وحللت أرضا بدّلت حصباؤها ... ذهبا يرفّ «1» لناظريّ وجوهرا
وليعلم «2» الأملاك أنّي بعدهم ... ألفيت كلّ الصّيد في جوف الفرا «3»
ورمى عليّ رداءه من دونهم ... ملك تخيّر للعلا فتخيّرا
ضربوا قداحهم عليّ ففاز بي ... من كان بالقدح المعلّى أجدرا
من فكّ طرفي من تكاليف الفلا ... وأجار طرفي من تباريح السّرى
وكفى عتابي من ألام معذّرا ... وتذمّمي ممّن تجمّل «4» معذرا
ومسائل عنّي الرفاق وودّه ... لو تنبذ الساحات «5» رحلي بالعرا
وبقيت في لجج الأسى متضلّلا ... وعدلت عن سبل الهدى متحيّرا
كلّا وقد آنست من هود هدى ... ولقيت يعرب في القيول وحميرا
وأصبت في سبإ مورّث ملكه ... يسبي الملوك ولا يدبّ لها الضّرا
فكأنما تابعت تبّع رافعا ... أعلامه ملكا يدين له الورى
والحارث الجفنيّ ممنوع الحمى ... بالخيل والآساد مبذول القرى
وحططت رحلي بين ناري حاتم ... أيام يقري موسرا أو معسرا
ولقيت زيد الخيل تحت عجاجة ... تكسو «6» غلائلها الجياد الضّمّرا
وعقدت في يمن مواثق ذمّة ... مشدودة الأسباب موثقة العرى
وأتيت بحدل «7» وهو يرفع منبرا ... للدّين والدّنيا ويخفض منبرا
وحططت «8» بين جفانها وجفونها ... حرما أبت حرماته أن تخفرا
تلك البحور «9» تتابعت وخلفتها ... سعيا فكنت الجوهر المتخيّرا
ولقد نموك ولادة وسيادة ... وكسوك عزّا وابتنوا لك مفخرا
فممرت بالآمال «1» أكرم أكرم ... ملكا ورثت علاه أكبر أكبرا
وشمائل عبقت بها سبل الهدى ... وذرت على الآفاق مسكا أذفرا
أهدى إلى شغف القلوب من الهوى ... وألذّ في الأجفان من طعم الكرى
ومشاهد لك لم تكن أيّامها ... ظنّا يريب ولا حديثا يفترى
لاقيت فيها الموت أسود أدهما ... فذعرته بالسّيف أبيض أحمرا
ولو اجتلى في زيّ قرنك معلما ... لتركته تحت العجاج معفّرا
يا من تكبّر بالتّكرّم «2» قدره ... حتى تكرّم أن يرى متكبّرا
والمنذر الأعداء بالبشرى لنا ... صدقت صفاتك منذرا ومبشّرا
ما صوّر الإيمان في قلب امرئ ... حتى يراك الله فيه مصوّرا
فارفع لها علم الهدى فلمثلها ... رفعتك أعلام السيادة في الذّرى
وانصر نصرت من السماء فإنما ... ناسبت أنصار النبيّ لتنصرا
واسلم ولا وجدوا لجوّك منفسا ... في النائبات ولا لبحرك معبرا
سيرته: قال «3» : وساس لأول ولايته عظيم الفرنحة «4» ، فحفظت أطرافه، وبلغ من استمالته طوائف النّصرانية، أن جرى على يديه بحضرته عقد مصاهرة بعضهم «5» ، فقرفته الألسنة لسعيه في نظام سلك النصارى. وعمر به الثّغر إلى أن ألوت به المنيّة.
وقد اعترف له الناس بالرّأي والسّياسة.
كتّابه: واستكتب عدّة كتّاب كابن مدوّر، وابن أزرق، وابن واجب، وغيرهم.
