فأعرجوا «1» على أهل «2» الكمال وسلّموا ... سلمتم وبلّغتم مناكم فأبشروا
بنفسي لا بالمال أرضى بشارة ... إذا لاح نور في سناها مبشّر
وما قدر نفسي أن تكون كفاء «3» ... ولكنها جهد المقلّ فأعذر
أقول إذا أوفيت أكرم مرسل ... قراي عليكم أنّ ذنبي يغفر
وأحظى بتقريب الجوار مكرّما ... وأصفح عن جور البعاد وأعذر
وأرتع في ظلّ الجنان منعّما ... وأمني بقرب من حماك وأجبر
هناك هناك القرب فانعم بنيله ... بحيث ثوى جسم كريم مطهّر
ودع عنك تطواف البلاد وخيّم «4» ... بطيبة طابت فهي مسك وعنبر
فخرت بمدحي للنّبيّ محمد ... ومن مدحه المدّاح يزهى ويفخر
أطلت وإنّي في المديح مقصّر ... فكلّ طويل في معاليك يقصر
ما بلغت كفّ امرئ متناول ... بها المجد إلّا والذي نلت أكبر
وما بلغ المهدون في القول مدحة ... وإن أطنبوا إلّا الذي فيك أفخر
عليك صلاة الله ما مرّ سبق ... إليك وما هبّ النّسيم المعطّر
وقال يرثي ابنا نجيبا ثكله بغرناطة: [الطويل]
شباب ثوى شابت عليه المفارق ... وغصن ذوى تاقت إليه الحدائق
على حين راق النّاظرين بسوقه ... رمته سهام للعيون رواشق
فما أخطأت منه الفؤاد بعمدها ... فلا أبصرت تلك العيون الرّوانق
وحين تدانى للكمال هلاله ... ألمّ به نقص وجدّت مواحق
إلى الله أشكو فهو يشكى نوازعا ... عظاما سطاها للعظام عوارق
ولا مثل فقدان البنيّ فجيعة ... وإن طال ما لجّت وجلّت بوائق
محمد إنّ الصّبر صبر وعلقم ... على أنه حلو المثوبة سابق
فإن جزعا فالله للعبد عاذر ... وإن جلدا فالوعد لله صادق
وتالله ما لي بعد عيشك لذّة ... ولا راقني مرأى لعيني رائق
فأني به والمذكرات عديدة ... فنبل وهمّ للعوائد خارق
فإن ألتفت «1» فالشخص للعين ماثل ... وإن أستمع فالصّوت للأذن طارق
وإن أدع شخصا باسمه لضرورة ... فإنّ أسمك المحبوب للنّطق سابق
وإن تقرع الأبواب راحة قارع ... يطر «2» عندها قلب لذكرك خافق
وكلّ كتاب قد حويت فمذكر ... وآثاره كلّ إليك توائق
سبقت كهولا «3» في الطّفولة لا تني ... وأرهقت أشياخا وأنت مراهق
فلو لم يغلك الموت دمت مجلّيا ... وأقبل سكّيتا وجيئا «4» ولا حق
على مهل أحرزت ما شئت ثانيا ... عنانك لا تجهد وأنت مسابق
رأتك المنايا سابقا فأغرتها ... فجدّ طلابا إنّهن لواحق
لئن سلبت منّي نفيس ذخائر ... فإنّي بمذخور الأجور لواثق
وقد كان ظنّي أنّني لك سابق ... فقد صار علمي أنّني بك لاحق
غريبين كنّا فرّق البين بيننا ... فأبرح ما يلقى الغريب المفارق
فبين وبعد بالغريب توكّلا ... قد رعى بما حملت والله ضائق «5»
عسى وطن يدنو فتدنو له «6» منى ... وأيّ الأماني والخطوب عوائق؟
فلولا الأسى ذاب الفؤاد من الأسى ... ولولا البكا لم يحمل الحزن طائق
فخطّ الأسى خطّا تروق سطوره ... وتمحو البكا فالدّمع ماح وساحق
فيا واحدا قد كان للعين نورها ... عليك ضياء «7» بعد بعدك غاسق
عليك سلام الله ما جنّ ساجع ... وما طلعت شمس وما ذرّ شارق
وما همعت سحب غواد روائح ... وما لمعت تحدو الرّعود بوارق
وجاد على مثواك غيث مروّض ... عباد «8» لرضوان الإله موافق
محنته: تعرّض إليه قوم يوم قتل صديقه أبي عبد الله الحكيم بإذاءة قبيحة، وأسمع كل شارق من القول على ألسنة زعانفة فجّر وترهم القتيل، فتخلّص ولا تسل كيف، وأزمع الرّحيل فلم يلبث بعد ذلك.
