يقول الشاعر: [الطويل]
همام به زاد الزمان طلاقة ... ولذّت لنا فيه الأماني موردا
فقل لبني العباس ها هي دولة ... أغار بها الحقّ المبين وأنجدا
فإن الذي قد جاء في الكتب وصفه ... بتمهيد هذي الأرض قد جاء فاهتدا
فإن بشّرتنا بابن هود محمد ... فقد أظهر الله ابن هود محمّدا
محمد بن أحمد بن زيد بن أحمد بن زيد بن الحسن ابن أيوب بن حامد بن زيد بن منخل الغافقي
يكنى أبا بكر، من أهل غرناطة. وسكن وادي آش.
أوّليّته: أصل هذا البيت من إشبيلية، وذكره الرّازي في الاستيعاب، فقال:
وبإشبيلية بيت زيد الغافقي، وهم هناك جماعة كبيرة، فرسان ولهم شرف قديم، وقد تصرّفوا في الخدمة. بلديّون «1» ، ثم انتقلوا إلى طليطلة، ثم قرطبة، ثم غرناطة. وذكر الملّاحي في كتابه الحسن بن أيوب بن حامد بن أيوب بن زيد، وعدّه من أهل الشّورى، وقضاة الجماعة بغرناطة. وأحمد بن زيد بن الحسن هو المقتول يوم قيام بني خالد، بدعوة السلطان أبي عبد الله الغالب بالله بن نصر «2» ، وكان عامل المتوكل على الله بن هود بها، وعمّن جمع له بين الدّين والفضل والماليّة.
حاله ونباهته ومحنته ووفاته:
كان هذا الرجل عينا من أعيان الأندلس، وصدرا من صدورها، نشأ عفّا متصاونا عزوفا، وطلاوة، نزيها، أبيّا، كريم الخؤولة، طيّب الطّعمة، حرّ الأصالة، نبيه الصّهر. ثم استعمل في الوزارة ببلده، ثم قدّم على من به من الفرسان، فأوردهم الموارد الصفيّة بإقدامه، واستباح من العدوّ الفرصة، وأكسبهم الذكر والشهرة، وأنفق في سبيل الله، إلى غضاضة الإيمان، وصحّة العقد، وحسن الشّيمة، والاسترسال في ذكر التواريخ، والأشعار الجاهليّة، والأمثال، والتمسّك بأسباب الدين، وسحب أذيال الطّهارة، وهجر الخبايث، وإيثار الجدّ، والانحطاط في هوى الجماعة.
مشيخته: قرأ بغرناطة على شيخ الجماعة أبي عبد الله بن الفخّار، وببلده على الأستاذ أبي عبد الله الطرسوني، وبه انتفاعه. وكان جهوري الصّوت، متفاضلا، قليل التهيّب في الحفل. ولما حدث بالسلطان أبي عبد الله من كياد دولته، وتلاحق بوادي آش مفلتا، قام بأمره، وضبط البلد على دعوته، ولمّ المداهنة في أمره، وجعل حيل عدوه دبر أذنه، إلى أن خرج عنها إلى العدوة، فكان زمان طريقه مفديا له بنفسه، حتى لحق بمأمنه، فتركها مغربة.
خبر في وفاته ومعرجه:
وكانت الحمد لله على محمده، واستأثر به الدّاخل، فشدّ عليه يد اغتباطه، وأغرى به عقد ضنانته، وخلطه بنفسه، ثم أغرى به لمكانته من الشهامة والرياسة، فتقبّض عليه، وعلى ولده، لباب بني وقته، وغرّة أبناء جنسه، فأودعهما مطبق أرباب الجرائم، وهمّ باغتيالهما، ثم نقلهما إلى مدينة المنكّب ليلة المنتصف لمحرم من عام اثنين وستين وسبعمائة في جملة من النّبهاء مأخوذين بمثل تلك الجريرة. ثم صرف الجميع في البحر إلى بجاية، في العشر الأول لربيع الأول مصفّدين. ولما حلّوا بها، أقاموا تحت برّ وتجلّة. ثم ركبوا البحر إلى تونس، فقطع بهم أسطول العدو بأحواز تكرنت، ووقعت بينه وبين المسلمين حرب، فكرم مقام المترجم يومئذ، وحسن بلاؤه. قال المخبر: عهدي به، وقد سلّ سيفا، وهو يضرب العدو ويقول: اللهمّ اكتبها لي شهادة. واستولى العدو على من كان معه من المسلمين، ومنهم ولده، وكتب: افتكّ الجميع ببلد العنّاب، وانصرف ابنه إلى الحج، وآب لهذا العهد بخلال حميدة كريمة، من سكون وفضل ودين وحياء، وتلاوة، إلى ما كان يجده من الرّكض، ويعانيه من فروسية، فمضى على هذا السبيل من الشهادة، نفعه الله، في ليلة الجمعة الثامن لرجب من عام اثنين وستين وسبعمائة.