وصوله إلى غرناطة: وصل غرناطة صحبة الأمير المرتضى الآتي ذكره، وكان ممن انهزم بانهزامه. وذكروا أنه مرّ بسليمان بن هود، وهو مثبت للإفرنج الذين كانوا في المحلّة لا يريم موقفه «6» ، فصاح به النّجاة: يا ابن الفاعلة، فلست أقف عليك، فقال له سليمان: جئت والله بها صلعا، وفضحت أهل الأندلس، ثم انقلع وراءه.
وفاته: وكانت «1» على يدي رجل من أبناء عمّه يدعى عبد الله بن حكم، كان مقدّما في قوّاده، أضمر غدره، فدخل عليه، وهو غافل في غلالة، ليس عنده إلّا نفر من خواصّ خدمه الصّقلب، قد أكبّ على كتاب يقرؤه، فعلاه بسكّين أجهز به عليه.
وأجفل الخدم إلّا شهم منهم أكبّ عليه فمات معه. وملك سرقسطة، وتمسّك بها أياما، ثم فرّ عنها، وملكها ابن هود. وكان الإيقاع به غرة ذي حجة سنة ثلاثين وأربعمائة، رحمة الله عليه.
موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى ابن يغمراسن بن زيّان «2»
الأمير بتلمسان، يكنى أبا حمّو.
أوليته: أوّليته معروفة تنظر فيما سلف من الأسماء.
حاله: هذا السلطان مجمع على حزمه، وضمّه لأطراف ملكه، واضطلاعه بأعباء ملك وطنه، وصبره لدولة قومه، وطلوعه بسعادة قبيله. عاقل، حازم، حصيف، ثابت الجأش، وقور مهيب، جمّاعة للمال، مباشر للأمور، هاجر للّذات، يقظ، متشمّر. قام بالأمر غرّة ربيع الأول في عام ستين «3» ، مرتاش الجناح بالأحلاف من عرب القبلة، معوّلا عليهم عند قصد عدوّه، وحلب ضرع الجباية، فأثرى بيت ماله، ونبهت دولته، واتّقته جيرته، فهو اليوم ممن يشار إليه بالسّداد.
أدبه وشعره: ووجّه لهذا العهد في جملة هدايا ودّية، ومقاصد سنيّة، نسخة من كتابه المسمى ب «واسطة السّلوك، في سياسة الملوك» «4» ، افتتحه بقوله:
«الحمد لله الذي جعل نعمته على الخلق، بما ألّفهم عليه من الحقّ، شاملة شائعة، ويسّر طوائف من عباده لليسرى فأتت إليها مساعدة مسارعة، وحضّهم على الأخذ بالحسنى ولا أحسن من نفوس أرشدت فأقبلت لإرثها طالبة ولربّها طائعة، ولا أسمى من همم نظرت بحسن السّياسة في تدبير الرّياسة التي هي لأشتات الملك
جامعة، ولأسباب الملك مانعة، وأظهرت من معادنها درر الحكم وغرر الكلم لائحة لامعة، فاجتلت أقمارها طالعة، واجتنت أزهارها يانعة. وصلى الله على سيدنا محمد الكريم المبعوث بالآيات البيّنات ساطية ساطعة، والمعجزات المعجمات قاصمة لظهور الجاحدين قاطعة، الذي زويت له الأرض فتدانت أفكارها وهي نابية شاسعة، واشتاقت له المياه فبرزت بين أصابعه يانعة، وامتثل السّحاب أمره فسحّ باستسقائه دررا هامية هامعة، وحنّ الجذع له وكان حنينه لهذه الآيات الثّلاث آية رابعة، إلى ما لا يحصى مما أتت به متواترات الأخبار وصيحات الآثار ناصرة لنبوّته ساطعة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وعترته التي أجابت داعي الله خاشية خاشعة، وأذعنت لأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت من الاستبداد خالية وللأنداد خالعة، صلاة ديمتها دائمة متتابعة، وسلّم كثيرا» .
