في النّصر على الأعداء ومصاحبة الظّفر، وتوالي الصّنع.
نباهته: قال المؤرخ «1» : سلك سبيل القضاء «2» في أوّليّته، مقتفيا آثار عمومته وخؤولته، يطلب «3» الحديث في حداثته. وكتب منه كثيرا، ولقي الجلّة من رجاله، ثم صحب الخليفة الحكم «4» متحزّبا في زمرته، وولي له الأعمال من القضاء والإمامة، ثم استكفاه، فعدل عن سبيله، وصار في أهل الخدمة. ثم اختصّه بخدمة أمّ ولده هشام، فزاد بخاصّته لولي العهد، عزّا ومكانة من الدولة، فاحتاج الناس إليه، وغشوا بابه، وبلغ الغاية من أصحاب السلطان معه، إسعاف، وكرم لقاء، وسهولة حجاب، وحسن أخلاق، فاستطار ذكره، وعمّر بابه، وساعده الجدّ. ولمّا صار أمر المسلمين إليه، بلغ «5» التي لا فوقها عزّا وشهرة.
الثناء عليه: قال: وفي الدولة العامرية، وأعين محمد على أمره، مع قوة سعده، بخصال مؤلفة لم تجتمع لمن قبله، منها الجود، والوقار، والجدّ والهيبة، والعدل والأمن، وحبّ العمارة، وتأمير المال، والضبط للرعية، وأخذهم بترك الجدل والخلاف والتّشغّب، من غير وهن في دينه، وصحّة الباطن، وشرح كل فضل، وجلب كلّ ما يوجب عن المنصور فيه.
غزواته وظهوره على أعدائه:
واصل، رحمه الله، الغزو بنفسه، فيما يناهز خمسين غزوة، وفتح فيها البلاد، وخضد شوكة الكفر، وأذلّ الطواغيت وفضّ مصاف الكفّار، وبلغ الأعماق، وضرب على العدو الضرائب، إلى أن تلقّاه عظيم الروم بنفسه وأتحفه بابنته في سبيل الرغبة في صهره، فكانت أحظى عقائله، وأبرّت في الدين والفضل على سائر أزواجه، وعقد اثني عشر بروزا إلى تلقي ملوك الروم القادمين عليه مصطهرين بإلحاح سيفه، منكبّين على لثم سريره.


صفحه 59

شعره: ومما يؤثر من شعره «1» : [الطويل]
رميت بنفسي هول كلّ عظيمة «2» ... وخاطرت والحرّ الكريم يخاطر «3»
وما صاحبي إلّا جنان مشيّع ... وأسمر خطّيّ وأبيض باتر «4»
ومن شيمتي «5» أني على كلّ «6» طالب ... أجود بمال لا تقيه المعاذر
وإني لزجّاء الجيوش إلى الوغى ... أسود تلاقيها أسود خوادر
فسدت «7» بنفسي أهل كلّ سيادة ... وكاثرت «8» حتى لم أجد من أكاثر
وما شدت بنيانا «9» ولكن زيادة ... على ما بنى عبد المليك وعامر
رفعنا العوالي «10» بالعوالي سياسة «11» ... وأورثناها في القديم معافر «12»
وبلغ في ملكه أقطار المغرب، إلى حدود القبلة «13» ، وبمدينة فاس، إثر ولده المقلّد فتح تلك الأقطار، ونهد أولئك الملوك الكبار.
دخوله غرناطة: قال صاحب الديوان في الدولة العامرية، وقد مرّ ذكر المنصور، قومس الفرنجة بمدينة برشلونة: وهذه الأمة أكثر النصرانية جمعا، وأوسعها، وأوفرها من الاستعداد، وما أوطىء من الممالك والبلاد، وفتح من القواعد، وهزم من الجيوش. وقفل المنصور عنها، وهو أطمع الناس في استئصالها؛ ثم خصّهم بصائفة سنة خمس وسبعين، وهي الثالثة عشرة «14» لغزواته؛


