سائر الأسماء في حرف الميم الملوك والأمراء وما منهم إلّا طارىء علينا أو غريب
مزدلي بن تيولتكان بن حمنى بن محمد بن ترقوت بن وربابطن ابن منصور بن نصاله بن أمية بن واباتن الصّنهاجي اللّتموني
حاله: كان الأمير مزدلي عضد القائم بالدولة اللّمتونية يوسف بن تاشفين، وقريبه لالتقائهما في ترقوت، راش به وبرى، وجزّ وفرى، فهو شيخ الدولة اللّمتونية، وكبير العصابة الصّنهاجية، بطلا ثبتا، بهمة من البهم، بعيد الصّيت، عظيم الجلد، شهير الذّكر، أصيل الرّأي، مستحكم الحنكة. طال عمره، وحمدت مواقعه، وبعدت غاراته، وعظمت في العدوّ وقائعه، وشكرت عن سلطانه نيابته.
من مناقبه: استرجاع مدينة بلنسية من أيدي الرّوم بسعيه، وردّه إلى ملكة الإسلام بحميد غنائه في منتصف رجب عام خمس وخمسمائة.
دخوله غرناطة: ولّي قرطبة وغرناطة وما إليهما من قبل يوسف بن تاشفين سنة خمس وخمسمائة.
قال ابن الصّيرفي: توفي ليلة الثلاثاء السابع عشر من شوال عام ثمانية وخمسمائة، غازيا على مقربة من حصن قسطانية، طرق به إلى قرطبة، فوصل يوم الأربعاء ثاني يوم وفاته، وصلّى عليه إثر صلاة العصر الفقيه القاضي بقرطبة أبو القاسم بن حمدين، ودفنه قرب أبيه، وبنيت عليه روضة حسنة. وكان، نضّر الله وجهه، البقيّة الصالحة على نهج أمير المسلمين يوسف.
موسى بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي الهنتاني
السيد أبو عمران.
حاله: بيته معروف. وكان أديبا شاعرا، جوادا، واختصّ بالعادل، فجلّ قدره في دولته، وأمله الناس بإشبيلية في حوائجهم لمحلّه منهم. ولمّا انصرف عنها العادل إلى طلب الخلافة، قدّمه عليها، فبلغ الغاية.
وفي شوال من عام اثنين وعشرين وستمائة، كانت على جيشه الوقيعة، أوقعها به السيد أبو محمد البيّاسي، وأخباره شهيرة.
وفاته: وتوفي تغريقا في البحر بعد أن ولّي بجاية، رحمه الله وعفا عنه.
شعره: قال: وكان أبو المطرّف بن عميرة، ينشد له، يخاطب الفقيه الأديب أبا الحسن بن حريق يستحثّه على نظم الشعر في عروض الخبب: [المتدارك]
خذ في الأشعار على الخبب ... فقصورك عنه من العجب
هذا وبنو الآداب قضوا ... بعلوّ مجدّك في الرّتب
فنظم له أبو الحسن القصيدة المشهورة، منها: [المتدارك أو الخبب]
أبعيد الشّيب هوى وصبا؟ ... كلّا لا لهوا ولا لعبا
ذرّت الستّون برادتها ... في مسك عذارك فاشتهبا
ومنها:
يا نفس أحيى أحيى تصلي أملا ... عيشي روحيا تروي عجبا
وخذي في شكر الكبرة ما ... لاح الإصباح وما ذهبا
فيها أحرزت معارف ما ... أبليت بجدّته الحقبا
والخمر إذا أعتقت وصفت ... أعلى ثمنا منها عنبا
وبقيّة عمر المرء له ... إن كان بها طبّا دربا
هبني فيها بإنابته ... ما هدّمه أيام صبا
دخل غرناطة، فوجب ذكره مع مثله.