وفاته: كانت وفاته بمدينة فاس، في اليوم الثامن من شهر المحرم مفتتح عام أحد وعشرين وسبعمائة. ودفن في الجبانة التي بخارج باب الفتوح بالرّوضة المعروفة بمطرح الجنّة، التي اشتملت على العلماء والصلحاء والفضلاء، من الغرباء الواردين مدينة فاس، وكان مولده بسبتة عام سبعة وخمسين وستمائة.
محمد بن علي بن هاني اللّخمي السّبتي «1»
يكنى أبا عبد الله، ويعرف باسم جدّه، أصلهم من إشبيلية.
حاله: كان، رحمه الله، فريد دهره في سموّ الهمّة، وإيثار الاقتصاد والتّحلّي بالقناعة، وشموخ الأنف على أهل الرّئاسة، مقتصرا على فائدة ربع له ببلده، يتبلّغ مع الاستقامة، مع الصّبر والعمل على حفظ المروءة، وصون ماء الوجه، إماما في علم العربيّة، مبرّزا متقدّما فيه، حافظا للأقوال، مستوعبا لطريق الخلاف، مستحضرا لحجج التّوجيه، لا يشقّ في ذلك غباره، ريّان من الأدب، بارع الخطّ، سهل مقادة الكلام، مشاركا في الأصلين، قائما على القراءات، حسن المجلس، رائق البزّة، بارع المحاضرة، فائق التّرسّل، متوسط النّظم، كثير الاجتهاد والعكوف، مليح الخلق، ظاهر الخشوع، قريب الدّمعة، بيته شهير الحسب والجلالة.
وجرى ذكره في «الإكليل الزاهر» بما نصّه «2» : علم تشير إليه الأكفّ «3» ، ويعمل إلى لقائه الحافر والخفّ «4» ، رفع للعربيّة ببلده راية لا تتأخّر، ومرج منها لجّة تزخر، فانفسح مجال درسه، وأثمرت أدواح غرسه، فركض بما «5» شاء وبرّح، ودوّن وشرح، إلى شمائل تملّك «6» الظّرف زمامها، ودعابة راشت الحلاوة سهامها.
ولمّا أخذ المسلمون في منازلة الجبل «7» وحصاره، وأصابوا الكفر منه بجارحة
أبصاره، ورموا بالثّكل فيه نازح أمصاره، كان ممّن انتدب وتطوّع، وسمع النّداء فأهطع «1» ، فلازمه إلى أن نفد لأهله القوت، وبلغ من فسحة «2» الأجل الموقوت، فأقام الصّلاة بمحرابه، وقد «3» غيّر محيّاه طول اغترابه، وبادره الطّاغية قبل أن يستقرّ نصل الإسلام في قرابه «4» ، أو يعلق أصل الدّين في ترابه. وانتدب إلى الحصار به وتبرّع، ودعاه أجله فلبّى وأسرع. ولمّا هدر عليه الفنيق «5» ، وركعت إلى قبلته المجانيق «6» ، أصيب بحجر دوّم عليه كالجارح المحلّق، وانقضّ إليه انقضاض البارق المتألّق، فاقتنصه واختطفه، وعمد إلى زهره فقطفه «7» ، فمضى إلى الله طوع نيّته، وصحبته غرابة المنازع حتى في منيّته «8» .
مشيخته: قرأ على الأستاذ العلّامة أبي إسحاق الغافقي، وعلى الأستاذ النحوي أبي بكر بن عبيدة، واعتمد عليه، وقرأ على الإمام الصالح أبي عبد الله بن حريث.
تواليفه: ألّف «9» كتبا، منها «10» كتاب «شرح التّسهيل لابن مالك» ، وهو أجلّ كتبه، أبدع فيه، وتنافس الناس فيه. ومنها «11» «الغرّة الطّالعة في شعراء المائة السابعة» ، ومنها «12» «إنشاد الضّوّال، وإرشاد السّوّال في لحن العامة» ، وهو كتاب «13» مفيد، و «14» «قوت المقيم» . ودوّن ترسّل «15» رئيس الكتّاب أبي المطرّف بن عميرة وضمّه في سفرين. وله رجز «16» في الفرائض مفيد.