شعره: أنشدني قاضي الجماعة أبو الحسن بن الحسن له: [البسيط]
يا أيها المرتجي للطف «1» خالقه ... وفضله في صلاح الحال والمال
لو كنت توقن حقا لطف قدرته ... فاشمخ بأنفك عن قيل وعن «2» قال
فإنّ لله لطفا عزّ خالقنا ... عن أن يقاس بتشبيه وتمثال
وكل أمر وإن أعياك ظاهره ... فالصّنع في ذاك لا يجري على بال
محمد بن أحمد بن محمد الأشعري
من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن المحروق، الوكيل بالدار السلطانية، القهرمان بها، المستوزر آخر عمره، سداد من عون.
حاله وأوليته وظهوره: كان، رحمه الله، من أهل العفاف والتّصاون، جانحا إلى الخير، محبّا في أهل الإصلاح، مغضوض الطّرف عن الحرم، عفيفا عن الدماء، مستمسكا بالعدالة، من أهل الخصوصيّة، كتب الشروط، وبرّز في عدول الحضرة.
وكان له خط حسن، ومشاركة في الطلب، وخصوصا في الفرائض، وحظّه تافه من الأدب. امتدح الأمراء، فترقى إلى الكتابة مرءوسا مع الجملة. وعند الإيقاع بالوزير ابن الحكيم، تعيّن لحصر ما استرفع من منتهب ماله، وتحصّل بالدار السلطانية من أثاثه وخرثيّه «1» ، فحزم واضطلع بما كان داعية ترقيه إلى الوكالة، فساعده الوقت، وطلع له جاه كبير، وتملّك أموالا عريضة، وأرضا واسعة، فجمع الدنيا بحزمه ومثابرته على تنمية داخله. وترقى إلى سماء الوزارة في الدّولة السادسة من الدول النّصرية «2» ، بتدبير شيخ الغزاة، وزعيم الطائفة عثمان بن أبي العلي «3» ، فوصله إلى أدوار دنياه، والله قد خبّأ له المكروه في المحبوب، وتأذّن الله سبحانه بنفاد أجله على يده، فاستولى وحجب السلطان. ثم وقعت بينه وبين مرشّحه الوحشة الشهيرة عام سبعة «4» وعشرين وسبعمائة، مارسا لمكان الفتنة، صلة فارط في حجب السلطان، وأجلى جمهور ما كان ببابه، ومنع من الدخول إليه، فاضطربت حاله، وأعمل التدبير عليه، فهجم عليه بدار الحرّة الكبيرة جدّة السلطان، وكان يعارضها في الأمور، ويجعلها تكأة لغرضه، فتيان من أحداث المماليك المستبقين مع محجوبه، تناولاه سطّا بالخناجر، ورمى نفسه في صهريج الدار، وما زالا يتعاورانه من كل جانب حتى فارق الحياة، رحمه الله تعالى.
مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير، وكانت له فيه فراسة صادقة.
محمد بن فتح بن علي الأنصاري
يكنى أبا بكر، ويشهر بالأشبرون، قاضي الجماعة.
