بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 75

ب «الصّخيرات» «1» كما ذكر، من ظاهر مرسية، وتحرّك إليه السيد أبو العباس بعسكر مرسية، فأوقع به وشرّده، ثم ثاب إليه ناسه، وعدل إلى الدّعاء للعباسيين، فتبعه اللّفيف، ووصل تقليد الخليفة المستنصر بالله ببغداد، فاستنصر الناس في دعوته، وشاع ذكره، وملك القواعد، وجيّش الجيوش، وقهر الأعداء، ووفّى للغشتي بوعده، فولّاه أسطول إشبيلية، ثم أسطول سبتة، مضافا إلى أمرها، وما يرجع إليه، فثار به أهلها بعد وخلعوه، وفرّ أمامهم في البحر، وخفي أثره إلى أن تحقق استقراره أسيرا في البحر بغرب الأندلس، ودام زمانا، ثم تخلّص في سنّ الشيخوخة، ومات برباط آسفي.
حاله: كان شجاعا، ثبتا، كريما حيّيا، فاضلا، وفيّا، متوكّلا عليه، سليم الصدر، قليل المبالاة، فاستعلى لذلك عليه ولاته بالقواعد، كأبي عبد الله بن الرّميمي بألمريّة، وأبي عبد الله بن زنون بمالقة، وأبي يحيى عتبة بن يحيى الجزولي بغرناطة.
وكان مجدودا، لم ينهض له جيش، ولا وفّق لرأي؛ لغلبة الخفّة عليه، واستعجاله الحركات، ونشاطه إلى اللقاء، من غير كمال استعداد.
بعض الأحداث في أيامه «2» :
جرت عليه هزائم، منها هزيمة السلطان الغالب بالله إيّاه مرّتين، إحداهما بظاهر إشبيلية، وركب البحر فنجا بنفسه، ثم هزمه بإلبيرة من أحواز غرناطة، زعموا كل ذلك في سنة أربع وثلاثين وستمائة أو نحوها.
وفي سنة خمس وثلاثين، كان اللقاء بينه وبين المأمون إدريس أمير الموحدين بإشبيلية، فهزمه المأمون أقبح هزيمة، واستولى على محلّته، ولاذ منه بمدينة مرسية.
ثم شغل المأمون الأمر، وأهمّته الفتنة الواقعة بمرّاكش، فصرف وجهه إليها، وثاب الأمر للمتوكل، فدخلت في طاعته ألمريّة، ثم غرناطة، ثم مالقة. وفي سبع وعشرين وستمائة، تحرّك بفضل شهامته بجيوش عظيمة، لإصراخ مدينة ماردة، وقد نازلها العدوّ وحاصر، ولقي الطّاغية بظاهرها، فلم يتأنّ، زعموا، حتى دفع بنفسه العدوّ، ودخل في مصافّه، ثم لمّا كرّ إلى ساقته، وجد الناس منهزمين لما غاب عنهم، فاستولت عليه هزيمة شنيعة، واستولى العدو على ماردة بعد ذلك.