شعره: حدّثنا «17» شيخنا القاضي الشّريف، نسيج وحده، أبو القاسم الحسني، قال: خاطبت الأستاذ أبا عبد الله بن هانىء، رحمه الله، بقصيدة من نظمي أولها «18» :
[البسيط]
هات «1» الحديث عن الرّكب «2» الذي شخصا
فأجابني عن ذلك بقصيدة في رويّها «3» :
لولا مشيب بفودي للفؤاد عصى ... نضيت «4» في مهمه التّشبيب لي قلصا «5»
واستوقفت عبراتي وهي جارية ... وكفاء توهم ربعا للحبيب قصا
مسائلا عن لياليه التي انتهزت ... أيدي الأماني بها ما شئته فرصا
وكنت جاريت فيها من جرى طلقا ... من الإجادة لم يحجم «6» ولا نكصا
أصاب شاكلة المرميّ حين رمى ... من الشّوارد ما لولاه ما اقتنصا
ومن أعدّ مكان النّبل نبل حجا ... لم يرض إلّا بأبكار النّهى قنصا
ثم انثنى ثانيا عطف النّسيب إلى ... مدح به قد غلا ما كان قد رخصا
فظلت أرفل فيها لبسة شرفت ... ذاتا ومنتسبا أعزز به قمصا
يقول فيها وقد خولت منحتها ... وجرّع الكاشح المغرى بها غصصا «7»
هذي عقائل وافت منك ذا شرف ... لولا أياديه بيع الحمد مرتخصا
فقلت: هلّا عكست القول منك له ... ولم يكن قابلا من «8» مدحه الرّخصا؟
وقلت: ذي بكر فكر من أخي شرف ... يردي ويرضي بها الحسّاد والخلّصا
لها حلى حسنيّات على حلل ... حسنيّة تستبي من حلّ أو شخصا
خوّلتها وقد اعتزّت ملابسها ... بالبخت ينقاد للإنسان ما عوصا «9»
خذها أبا قاسم منّي نتيجة ذي ... ودّ إذا شئت ودّا للورى خلصا
جاءت تجاوب عمّا قد بعثت به ... إن كنت تأخذ من درّ النحور حصا
وهي طويلة. وممّا ينسب إليه، وهو مليح في معناه «1» : [الكامل]
ما للنّوى مدّت لغير ضرورة ... ولقبل ما عهدي بها مقصوره
إنّ الخليل وإن دعته ضرورة ... لم يرض ذاك فكيف دون ضروره
وقال مضمّنا: [الرمل]
لا يلمني عاذلي حتى يرى «2» ... وجه من أهوى فلومي مستحيل
لو رأى وجه حبيبي عاذلي ... لتفارقنا على وجه جميل
وقال في الفخر: [الكامل]
قل للموالي: عش بغبطة حامد ... وللمعادي: بت بضغنة حاسد
المزن كفّي والثريّا همّتي ... وذكاء «3» ذكري والسّعود مقاصدي «4»
وقال في غير ذلك: [البسيط]
غنيت بي دون غيري الدّهر عن مثل ... بعضي لبعضي أضحى يضرب المثلا
ظهري انحنى لمشيب لاح وا عجبا ... غضّ إذا أينعت أزهاره ذبلا
أذاك «5» أم زهر لاحت تخبّر أن ... يوم الصّبا والتّصابي آنس الطّفلا
ومما جمع فيه بين نظمه ونثره، ما راجع به شيخنا القاضي الشريف أبا القاسم الحسني، عن القصيدة الهمزية التي ثبتت في اسمه «6» : [الكامل]
يا أوحد الأدباء أو يا أوحد ال ... فضلاء أو يا أوحد الشّرفاء
من ذا تراه أحقّ منك إذا التوت ... طرق الحجاج بأن يجيب ندائي «7»
أدب أرقّ من الهواء وإن تشا ... فمن الهوا والماء والصّهباء
وألذّ من ظلم «8» الحبيب وظلمه ... بالظّاء مفتوحا وضمّ الظّاء
ما السّحر إلّا ما تصوغ بنانه ... ولسانه من حلية الإنشاء
[والفضل ما حلّيته وحبيته ... وحبوتني منه بخير حباء