صفحه 60

وقد احتفل لذلك، واستبلغ في النّفير، واستوفى أتمّ الأبّهة، وأكمل العدّة، فجعل طريقه على شرقي الأندلس؛ لاستكمال ما هنالك من الأطعمة، فسلك طريق إلبيرة، إلى بسطة، إلى تدمير؛ وعزم في هذه الغزوات بريل ملك فرنجة ونازل مدينة برجلونة؛ فدخلها عنوة يوم الاثنين النصف من صفر، سنة أربع وسبعين أو خمس بعدها.
قلت: وفي دخول المنصور بجيشه بلد إلبيرة؛ ما يحقق دعوى من ادّعى دخول المعتمدين من أهل الأندلس لذلك العهد؛ إذ كان يصحب المنصور في هذه الغزوة، من الشعراء المرتزقين بديوانه من يذكر؛ فضلا عن سائر الأصناف على ندارة هذا الصنف من الخدام؛ بالنسبة للبحر الزاخر من غيرهم.
والذي صحّ أنه حضر ذلك، أبو عبد الله محمد بن حسين الطّبني، أبو القاسم حسين بن الوليد، المعروف بابن العريف، أبو الوضّاح بن شهيد، عبد الرحمن بن أحمد، أبو العلا صاعد بن الحسن اللغوي، أبو بكر زيادة الله بن علي بن حسن اليمني، عمر بن المنجم البغدادي، أبو الحسن علي بن محمد القرشي العباسي، عبد العزيز بن الخطيب المحرود، أبو عمر يوسف بن هارون الزيّادي، موسى بن أبي طالب، مروان بن عبد الحكم بن عبد الرحمن، يحيى بن هذيل بن عبد الملك بن هذيل المكفوف، سعد بن محمد القاضي، ابن عمرون القرشي المرواني، علي النقاش البغدادي، أبو بكر يحيى بن أمية بن وهب، محمد بن إسماعيل الزبيدي، صاحب المختصر في اللغة، أحمد بن درّاح القسطليّ، متنبيّ الأندلس، أبو الفرج منيل بن منيل الأشجعي، محمد بن عبد البصير، الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد، محمد بن عبد الملك بن جهور، محمد بن الحسن القرشي، من أهل المشرق، أبو عبيدة حسان بن مالك بن هاني، طاهر بن محمد المعروف بالمهنّد، محمد بن مطرّف بن شخيص، سعيد بن عبد الله الشّنتريني، وليد بن مسلمة المرادي، أغلب بن سعيد، أبو الفضل أحمد بن عبد الوهاب، أحمد بن أبي غالب الرّصافي، محمد بن مسعود البلخي، عبادة بن محمد بن ماء السماء، عبد الرحمن بن أبي الفهد الإلبيري، أبو الحسن بن المضيء البجلي الكاتب، عبد الملك بن سهل، الوزير عبد الملك بن إدريس الجزيري، قاسم بن محمد الجيّاني.
قال المؤرخ: هؤلاء من حفظته منهم، وهم أكثر من أن يحصوا، فعلى هذا يتبنى القياس في ضخامة هذا الملك، وانفساح هذا العزّ.


صفحه 61

وفاته: توفي، رحمه الله، منصرفا من غزاته المسمّاة بقنالش والرّيد، وقد دوّخ أقطار قشتالة، ليلة الاثنين سبع وعشرين لرمضان عام اثنين وتسعين وثلاثمائة «1» ، وقد عهد أن يدفن ببلد وفاته، بعد وصية شهيرة صدرت عنه، إلى المظفّر ولده، فدفن بمدينة سالم، التي بناها في نحر العدو من وادي الحجارة، وبقصرها، وقبره معروف إلى اليوم. وكان قد اتخذ له من غبار ثيابه الذي علاها في الجهاد، وعاء كبيرا بحديه، رحمه الله. وكتب على قبره هذا الشعر «2» : [الكامل]
آثاره تنبيك عن أخباره «3» ... حتى كأنّك بالعيان «4» تراه
تالله لا يأتي الزمان بمثله ... أبدا ولا يحمي الثغور سواه «5»
محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ابن قريش بن عباد بن عمرو بن أسلم بن عمرو بن عطاف ابن نعيم، لخمي النسب «6»
أوّليّته: دخل الأندلس جدّه عطاف مع بلج بن بشر القشيري، من أشراف الطّالعة البلجية، وهم من عرب حمص من أرض الشام، وموضعه بها يعرف بالعريش في آخر الجفار بين مصر والشام. ونزل عطاف بقرية تعرف بيومين من إقليم طشانة على ضفة النهر الأعظم من أرض إشبيلية. ولمّا هلك قريش، ورث السيادة إسماعيل بن قريش، وهو القاضي المشهور بالفضل والدهاء، يكنّى أبا الوليد. ولي الشرطة الوسطى لهشام بن الحكم، وخطّة الإمامة إلى صلاة الجمعة.
ثم خلفه أبو القاسم المنفرد برئاسة إشبيلية، المتحف فيها بخطط الوزارتين والقضاء