صفحه 76

وفتح عليه في أمور، منها تملّكه إشبيلية سنة تسع وعشرين وستمائة، وولّى عليها أخاه الأمير أبا النجاة سالما الملقب بعماد الدولة. وفي سنة إحدى وثلاثين، رجعت قرطبة إلى طاعته، واستوسق أمره. وتملّك غرناطة ومالقة عام خمسة وعشرين وستمائة، ودانت له البلاد. وفي العشر الأول من شوال، دخل في طاعته الريّسان أبو زكريا، وأبو عبد الله، ابنا الرئيس أبي سلطان عزيز بن أبي الحجاج بن سعد، وخرجا عن طاعة الأمير أبي جميل، وأخذا البيعة لابن هود على ما في أيديهما. وفي سنة ست وعشرين وستمائة، تملك الجزيرة الخضراء عنوة، يوم الجمعة التاسع لشعبان من العام، وفي العشر الوسط من شوال ورد عليه الخبر ليلا بقصد العدوّ وجهة مدينة وادي آش، فأسرى ليله مسرجا بقية يومه، ولحق بالعدو على ثمانين ميلا، فأتى على آخرهم، ولم ينج منه أحد.
إخوته: الرئيس أبو النجاة سالم، وعلامته: «وثقت بالله» ، ولقبه «عماد الدولة» ، والأمير أبو الحسن عضد الدولة، وأسره العدو في غارة، وافتكّه بمال كثير، والأمير أبو إسحاق شرف الدولة. وكلهم يكتب عنه، من الأمير فلان.
ولده: أبو بكر الملقب بالواثق بالله، أخذ له البيعة على أهل الأندلس، في كذا، وولّي بعده وليّ عهده، واستقلّ بملك مرسية، ثم لم ينشب أن هلك.
دخوله غرناطة: دخل غرناطة مرّات عديدة، إحداها في سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وقد وردت عليه الرّاية والتقليد من الخليفة العباسي ببغداد. وبمصلّى غرناطة، قرىء على الناس كتابه، وهو قائم، وزيّه السّواد، ورايته السوداء بين يديه، وكان يوم استسقاء، فلم يستتمّ على الناس قراءة الكتاب يومئذ، إلّا وقد جادت السماء بالمطر، وكان يوما مشهودا، وصنعا غريبا، وأمر بعد انصرافه، أن يكتب عنه بتلك الألقاب التي تضمّنها الكتاب المذكور إلى البلاد.
وفاته: اختلف الناس في سبب وفاته، فذكر أنه قد عاهد زوجه ألّا يتخذ عليها امرأة طول عمره، فلمّا تصيّر إليه الأمر، أعجبته روميّة حصلت له بسبب السّبي من أبناء زعمائهم، من أجمل الناس، فسترها عند ابن الرّميمي خليفته، فزعموا أن ابن الرميمي علق بها، ولما ظهر حملها، خاف افتضاح القصة، فدبّر عليه الحيلة، فلمّا حلّ بظاهر ألمريّة، عرض عليه الدخول إليها، فاغتاله ليلا، بأن أقعد له أربعة رجال، قضوا عليه خنقا بالوسائد. ومن الغد ادّعى أنه مات فجأة، ووقف عليه العدول، والله أعلم بحقيقة الأمر سبحانه، وكانت وفاته ليلة الرابع والعشرين من جمادى الآخرة عام خمسة وثلاثين وستمائة. وفي إرجاف الناس بولاية ابن هود، والأمر قبل وقوعه،


صفحه 77

يقول الشاعر: [الطويل]
همام به زاد الزمان طلاقة ... ولذّت لنا فيه الأماني موردا
فقل لبني العباس ها هي دولة ... أغار بها الحقّ المبين وأنجدا
فإن الذي قد جاء في الكتب وصفه ... بتمهيد هذي الأرض قد جاء فاهتدا
فإن بشّرتنا بابن هود محمد ... فقد أظهر الله ابن هود محمّدا
محمد بن أحمد بن زيد بن أحمد بن زيد بن الحسن ابن أيوب بن حامد بن زيد بن منخل الغافقي
يكنى أبا بكر، من أهل غرناطة. وسكن وادي آش.
أوّليّته: أصل هذا البيت من إشبيلية، وذكره الرّازي في الاستيعاب، فقال:
وبإشبيلية بيت زيد الغافقي، وهم هناك جماعة كبيرة، فرسان ولهم شرف قديم، وقد تصرّفوا في الخدمة. بلديّون «1» ، ثم انتقلوا إلى طليطلة، ثم قرطبة، ثم غرناطة. وذكر الملّاحي في كتابه الحسن بن أيوب بن حامد بن أيوب بن زيد، وعدّه من أهل الشّورى، وقضاة الجماعة بغرناطة. وأحمد بن زيد بن الحسن هو المقتول يوم قيام بني خالد، بدعوة السلطان أبي عبد الله الغالب بالله بن نصر «2» ، وكان عامل المتوكل على الله بن هود بها، وعمّن جمع له بين الدّين والفضل والماليّة.
حاله ونباهته ومحنته ووفاته:
كان هذا الرجل عينا من أعيان الأندلس، وصدرا من صدورها، نشأ عفّا متصاونا عزوفا، وطلاوة، نزيها، أبيّا، كريم الخؤولة، طيّب الطّعمة، حرّ الأصالة، نبيه الصّهر. ثم استعمل في الوزارة ببلده، ثم قدّم على من به من الفرسان، فأوردهم الموارد الصفيّة بإقدامه، واستباح من العدوّ الفرصة، وأكسبهم الذكر والشهرة، وأنفق في سبيل الله، إلى غضاضة الإيمان، وصحّة العقد، وحسن الشّيمة، والاسترسال في ذكر التواريخ، والأشعار الجاهليّة، والأمثال، والتمسّك بأسباب الدين، وسحب أذيال الطّهارة، وهجر الخبايث، وإيثار الجدّ، والانحطاط في هوى الجماعة.