منديل بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو الأمير أبو زيّان
حاله: كان فاضلا عاقلا جوادا، عيّنه أبوه أمير المسلمين أبو يوسف بن عبد الحقّ، للضّرب على أحواز مالقة عند الفتنة، فاضطرب المحلة تجاه سهيل «1» ، وضيّق على تلك الأحواز، وبرز إليه الجيش لنظر موسى بن رحّو من قرابته النّازعين عن إيالة المغرب من بني رحّو. وكان اللقاء، فوقعت به الدّبرة، وانهزم جيشه، وقبض عليه، وسيق إلى السلطان، فتلقّاه بالبرّ، ورعى ما لبيته الكبير من الحقّ، وأسكنه مجاورا لقصره بحمرائه «2» ، مرفّها عليه، محجوزا عن التصرّف، إلى أن كان
ما تلاحق بهذه الحال من وفاة أبيه السلطان أبي يوسف بالجزيرة الخضراء، وتصيّر الأمر إلى ولده السلطان أمير المسلمين أبي يعقوب يوسف. وتجدّدت الألفة وتأكّدت المودّة، وارتفعت الإحنة، فكان ما هو معروف من التقائهما على تعبئة إجازة ملك المغرب أبي يعقوب البحر على ظاهر مربلّة «1» ، وصرف الأمير أبو زيان محبوّا بما يليق به.
حدّثني شيخنا أبو زكريا بن هذيل، رحمه الله، قال: نصب للسلطان أبي يعقوب خباء احتفل في اتخاذه له أمير سبتة، فبلغ الغاية التي تستطيعها الملوك، سموّ عماد، وامتداد ظلّ، وانفساح ساحة، إلى إحكام الصّنعة، والإعياء في الزّخرف. وقعد فيه السلطان ملك المغرب، وأجلس السلطان أمير المسلمين أبا عبد الله بن الغالب بالله، عن يمينه، وأخاه الأمير أبا زيّان عن يساره، وقرأ عشاره المعروف بالوقّاد، آية الله في حسن الصّوت، وبعد مدى السّمع، وطيب النّغمة، قوله عزّ وجلّ: يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)
قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (89)
قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)
قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (91)
قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)
«2» . فكان مقاما مبهتا. كان السلطان، رحمه الله، يقول: لشدّ ما جنى عليّ عدوّ الله بقحته، والله لقد كان يشير بيده إلى السلطان وأخيه عند قوله: أنا يوسف وهذا أخي. ثم أجاز للعدوة، فطاح بها لعهد غير بعيد.
وكان الإيقاع بجيش الأمير أبي زيّان في أخريات ذي الحجة عام أربعة وثمانين وستمائة، فاتصل بذلك موت والد أمير المسلمين أبي يوسف بالخضراء في شهر محرم عام خمسة وثمانين بعده، وكان لقاء السّلطانين بالخضراء في شهر محرم عام خمسة وثمانين هذه، وكان اللّقاء، كما ذكر، في شهر ربيع الآخر من العام المذكور.
ومن الطارئين
المطرّف بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ابن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية «1»
حاله: كان المطرّف، ولد الخليفة «2» عبد الله أمير المسلمين بالأندلس، شجاعا مقداما، جريّا، صرفه والده الخليفة في الغزوات وقود العساكر، وهو الذي بنى حصن لوشة، ووقم كثيرا من الخوارج على والده.
دخوله غرناطة: قال ابن حيّان «3» : غزا المطرّف ببشتر «4» بسبب ابن حفصون، إذ كان صالح الأمير عبد الله، ودفع رهينة ابنه، فلما امتحن الطّفل وجد غير ابنه، فنهض إليه المطرّف، وكان القائد على العسكر قبله عبد الملك بن أمية، فنهض صحبته، ونازل المطرّف ابن حفصون، فهتك حوزته، وتقدّم إلى بنية كان ابتناها بموضع يعرف باللّويّات «5» ، فشرع في خرابها، وخرج ابن حفصون ومن معه من النّصرانية يدافع عنها، وعن كنيسة كانت بقربها، فغلب ابن حفصون، وهدمت الكنيسة، وقتل في هذه الحرب حفص بن المرّة، قائده ووجوه رجاله، وعند الفراغ من ذلك انصرف المطرّف، فدخل كورة إلبيرة، وبنا لوشة، وتقدّم منها إلى إلبيرة ودخلها، ثم طاف بتلك الجهات والحصون، ثم انصرف.
ذكر إيقاعه بعبد الملك بن أمية وسبب الإحنة بينه وبين أبيه.
قال «6» : وفي هذه الحركة أوقع بعبد الملك بن أمية؛ لما كان في نفسه لصرف والده عن عقد البيعة له وتمزيق العهد في خبر يطول. وكان والده قد أخذ عليه
الميثاق عند خروجه إلى شذونة «1» ألّا يعرض إليه بمكروه، وأقسم له بالأيمان، لئن نال منه شيئا ليعاقبنّه بمثله، فلمّا قتله، عقد الوثائق عليه، وأخذ الشّهادات فيها بالظّلم والشّؤم خوفا من أبيه، وكتب إليه يعتذر له، ويحكّمه في نفسه.