جمع فيه الكثير من أخبار الملوك وسيرهم، وخصّ به ولده ووليّ عهده، فجاء مجموعا يستظرف من مثله، ويدلّ على مكانه من الأدب ومحلّه.
وثبت فيه الكثير من شعره، فمن ذلك قصيدة أجاب فيها أحد رؤوس القبائل، وقد طلب منه الرجوع إلى طاعته، والانتظام في سلك جماعته، وهي:
[الطويل]
تذكّرت أطلال الرّبوع الطّواسم ... وما قد مضى من عهدها المتقادم
وقفت بها من بعد بعد أنيسها «1» ... بصبر مناف أو بشوق ملازم
تهيم بمغناهم وتندب ربعهم ... وأيّ فؤاد بعدهم غير هائم؟
تحنّ إلى سلمى ومن سكن الحمى ... وما حبّ سلمى للفتى بمسالم
فلا تندب الأطلال واسل عن الهوى ... ولا تقل في تذكار تلك المعالم
فإن الهوى لا يستفزّ ذوي النّهى ... ولا يستبي إلّا الضّعيف العزائم
صبور على البلوى طهور من الهوى ... قريب من التّقوى بعيد المآثم
ومن يبغ درك المعلوات ونيلها ... يساق بخلق الشّهد مرّ العلاقم
ولائمة لمّا ركبنا إلى العلا ... بحار الردى في لجّها المتلاحم
تقول بإشفاق: أتنسى هوى الدّما ... وتنثر درّا «2» من دموع سواجم؟
إليك فإنّا لا يردّ اعتزامنا ... مقالة باك أو ملامة لائم
ألم تدر أنّ اللوم لوم وأننا ... لنجتنب اللّوم اجتناب المحارم؟
فما بسوى العلياء «1» همنا جلالة ... إذا هام قوم بالحسان النّواعم
بروق السّيوف المشرفيّات والقنا ... أحبّ إلينا من بروق المباسم
وأمّا صميل السّابحات لذي الوغى ... فأشجى لدينا من غناء «2» الحمائم
وأحسن من قدّ الفتاة وخدّها ... قدود العوالي أو خدود الصوارم
إذا نحن جرّدنا الصوارم لم تعد ... إلى غمدها إلّا بجرّ الغلاصم «3»
نواصل بين الهندواني الطّلاء «4» ... بتفريق ما بين الطّلى والجماجم
فيرغب منّا السّلم كلّ محارب ... ويرهب منّا الحرب كلّ مسالم
نقود إلى الهيجاء كلّ مضمّر ... ونقدم إقدام الأسود الضّراغم
وما كلّ من قاد الجيوش إلى العدا ... يعود إلى أوطانه بالغنائم
وننصر مظلوما ونمنع ظالما ... إذا شيك مظلوم بشوكة ظالم
ويأوي إلينا المستجير ويلتجي ... ويحميه منّا كلّ ليت ضبارم «5»
ألم تر إذ جاء السّبيعيّ قاصدا ... إلى بابنا يبغي التماس المكارم؟
وذلك لمّا أن جفاه صحابه ... وكلّ خليل ودّه غير دائم
وأزمع إرسالا إلينا رسالة ... بإخلاص ودّ واجب غير واجم
وكان رأى أنّ المهامه بيننا ... فخلّى لذات الخفّ ذات المناسم
وقال ألا سل من عليم مجرّب ... أبثّ له ما تحت طيّ الحيازم
فيبلغ عنه الآن خير رسالة ... تؤدّي إلى خير الملوك الأعاظم
على ناقة وجناء كالحرف ضامر ... تخيّرها بين القلاص الرّواسم
من اللائي يظلمن الظليم إذا عدى ... ويشبهه في جيده والقوائم
إذا أتلعت فوق السّحاب جوابها ... تخيّلتها بعض «6» السحاب الرّواكم
وإن هملجت بالسّير في وسط مهمه ... نزلت كمثل البرق لاح لشائم
ولم يأمن الخلّان بعد اختلالهم ... فأمسى وفي أكبادها أيّ جاحم