صفحه 78

مشيخته: قرأ بغرناطة على شيخ الجماعة أبي عبد الله بن الفخّار، وببلده على الأستاذ أبي عبد الله الطرسوني، وبه انتفاعه. وكان جهوري الصّوت، متفاضلا، قليل التهيّب في الحفل. ولما حدث بالسلطان أبي عبد الله من كياد دولته، وتلاحق بوادي آش مفلتا، قام بأمره، وضبط البلد على دعوته، ولمّ المداهنة في أمره، وجعل حيل عدوه دبر أذنه، إلى أن خرج عنها إلى العدوة، فكان زمان طريقه مفديا له بنفسه، حتى لحق بمأمنه، فتركها مغربة.
خبر في وفاته ومعرجه:
وكانت الحمد لله على محمده، واستأثر به الدّاخل، فشدّ عليه يد اغتباطه، وأغرى به عقد ضنانته، وخلطه بنفسه، ثم أغرى به لمكانته من الشهامة والرياسة، فتقبّض عليه، وعلى ولده، لباب بني وقته، وغرّة أبناء جنسه، فأودعهما مطبق أرباب الجرائم، وهمّ باغتيالهما، ثم نقلهما إلى مدينة المنكّب ليلة المنتصف لمحرم من عام اثنين وستين وسبعمائة في جملة من النّبهاء مأخوذين بمثل تلك الجريرة. ثم صرف الجميع في البحر إلى بجاية، في العشر الأول لربيع الأول مصفّدين. ولما حلّوا بها، أقاموا تحت برّ وتجلّة. ثم ركبوا البحر إلى تونس، فقطع بهم أسطول العدو بأحواز تكرنت، ووقعت بينه وبين المسلمين حرب، فكرم مقام المترجم يومئذ، وحسن بلاؤه. قال المخبر: عهدي به، وقد سلّ سيفا، وهو يضرب العدو ويقول: اللهمّ اكتبها لي شهادة. واستولى العدو على من كان معه من المسلمين، ومنهم ولده، وكتب: افتكّ الجميع ببلد العنّاب، وانصرف ابنه إلى الحج، وآب لهذا العهد بخلال حميدة كريمة، من سكون وفضل ودين وحياء، وتلاوة، إلى ما كان يجده من الرّكض، ويعانيه من فروسية، فمضى على هذا السبيل من الشهادة، نفعه الله، في ليلة الجمعة الثامن لرجب من عام اثنين وستين وسبعمائة.
شعره: أنشدني قاضي الجماعة أبو الحسن بن الحسن له: [البسيط]
يا أيها المرتجي للطف «1» خالقه ... وفضله في صلاح الحال والمال
لو كنت توقن حقا لطف قدرته ... فاشمخ بأنفك عن قيل وعن «2» قال
فإنّ لله لطفا عزّ خالقنا ... عن أن يقاس بتشبيه وتمثال
وكل أمر وإن أعياك ظاهره ... فالصّنع في ذاك لا يجري على بال