مقتل المطرّف: قال «2» : وظهرت عليه فعال قبيحة، من أذى جيرانه بما أكّد غائلة أبيه عليه، وأعان عليه معاوية بن هشام، لما ذكروا أنّ المطرّف كان قد خلا به، فذكروا أنه نزل يوما عنده بمنزله، وأخذوا في حديث الأبناء، وكان المطرّف عقيما، فدعا معاوية بصبيّ يكلف به، فجات وبرأسه ذؤابتان، فلمّا نظر إليه المطرّف حسده، وقال: يا معاوية، أتتشبّه بأبناء الخلفاء في بنيهم؟ وتناول السّيف فحزّ به الذّؤابة، وكان معاوية حيّة قريش دهاء ومكرا، فأظهر الاستحسان لصنعه وانبسط معه في الأنس، وهو مضطغن، فلمّا خرج كتب إلى الخليفة يسأله اتّصاله إليه، فلما أوصله كاشفه في أمر المطرّف بما أزعجه، وأقام على ذلك ليلا أحكم أمره عند الخليفة بلطف حيلته، فأصاب مقتله سهم سعايته. قال ابن الفيّاض: بعث الأمير عبد الله إلى دار ولده المطرّف عسكرا للقبض عليه، مع ابن مضر، فقوتل في داره حتى أخذ، وجيء به إليه، فتشاور الوزراء في قتله، فأشار عليه بعضهم أن لا يقتله، وقال بعضهم: إن لم تقتله قتلك، فأمر ابن مضر بصرفه إلى داره، وقتله فيها، وأن يدفنه تحت الرّيحانة التي كان يشرب الخمر تحتها، وهو ابن سبع وعشرين وسنة، وذلك في يوم الأحد ضحى لعشر خلون من رمضان سنة اثنتين وثمانين ومائتين.
منذر بن يحيى التّجيبي «3»
أمير الثّغر، المنتزي بعد الجماعة بقاعدة سرقسطة، يكنى أبا الحكم، ويلقّب بالحاجب المنصور، وذي الرّياستين.
حاله: قال أبو مروان «4» : وكان أبو الحكم رجلا من عرض الجند، وترقّى إلى القيادة آخر دولة ابن أبي عامر، وتناهى أمره في الفتنة إلى
الإمارة «1» . وكان أبوه من الفرسان غير النّبهاء. فأمّا ابنه منذر، فكان فارسا نقيّ الفروسة «2» ، خارجا عن مدى الجهل، يتمسك بطرف من الكتابة السّاذجة. وكان على غدره، كريما، وهب قصّاده مالا عظيما، فوفدوا عليه، وعمرت لذلك حضرته سرقسطة، فحسنت أيامه، وهتف المدّاح بذكره.
وفيه يقول أبو عمرو بن درّاج القسطلّي قصيدته المشهورة، حين صرف إليه وجهه، وقدم عليه في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة «3» : [الكامل]
بشراك من طول التّرحّل والسّرى ... صبح بروح السّفر لاح فأسفرا
من حاجب الشمس الذي حجب الدّجى ... فجرا بأنهار الذّرى «4» متفجّرا
نادى «5» بحيّ على الندى ثم اعتلى ... سبل «6» العفاة مهلّلا ومكبّرا
لبّيك أسمعنا نداك ودوننا ... نوء الكواكب مخويا أو ممطرا
من كلّ طارق ليل همّ «7» ينتحي ... وجهي بوجه من لقائك أزهرا
سار ليعدل عن سمائك أنجمي ... وقد ازدهاها عن سناك محيّرا
فكأنما أعدته «8» أسباب النّوى ... قدرا لبعدي عن يديك مقدّرا «9»
أو غار من هممي فأنحى شأوها ... فلك البروج مغرّبا ومغوّرا
حتى علقت النّيّرين فأعلقا ... مثنى يدي ملك الملوك النّيّرا
فسريت في حرم الأهلّة مظلما ... ورفلت في خلع السّموم مهجّرا
وشعبت أفلاذ الفؤاد ولم أكد ... فحذوت من حذو الثّريّا منظرا
ستّ تسرّاها «10» الجلاء مغرّبا ... وحدا بها حادي النّجاء «11» مشمّرا