أبكار فكرك قد زفّت «1» بمدحتي ... تمشي روائعها على استحياء
لا من قصور بل لتقصيها ... من حيث لم يظفرن بالإرفاء
لكن جبرن وقد جبلن على الرضا ... فالجبر للأبكار للآباء
هذا إلى الشّرف الذي قد فزت ... علياءه «2» بالعزّة القعساء
شرف السّليل من الرسول وسيلة ... قامت بابن «3» سنا وابن «4» سناء
حسن أبو «5» حسن وفاطمة ابنة ال ... هادي البريّة خاتم النّبلاء
شرف على شرف إلى شرفين ... من حائز «6» ما حزت من علياء
هذي ثلاث أنت واحد فخرها ... فاشمخ لها شرفا بأنف علاء
من رام رتبتك السّنيّة فليقف ... دون المرام مواقف الإقصاء
هذي مآثر قد شأوت بصيتها ... من كان من آب لها أو شاء
واللّيث يرهب زأره في موطن ... ما كان من نقد به أو شاء
يكفيك من نكد المعاند أن يرى ... متقلّد الأعضاء بالبغضاء
السّنّ يفنى بالأنامل قرعه ... أو عضّه متوقّد الأحشاء
أتحفتني بقصيدة همزيّة ... مقصورة ممدودة الآراء
كم بين تلك وهذه لكنّها ... غطّى على هذي ذهاب فتائي «7»
ذو الشيب يعذره الشّباب فما لهم ... بذكاء «8» نبل أو بنبل ذكاء
من قارب الخمسين خطوا سنّه ... فمحاله مستوجب الإبطاء
أبنيّ، إنك أنت أسدى من به ... يتعاظم الآباء بالأبناء] «9»
لله نفثة سحر ما قد شدت لي ... من نفث سحرك في مشاد ثناء
عارضت صفوانا بها فأريت ما ... يستعظم الرّاوي له والرّائي «10»
لو راء لؤلؤك المنظّم لم يفز ... في «11» نظم لؤلؤه بغير عناء
بوّأتني منها أجلّ مبوّإ ... فلأخمصي مستوطن «1» الجوزاء
وسما بها اسمي سائرا «2» فأنا بما ... أسديت ذو الأسماء في الأسماء
وأشدت ذكري في البلاد فلي بها ... طول الثّناء وإن أطلت ثوائي «3»
ولقومي الفخر المشيد بنيته ... يا حسن «4» تشييد وحسن بناء
فليهن هانيهم يد بيضاء ما ... إن مثلها لك من يد بيضاء
حلّيت أبياتا لهم «5» لخميّة ... تجلى على «6» مضريّة غرّاء
فليشمخوا أنفا بما أوليتهم ... يا محرز الآلاء بالإيلاء
هذا «7» ، بنيّ، وصل الله سبحانه «8» لك ولي بك علوّ المقدار، وأجرى وفق أو فوق إرادتك أو»
إرادتي لك جاريات الأقدار! ما سمح «10» به الذهن الكليل، واللسان الفليل، في مراجعة قصيدتك الغرّاء، الجالية السّراء «11» ، الآخذة بمجامع القلوب، الآتية «12» بجوامع المطلوب، الحسنة المهيع «13» والأسلوب، المتحلّية بالحلى السّنيّة «14» ، العريقة المنتسب في العلى الحسنيّة، الجالية صدأ «15» قلوب ران عليها الكسل، وخانها المسعدان السّؤل والأمل، فمتى حامت المعاني حولها، ولو أقامت حولها، شكت ويلها وعولها، وحرمت من فريضة الفضيلة عولها، وعهدي بها والزمان زمان، وأحكامه «16» الماضية أمانيّ مقضيّة وأمان، تتوارد ألّافها، ويجمع إجماعها وخلافها، ويساعدها من الألفاظ كلّ سهل ممتع، مفترق مجمع «17» ، مستأنس غريب، بعيد الغور قريب، فاضح الحلا، واضح العلا، وضّاح الغرّة والجبين، رافع عمود الصبح المبين، أيّد من الفصاحة بأياد، فلم يحفل بصاحبي طيّ وإياد، وكسي