صفحه 62

والمظالم. وعزّ جاهه، وكثرت حاشيته، وتعدّدت غلمانه، وأذعنت له عداته. ثم خلفه الأمير المعتضد ولده، وكان خيّرا حازما، سديد الرأي، مصنوعا له في الأعداء، فلمّا توفي، تصيّر الأمر إلى ولده المترجم به، المكني أبا القاسم إلى حين خلعه.
حاله: قالوا كلّهم: كان المعتمد، رحمه الله، فارسا شجاعا، بطلا مقداما، شاعرا ماضيا، مشكور السيرة في رعيته. وقال أبو نصر في قلائده «1» : «وكان المعتمد على الله ملكا قمع العدا، وجمع «2» بين البأس والنّدا، وطلع على الدنيا بدر هدى، لم يتعطل يوما كفّه ولا بنانه، آونة يراعه وآونة سنانه، وكانت أيامه مواسم، وثغور «3» برّه بواسم» . لقبه أولا الظّافر، ثم تلقب «4» بالمعتمد، كلفا بجاريته اعتماد، لمّا ملّكها، لتتّفق حروف لقبه بحروف اسمها، لشدة ولوعه بها.
وزراؤه: ابن زيدون. وابن عمّار، وغيرهما.
أولاده المملّكون: عبيد الله، يكنى أبا الحسن، وهو الرّشيد، وهو الذي لم يوافق أباه على استصراخ المرابطين، وعرّض بزوال الملك عنهم، فقال: أحبّ إليّ أن أكون راعي إبل بالعدوة من أن ألقى الله، وقد حوّلت الأندلس دار كفر، وكان قد ولّاه عهده، وبويع له بإشبيلية، وهو المحمول معه إلى العدوة. ثم الفتح، وهو الملقب بالمأمون، كان قد بويع له بقرطبة، وهو المقتول بها، المحمل رأسه إلى محلّة العدوّ المرابطين، المحاصرة لأبيه بإشبيلية. ثم يزيد الراضي، وكان قد ولّاه رندة، فقتل لما ملكها اللمتونيون. ثم عبد الله، ويكنّى أبا بكر. هؤلاء الأربعة من جاريته اعتماد، السيدة الكبرى، والمدعوة بالرّميكيّة منسوبة إلى مولاها رميك بن حجاج، الذي ابتاعها منه المعتمد.
ملمّته: لمّا تكالب أدفونش بن فردلاند على الأندلس بعد أخذه مدين طليطلة ضيق بالمعتمد، وأجحف في الجزية التي كان يتّقي بها على المسلمين عاديته، وعلى ذلك أقسم أخذها وتجنّى عليه، وطمع في البلاد، فحكى بعض الإخباريين أنه وجّه إليه رسله في آخر أمره لقبض تلك الضريبة، مع قوم من رؤساء النصارى، ونزلوا خارج باب إشبيلية، فوجّه إليهم المال، مع بعض الوزراء، فدخلوا على اليهودي


صفحه 63

المذكور في خبائه، وأخرجوا المال، فقال لهم: لا أخذت منه هذا العيار ولا أخذت منه إلّا ذهبا مشجّرا، ولا يؤخذ منه في هذا العام إلّا أجفان البلاد، ونقل كلامه إلى المعتمد، فبادر بالقبض عليه وعلى النصارى، ونكّل بهم، وقتل اليهودي بعد أن بذل في نفسه زنة جسمه ذهبا، فلم يقبل منه، واحتبس النصارى، وراسله الطاغية في إطلاقهم، فأبى إلّا أن يخلي منه حصن الحدود، فكان ذلك. واستصرخ اللّمتونيّين، وأجاز البحر بنفسه، وأقسم الطاغية بإيمانه المغلّطة ألّا يرفع عنه يده. وهاجت حفيظة المعتمد، واجتهد في جواز المرابطين، وكان مما هو معلوم من الإيقاع بالطاغية في وقعة الزّلاقة «1» ، فإنه الذي أصلى نارها بنفسه، فعظم بلاؤه، وشهر صبره، وأصابته الجراح في وجهه ويده، رحمه الله. وفي ذلك يقول أبو بكر بن عبادة المرّي «2» :
[الوافر]
وقالوا كفّه جرحت فقلنا ... أعاديه تواقعها «3» الجراح
وما أثر «4» الجراحة ما رأيتم ... فتوهنها المناصل والرّماح
ولكن فاض سيل البأس «5» منها ... ففيها من مجاريه انسياح «6»
وقد صحّت وسحّت بالأماني ... وفاض الجود منها والسّماح
رأى منه أبو يعقوب فيها ... عقابا لا يهاض له جناح «7»
فقال له لك القدح المعلّى ... إذا ضربت بمشهدك القداح
ولما اتصلت به الصّيحة؛ بين يدي دخول المدينة، ركب في أفراد من عبيده؛ وعليه قميص يشفّ عن بدنه، والسيف منتضى بيده، ويمّم باب الفرج، فقدّم الداخلين، فردّهم على أعقابهم؛ وقتل فارسا منهم؛ فانزعجوا أمامه؛ وخلّفوا الباب؛ فأمر بإغلاقه؛ وسكنت الحال؛ وعاد إلى قصره. وفي ذلك