حاله: كان طرفا في الدّهاء والتخلّق والمعرفة بمقاطع الحقوق، ومغامز الرّيب، وعلل الشهادات، فذّا في الجزالة، والصّرامة، مقداما، بصيرا بالأمور، حسن السيرة، عذب الفكاهة، ظاهر الحظوة، عليّ الرتبة. خرج من إشبيلية عند تغلّب العدوّ عليها، وولّي القضاء بمالقة وبسطة. ثم ولّي الحسبة بغرناطة، ثم جمعت له إليها الشّرطة. ثم قدّم قاضيا، واستمرّت ولايته نحوا من ثلاثين سنة.
وفاته: توفي ليلة الحادي عشر من شهر ربيع الأول عام ثمانية وتسعين وستمائة.
محمد بن أحمد بن علي بن حسن بن علي ابن الزيات الكلاعي «1»
ولد الشيخ الخطيب أبي جعفر بن الزيات، من أهل بلّش، يكنى أبا بكر.
حاله: من «عائد الصلة» من تأليفنا: كان، رحمه الله، شبيها بأبيه، في هديه، وحسن سمته ووقاره، إلّا أنه كان حافظا للرتبة، مقيما للأبّهة، مستدعيا بأبيه ونفسه للتجلّة، بقية من أبناء المشايخ، ظرفا وأدبا ومروءة وحشمة، إلى خطّ بديع قيد البصر، ورواية عالية، ومشاركة في فنون، وقراءة، وفقه، وعربية، وأدب وفريضة، ومعرفة بالوثاق والأحكام. تولّى القضاء ببلده، وخلف أباه على الخطابة والإمامة، فأقام الرّسم، واستعمل في السّفارة، فسدّ مسدّ مثله، وأقرأ ببلده، فانتفع به.
مشيخته: قرأ على الأستاذ الخطيب أبي محمد بن أبي السّداد الباهلي، وبغرناطة على شيخ الجماعة الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، ومن أعلام مشيخته جدّه للأمّ، خال أبيه، الحكمي العارف أبو جعفر ابن الخطيب أبي الحسن بن الحسن المذحجي الحمي، والخطيب الربّاني أبو الحسن فضل بن فضيلة، والوزير أبو عبد الله بن رشيد.
محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن الحاج «1»
يكنّى أبا عبد الله، ويعرف بابن الحاج.
أوّليّته وحاله: كان أبوه نجّارا من مدجّني مدينة إشبيلية، من العارفين بالحيل الهندسية، بصيرا باتخاذ الآلات الحربية الجافية، والعمل بها. وانتقل إلى مدينة فاس على عهد أبي يوسف المنصور بن عبد الحق، واتخذ له الدّولاب المنفسح القطر، البعيد المدى، مليّن المركز والمحيط، المتعدّد الأكواب، الخفيّ الحركة، حسبما هو اليوم ماثل بالبلد الجديد، دار الملك بمدينة فاس، أحد الآثار التي تحدو إلى مشاهدتها الرّكاب، وبناء دار الصّنعة بسلا. وانتقل بعد مهلك أبيه إلى باب السلطان ثاني الملوك من بني نصر «2» ، ومتّ إليه بوسيلة أدنت محلّه، وأسنت جراياته، إلى أن تولّى وزارة ولده أمير المسلمين، أبي الجيوش نصر «3» ، واضطلع بتدبيره، ونقم الناس عليه إيثاره لمقالات الرّوم، وانحطاطه في مهوى لهم، والتشبّه بهم في الأكل والحديث، وكثير من الأحوال والهيئات والاستحسان، وتطريز المجالس بأمثالهم وحكمهم، سمة وسمت منه عقلا، لنشأته بين ظهرانيهم، وسبقت إلى قوى عقله المكتسب في بيوتهم، فلم تفارقه بحال، وإن كان آية في الدهاء، والنظر في رجل بعيد الغور، عميق الفكر، قائم على الدّمنة، منطو على الرّضف، ليّن الجانب، مبذول البشر، وحيد زمانه في المعرفة بلسان الرّوم وسيرهم، محكم الأوضاع في أدب الخدمة، ذرب بالتصرف في أبواب الملوك.