لا يستفيق الصّبح منها ما بدا ... فلقا ولا جدي الفراقد ما سرى
ظعن ألفن القفر في غول الدّجى ... وتركن مألوف المعاهد مقفرا
يطلبن لجّ البحر حيث تقاذفت ... أمواجه والبرّ حيث تنكّرا
هيم وما يبغين دونك موردا ... أبدا ولا عن بحر جودك مصدرا
من كلّ نضو الآل محبوك المنى ... يزجيه نحوك كلّ محبوك القرا «1»
بدن فدت منّا دماء نحورها ... ببغائها «2» في كلّ أفق منحرا
نحرت بنا صدر الدّبور فأنبطت ... فلق المضاجع تحت جوّ أكدرا
وصبت إلى نحو «3» الصّبا فاستخلصت ... سكن الليالي والنّهار المبصرا
خوص نفخن بنا البرى حتى انثنت ... أشلاؤهن كمثل أنصاف البرا
ندرت لنا أن لا تلاقي راحة ... مما تلاقي أو تلاقي منذرا «4»
وتقاسمت أن لا تسيغ حياتها ... دون ابن يحيى «5» أو تموت فتعذرا
لله أيّ أهلّة بلغت بنا ... يمناك يا بدر السماء المقمرا
بل أيّ غصن في ذراك هصرته ... فجرى «6» فأورق في يديك وأثمرا
فلئن صفا ماء الحياة لديك لي ... فبما شرقت إليك بالماء الصّرى «7»
ولئن خلعت عليّ بردا أخضرا ... فلقد لبست إليك عيشا أغبرا
ولئن مددت عليّ ظلّا باردا ... فلكم صليت إليك جوّا «8» مسعرا
وكفى لمن «9» جعل الحياة بضاعة ... ورأى رضاك بها رخيصا فاشترى
فمن المبلّغ عن غريب نازح ... قلبا يكاد عليّ أن يتفطّرا
لهفان لا يرتدّ طرف جفونه «10» ... إلّا تذكّر عبرتي فاستعبرا
أبنيّ، لا تذهب بنفسك حسرة ... عن غول رحلي منجدا أو مغورا
فلئن تركت الليل فوقي داجيا ... فلقد لقيت الصّبح بعدك أزهرا
ولقد وردت مياه مأرب حفّلا ... وأسمت خيلي وسط جنّة عبقرا
ونظمت للغيد الحسان قلائدا ... من تاج كسرى ذي البهاء وقيصرا
وحللت أرضا بدّلت حصباؤها ... ذهبا يرفّ «1» لناظريّ وجوهرا
وليعلم «2» الأملاك أنّي بعدهم ... ألفيت كلّ الصّيد في جوف الفرا «3»
ورمى عليّ رداءه من دونهم ... ملك تخيّر للعلا فتخيّرا
ضربوا قداحهم عليّ ففاز بي ... من كان بالقدح المعلّى أجدرا
من فكّ طرفي من تكاليف الفلا ... وأجار طرفي من تباريح السّرى
وكفى عتابي من ألام معذّرا ... وتذمّمي ممّن تجمّل «4» معذرا
ومسائل عنّي الرفاق وودّه ... لو تنبذ الساحات «5» رحلي بالعرا
وبقيت في لجج الأسى متضلّلا ... وعدلت عن سبل الهدى متحيّرا
كلّا وقد آنست من هود هدى ... ولقيت يعرب في القيول وحميرا
وأصبت في سبإ مورّث ملكه ... يسبي الملوك ولا يدبّ لها الضّرا
فكأنما تابعت تبّع رافعا ... أعلامه ملكا يدين له الورى
والحارث الجفنيّ ممنوع الحمى ... بالخيل والآساد مبذول القرى
وحططت رحلي بين ناري حاتم ... أيام يقري موسرا أو معسرا
ولقيت زيد الخيل تحت عجاجة ... تكسو «6» غلائلها الجياد الضّمّرا
وعقدت في يمن مواثق ذمّة ... مشدودة الأسباب موثقة العرى
وأتيت بحدل «7» وهو يرفع منبرا ... للدّين والدّنيا ويخفض منبرا
وحططت «8» بين جفانها وجفونها ... حرما أبت حرماته أن تخفرا
تلك البحور «9» تتابعت وخلفتها ... سعيا فكنت الجوهر المتخيّرا
ولقد نموك ولادة وسيادة ... وكسوك عزّا وابتنوا لك مفخرا