صفحه 79

محمد بن أحمد بن محمد الأشعري
من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن المحروق، الوكيل بالدار السلطانية، القهرمان بها، المستوزر آخر عمره، سداد من عون.
حاله وأوليته وظهوره: كان، رحمه الله، من أهل العفاف والتّصاون، جانحا إلى الخير، محبّا في أهل الإصلاح، مغضوض الطّرف عن الحرم، عفيفا عن الدماء، مستمسكا بالعدالة، من أهل الخصوصيّة، كتب الشروط، وبرّز في عدول الحضرة.
وكان له خط حسن، ومشاركة في الطلب، وخصوصا في الفرائض، وحظّه تافه من الأدب. امتدح الأمراء، فترقى إلى الكتابة مرءوسا مع الجملة. وعند الإيقاع بالوزير ابن الحكيم، تعيّن لحصر ما استرفع من منتهب ماله، وتحصّل بالدار السلطانية من أثاثه وخرثيّه «1» ، فحزم واضطلع بما كان داعية ترقيه إلى الوكالة، فساعده الوقت، وطلع له جاه كبير، وتملّك أموالا عريضة، وأرضا واسعة، فجمع الدنيا بحزمه ومثابرته على تنمية داخله. وترقى إلى سماء الوزارة في الدّولة السادسة من الدول النّصرية «2» ، بتدبير شيخ الغزاة، وزعيم الطائفة عثمان بن أبي العلي «3» ، فوصله إلى أدوار دنياه، والله قد خبّأ له المكروه في المحبوب، وتأذّن الله سبحانه بنفاد أجله على يده، فاستولى وحجب السلطان. ثم وقعت بينه وبين مرشّحه الوحشة الشهيرة عام سبعة «4» وعشرين وسبعمائة، مارسا لمكان الفتنة، صلة فارط في حجب السلطان، وأجلى جمهور ما كان ببابه، ومنع من الدخول إليه، فاضطربت حاله، وأعمل التدبير عليه، فهجم عليه بدار الحرّة الكبيرة جدّة السلطان، وكان يعارضها في الأمور، ويجعلها تكأة لغرضه، فتيان من أحداث المماليك المستبقين مع محجوبه، تناولاه سطّا بالخناجر، ورمى نفسه في صهريج الدار، وما زالا يتعاورانه من كل جانب حتى فارق الحياة، رحمه الله تعالى.
مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير، وكانت له فيه فراسة صادقة.


صفحه 80

محمد بن فتح بن علي الأنصاري
يكنى أبا بكر، ويشهر بالأشبرون، قاضي الجماعة.
حاله: كان طرفا في الدّهاء والتخلّق والمعرفة بمقاطع الحقوق، ومغامز الرّيب، وعلل الشهادات، فذّا في الجزالة، والصّرامة، مقداما، بصيرا بالأمور، حسن السيرة، عذب الفكاهة، ظاهر الحظوة، عليّ الرتبة. خرج من إشبيلية عند تغلّب العدوّ عليها، وولّي القضاء بمالقة وبسطة. ثم ولّي الحسبة بغرناطة، ثم جمعت له إليها الشّرطة. ثم قدّم قاضيا، واستمرّت ولايته نحوا من ثلاثين سنة.
وفاته: توفي ليلة الحادي عشر من شهر ربيع الأول عام ثمانية وتسعين وستمائة.
محمد بن أحمد بن علي بن حسن بن علي ابن الزيات الكلاعي «1»
ولد الشيخ الخطيب أبي جعفر بن الزيات، من أهل بلّش، يكنى أبا بكر.
حاله: من «عائد الصلة» من تأليفنا: كان، رحمه الله، شبيها بأبيه، في هديه، وحسن سمته ووقاره، إلّا أنه كان حافظا للرتبة، مقيما للأبّهة، مستدعيا بأبيه ونفسه للتجلّة، بقية من أبناء المشايخ، ظرفا وأدبا ومروءة وحشمة، إلى خطّ بديع قيد البصر، ورواية عالية، ومشاركة في فنون، وقراءة، وفقه، وعربية، وأدب وفريضة، ومعرفة بالوثاق والأحكام. تولّى القضاء ببلده، وخلف أباه على الخطابة والإمامة، فأقام الرّسم، واستعمل في السّفارة، فسدّ مسدّ مثله، وأقرأ ببلده، فانتفع به.
مشيخته: قرأ على الأستاذ الخطيب أبي محمد بن أبي السّداد الباهلي، وبغرناطة على شيخ الجماعة الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، ومن أعلام مشيخته جدّه للأمّ، خال أبيه، الحكمي العارف أبو جعفر ابن الخطيب أبي الحسن بن الحسن المذحجي الحمي، والخطيب الربّاني أبو الحسن فضل بن فضيلة، والوزير أبو عبد الله بن رشيد.