وكان من ثورة العامة بسلطانه ما تقدم، وجهروا بإسلامه إليهم، وقد ولّوه بسبب الثورة، وطوّقوه كياد الأزمة، فضنّ به السلطان ضنانة أعربت عن وفائه، وصان مهجته، واستمرّ الأمر إلى أن خلع الملك عن الملك. وكان نزول الوزير المذكور تحت خفارة شيخ الغزاة، وكبير الطائفة، عثمان بن أبي العلى، فانتقل محفوظ
الجملة، محوط الوفر، ولم ينشب إلى أن لجأ إلى العدوة، واتصل بالأمير أبي علي عمر بن السلطان الكبير أبي سعيد، فحرّكه، زعموا، على محادّة أبيه، وحمله على الانتزاء، فكان ما هو معلوم من دعائه إلى نفسه، ومنازعة أبيه، ولقائه إياه بالمقرمدة «1» ، وفلّ جيشه، وفي أثنائه هلك المترجم به.
وفاته: توفي بفاس الجديد في العشر الأول من شعبان عام أربعة عشر «2» وسبعمائة.
محمد بن رضوان بن محمد بن أحمد بن إبراهيم ابن أرقم النّميري
من أهل وادي آش، يكنى أبا يحيى.
حاله: كان صدرا شهيرا، عالما علما، حسيبا، أصيلا، جمّ التحصيل، قويّ الإدراك، مضطلعا بالعربية واللغة، إماما في ذلك، مشاركا في علوم من حساب وهيئة وهندسة. قال الشيخ: كان في هذا كله أبرع من لقيته، إلى سراوة وفضل وتواضع ودين، جاريا في ذلك على سنن سلفه، وعلوّ محتده، جالسته، رحمه الله، كثيرا عند علية من أدركته بغرناظة؛ لإقامته بها، وتكرر لقائي إياه بها وبغيرها، فرأيت أصيلا جليلا قد جمع علما وفضلا، وحسن خلق، وكان حسن التقييد، لخطّه رونق يمتاز به، ويبعد عن غيره. ولّي القضاء ببلده، ثم ولّي بعد مدة ببرشانة «3» ، فحمدت سيرته.
مشيخته: أخذ القراءات السبع عن أبي كرم جودي بن عبد الرحمن، وقرأ عليه الغريب واللغة، ولازمه في ذلك، وأجاز له إجازة عامة، وأخذ من غيره ببلده، وصحب بغرناطة جملة من العلماء بها، أيام اختلافه إليها، وإقامته بها.
تواليفه: ألّف كتابا سماه «الاحتفال في استيفاء ما للخيل من الأحوال» ، وهو كتاب ضخم وقفت عليه من قبله وأفدته. واختصر الغريب المصنّف، وله تقاييد منثور ومنظوم في علم النجوم، ورسالة في الأسطرلاب الخطي والعمل به، وشجرة في أنساب العرب.
وفاته: وفي ليلة السبت السابع عشر لشهر ربيع الآخر عام سبعة وخمسين وسبعمائة.
محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ابن محمد بن خلف بن محمد بن سليمان بن سوار ابن أحمد بن حزب الله بن عامر بن سعد الخير بن عيّاش «1»
المكنى بأبي عيشون بن حمّود، الداخل إلى الأندلس صحبة موسى بن نصير، ابن عنبسة بن حارثة بن العباس بن المرداس، يكنّى أبا البركات، بلفيقي «2» الأصل، مروي «3» النشأة والولادة والسلف، يعرف بابن الحاج، وشهر الآن في غير بلده بالبلفيقي، وفي بلده بالمعرفة القديمة.
أوّليّته: قد تقدم اتصال نسبه بحارثة بن العباس بن مرداس، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد خطبائه وشعرائه، رئيس في الإسلام، ورئيس في الجاهلية. وكان لسلفه، وخصوصا لإبراهيم، من الشهرة بولاية الله، وإيجاب الحقّ من خلقه ما هو مشهور، حسبما تنطق به الفهارس، يعضّد هذا المجد من جهة الأمومة، كأبي بكر بن صهيب، وابن عمه أبي إسحاق، وغيرهم، الكثير ممن صنّف في رجال الأندلس، كأبي عبد المجيد المالقي، وابن الأبار، وابن طلحة، وابن فرتون، وابن صاحب الصلاة، وابن الزّبير، وابن عبد الملك، فلينظر هناك.