صفحه 64

يقول «1» : [مجزوء الكامل]
إن يسلب القوم العدا «2» ... ملكي وتسلمني الجموع
فالقلب بين ضلوعه ... لم تسلم القلب الضّلوع
قد رمت يوم نزالهم ... ألّا تحصّنني الدّروع
وبرزت ليس سوى القمي ... ص عن الحشا شيء دفوع
أجلي تأخّر لم يكن ... بهواي ذلّي والخضوع
ما سرت قطّ إلى القتا ... ل «3» وكان من أملي الرجوع
شيم الأولى «4» أنا منهم ... والأصل تتبعه الفروع
جوده: وأخبار «5» جوده شهيرة، ومما يؤثر من ذلك، على استصحاب حال العزّ، ووفور ذات اليد، وأدوات الملك، غريب. والشاهد المقبول بقاء السجيّة ومصاحبة الخلق الملكية، مع الإقتار والإيسار، وتقلّب الأطوار. وتعرّض له الحصري القرموني الضرير بخارج طنجة؛ وهو يجتاز عليها في السواحل من قهر واعتقال، بأشعار ظاهرة المقت، غير لائقة بالوقت، ولم يكن بيده، زعموا، غير ثلاثين دينارا «6» كانت بخفّه، معدّة لضرورة ضرر وأزمة، وأطبع عليها دمه، وأدرج قطعة شعر طيّها اعتذار عن نزرها، راغبا في قبول أمرها، فلم يراجعه الحصري بشيء عن ذلك، فكتب إليه «7» : [مجزوء الرمل]
قل لمن جمع العل ... م وما «8» أحصى صوابه
كان في الصّرة شعر ... فتنظّرنا «9» جوابه
قد أثبناك «10» فهلّا ... جلب الشّعر جوابه «11» ؟


صفحه 65

حلمه: رفع إليه صدر دولته شعر، أغري فيه بأبي الوليد بن زيدون، وهو شهير، وتخيّر له موقع وترصّد حين، وانتظر به مؤجره، وهو «1» : [الكامل]
يا أيها الملك الأعزّ «2» الأعظم ... اقطع وريدي كلّ باغ يسلم «3»
واحسم بسيفك داء «4» كلّ منافق ... يبدي الجميل وضدّ ذلك يكتم
لا تتركن للناس موضع شبهة «5» ... واحزم فمثلك في العظائم يحزم
قد قال شاعر كندة فيما مضى ... قولا «6» على مرّ الليالي يعلم
«لا يسلم الشّرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدّم «7» »
فوقّع على الرقعة «8» : [الكامل]
كذبت مناكم، صرّحوا أو جمجموا ... الدّين أمتن والسجيّة «9» أكرم
خنتم ورمتم أن أخون وإنما ... حاولتم أن يستخفّ يلملم «10»
وأردتم تضييق صدر لم يضق ... والسّمر في صدر «11» النّحور تحطّم
وزحفتم بمحالكم لمجرّب ... ما زال يثبت للمحال «12» فيهزم
أنّى رجوتم غدر من جرّبتم ... منه الوفاء وظلم «13» من لا يظلم
أنا ذا «14» كم لا السّعي «15» يثمر غرسه ... عندي ولا مبنى الصّنيعة يهدم «16»
كفّوا وإلّا فارقبوا لي بطشة ... يبقى «17» السّفيه بمثلها يتحلّم «18»