صفحه 81

محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن الحاج «1»
يكنّى أبا عبد الله، ويعرف بابن الحاج.
أوّليّته وحاله: كان أبوه نجّارا من مدجّني مدينة إشبيلية، من العارفين بالحيل الهندسية، بصيرا باتخاذ الآلات الحربية الجافية، والعمل بها. وانتقل إلى مدينة فاس على عهد أبي يوسف المنصور بن عبد الحق، واتخذ له الدّولاب المنفسح القطر، البعيد المدى، مليّن المركز والمحيط، المتعدّد الأكواب، الخفيّ الحركة، حسبما هو اليوم ماثل بالبلد الجديد، دار الملك بمدينة فاس، أحد الآثار التي تحدو إلى مشاهدتها الرّكاب، وبناء دار الصّنعة بسلا. وانتقل بعد مهلك أبيه إلى باب السلطان ثاني الملوك من بني نصر «2» ، ومتّ إليه بوسيلة أدنت محلّه، وأسنت جراياته، إلى أن تولّى وزارة ولده أمير المسلمين، أبي الجيوش نصر «3» ، واضطلع بتدبيره، ونقم الناس عليه إيثاره لمقالات الرّوم، وانحطاطه في مهوى لهم، والتشبّه بهم في الأكل والحديث، وكثير من الأحوال والهيئات والاستحسان، وتطريز المجالس بأمثالهم وحكمهم، سمة وسمت منه عقلا، لنشأته بين ظهرانيهم، وسبقت إلى قوى عقله المكتسب في بيوتهم، فلم تفارقه بحال، وإن كان آية في الدهاء، والنظر في رجل بعيد الغور، عميق الفكر، قائم على الدّمنة، منطو على الرّضف، ليّن الجانب، مبذول البشر، وحيد زمانه في المعرفة بلسان الرّوم وسيرهم، محكم الأوضاع في أدب الخدمة، ذرب بالتصرف في أبواب الملوك.
وكان من ثورة العامة بسلطانه ما تقدم، وجهروا بإسلامه إليهم، وقد ولّوه بسبب الثورة، وطوّقوه كياد الأزمة، فضنّ به السلطان ضنانة أعربت عن وفائه، وصان مهجته، واستمرّ الأمر إلى أن خلع الملك عن الملك. وكان نزول الوزير المذكور تحت خفارة شيخ الغزاة، وكبير الطائفة، عثمان بن أبي العلى، فانتقل محفوظ


صفحه 82

الجملة، محوط الوفر، ولم ينشب إلى أن لجأ إلى العدوة، واتصل بالأمير أبي علي عمر بن السلطان الكبير أبي سعيد، فحرّكه، زعموا، على محادّة أبيه، وحمله على الانتزاء، فكان ما هو معلوم من دعائه إلى نفسه، ومنازعة أبيه، ولقائه إياه بالمقرمدة «1» ، وفلّ جيشه، وفي أثنائه هلك المترجم به.
وفاته: توفي بفاس الجديد في العشر الأول من شعبان عام أربعة عشر «2» وسبعمائة.
محمد بن رضوان بن محمد بن أحمد بن إبراهيم ابن أرقم النّميري
من أهل وادي آش، يكنى أبا يحيى.
حاله: كان صدرا شهيرا، عالما علما، حسيبا، أصيلا، جمّ التحصيل، قويّ الإدراك، مضطلعا بالعربية واللغة، إماما في ذلك، مشاركا في علوم من حساب وهيئة وهندسة. قال الشيخ: كان في هذا كله أبرع من لقيته، إلى سراوة وفضل وتواضع ودين، جاريا في ذلك على سنن سلفه، وعلوّ محتده، جالسته، رحمه الله، كثيرا عند علية من أدركته بغرناظة؛ لإقامته بها، وتكرر لقائي إياه بها وبغيرها، فرأيت أصيلا جليلا قد جمع علما وفضلا، وحسن خلق، وكان حسن التقييد، لخطّه رونق يمتاز به، ويبعد عن غيره. ولّي القضاء ببلده، ثم ولّي بعد مدة ببرشانة «3» ، فحمدت سيرته.
مشيخته: أخذ القراءات السبع عن أبي كرم جودي بن عبد الرحمن، وقرأ عليه الغريب واللغة، ولازمه في ذلك، وأجاز له إجازة عامة، وأخذ من غيره ببلده، وصحب بغرناطة جملة من العلماء بها، أيام اختلافه إليها، وإقامته بها.
تواليفه: ألّف كتابا سماه «الاحتفال في استيفاء ما للخيل من الأحوال» ، وهو كتاب ضخم وقفت عليه من قبله وأفدته. واختصر الغريب المصنّف، وله تقاييد منثور ومنظوم في علم النجوم، ورسالة في الأسطرلاب الخطي والعمل به، وشجرة في أنساب العرب.
وفاته: وفي ليلة السبت السابع عشر لشهر ربيع الآخر عام سبعة وخمسين وسبعمائة.