حاله: نشأ ببلده ألمرية عمود العفة، فضفاض جلباب الصّيانة، غضيض طرف الحياء، نائي جنب السّلام، حليف الانقباض والازورار، آويا إلى خالص النّشب وبحت الطّعمة، لا يرى إلّا في منزل من سأله، وفي حلق الأسانيد، أو في مسجد من المساجد خارج المدينة المعدّة للتّعبّد، لا يجيء سوقا، ولا مجمعا، ولا وليمة، ولا مجلس حاكم أو وال، ولا يلابس أمرا من الأمور التي جرت عادته أن يلابسها بوجه من الوجوه. ثم ترامى إلى رحلة، فجاس خلال القطر الغربي إلى بجاية، نافضا إياه من العلماء والصلحاء والأدباء والآثار بتقييده، وأخذه قيام ذكر، وإغفال شهرة. ثم صرف عنانه إلى الأندلس، فتصرف في الإقراء، والقضاء، والخطابة. وهو الآن نسيج
وحده في أصالة عريقة، وسجيّة على السلامة مفطورة، فما شئت من صدر سليم، وعقد وثيق، وغور قريب، ونصح مبذول، وتصنّع مرفوض، ونفس ساذجة، وباطن مساو للظاهر، ودمعة سريعة، وهزل يثمر تجلّة، وانبساط يفيد حسن نيّة، إلى حسن العهد، وفضل المشاركة، ورقّة الحاشية، وصلابة العود، وصدق العزيمة، وقوة الحامية، وبلاغة الموعظة، وجلّة الوقت، وفائدة العصر، تفننا وإمتاعا، فارس المنابر غير الهيّابة، ولا الجزوع، طيّب النّغمة بالقرآن، مجهشا في مجال الرّقة، كثير الشفقة لصالح العامة، متأسفا لضياع الأوقات، مدمعا على الفيئة، مجمّا، محوّلا في رئاسة الدين والدنيا. هذا ما يسامح فيه الإيجاز، ويتجافى عنه الاختصار، ويكفي فيه الإلماع والإشارة، أبقى الله شيخنا أبا البركات.
مشيخته وولايته: تقدم قاضيا بقنالش «1» ، في جمادى الثانية عام خمسة عشر وسبع مائة ثم ولّي مربلّة، وإستبونة «2» ثم كانت رحلته إلى بجاية. ثم عاد فقعد بمجلس الإقراء من مالقة للكلام على صحيح مسلم، متّفقا على اضطلاعه بذلك. ثم رحل إلى فاس. ثم آب إلى الأندلس، واستقرّ ببلده ألمرية، فقعد بمسجدها الجامع للإقراء، ثم قدّم قاضيا ببرجة ودلّاية، والبينول «3» وفنيانة «4» ، ثم نقل عنها إلى بيرة، ثم غربي ألمرية. ثم قدّم قاضيا بمالقة، ثم قدّم بغربها مضافا إلى الخطابة، ثم أعيد إلى قضاء ألمرية، بعد وفاة القاضي أبي محمد بن الصائغ. ومن كتاب «طرفة العصر» من تأليفنا في خبر ولايته ما نصه:
فتقلّد الحكم في الثالث والعشرين لشعبان من عام سبعة «5» وأربعين وسبعمائة، ثالث يوم وصوله مستدعى، وانتابه الطّلبة ووجوه الحضرة والدولة، مهنئين بمثواه من دار الصيانة، ومحل التّجلّة، إحدى دور الملوك بالحمراء، فطفقوا يغشونه بها زرافات ووحدانا، في إتاحة الخير، وإلهام السّداد، وتسويغ الموهبة. وكان وصوله، والأفق قد اغبرّ، والأرض قد اقشعرّت لانصرام حظّ من أيام الشتاء الموافق لشهر ولايته، لم