فقالوا فحمّلها الحمائم قال لا ... لبعد المدى أو خوف صيد الحمائم
وما القصد إلّا في الوصول بسرعة ... فقالوا: فحمّلها أكفّ النواسم
فقال: لنعم المرسلات وإنّما ... لها ألسن مشهورة بالنّمائم
فلم يلف فيها للأمانة موضعا ... وكلّ امرئ للسّرّ ليس بكاتم
فحينئذ وافى إلينا بنفسه ... فكان لدينا خير واف وقادم
يجوب إلى «1» البيداء قصدا وبشرنا ... يضيء له الظّلماء في كلّ عاتم
طلاب العلا تسري مع الوحش في الفلا ... ويصحب منها كلّ باغ وباغم
على سلهب «2» ذي صورتين مطعّم «3» ... من المغربات الصّافنات الصّلادم «4»
إذا شاء أيّ الوحش أدركه به ... فتحسبه في البيد بعض النّعائم
ويقدمه طوعا إلينا رجاؤه ... حمايتنا إيّاه من كلّ ظالم
ألا أيها الآتي لظلّ حناننا ... نزلت برحب في عراص المكارم
وقوبلت منّا بالذي أنت أهله ... وفاض عليك الجود فيض الغمائم
كذا دأبنا للقادمين محلّنا ... حمى وندى ينسى به جود حاتم
وهذا جواب عن نظامك إنّنا ... بعثنا به كاللؤلؤ المتناظم
ونحن ذوو التيجان من آل حمير ... لعمرك من التّيجان غير العمائم
بهمّتنا العليا سمونا إلى العلا ... وكم دون إدراك العلا من ملاحم
شددنا لها أزرا وشدنا بناءها ... وكم مكثت دهرا بغير دعائم
نظمنا شتيت المجد بعد افتراقه ... وكم بات نهبا شمله دون ناظم
ورضنا جياد الملك بعد جماحها ... فذلّت وقد كانت صعاب الشّكائم
مناقب زيّانيّة «5» موسويّة ... يذلّ لها عزّ الملوك القماقم
يقصّر عن إدراكها كلّ مبتغ ... ويعجز عن إحصائها كلّ ناظم
فلله منّا الحمد والشّكر دائما ... وصلّى «6» على المختار من آل هاشم
ونختصّكم منّا السّلام الأثير ما ... تضاحك روض عن بكاء الغمائم
قلت: ولمّا تعرّفت كلفه بالأدب والإلمام بمجاورته، عزمت على لقائه، وتشوّقت عند العزم على الرّحلة الحجازية، إلى زيارته، ولذلك كنت أخاطبه بكلمة منها: [الطويل]
على قدر قد جئت قومك يا موسى ... فجلّت بك النّعمى وزالت بك البوسى
فحالت دون ذلك الأحوال، وهو بحاله الموصوفة إلى هذا العهد، وفّقه الله، وسائر من تولّى أمرا من أمور المسلمين.
وجرى ذكره في رجز الدول «1» من نظمي: [الرجز]
بادرها المفدي الهمام موسى ... فأذهب الرحمن عنها البوسى
جدّد فيها الملك لمّا أخلقا ... وبعث السّعد وقد كان لقا
ورتّب الرّتب والرّسوما ... وأطلع الشّموس والنّجوما
واحتجن المال بها والعدّه ... وهو بها باق لهذي المدّة
ولادته: ولد بمدينة غرناطة حسبما وقعت عليه بخط الثّقة من ناسه، في أول عام ثلاثة وعشرين وسبعمائة «2» .
مبارك ومظفّر الأميران موليا المنصور بن أبي عامر «3»
حالهما: قال أبو مروان «4» : ترقّيا إلى تملّك بلنسية من وكالة السّاقية، وظهر من سياستهما وتعاوضهما «5» صحّة الألفة طول حياتهما، ما فاتا به في معناهما «6» أشقّاء الأخوّة وعشّاق الأحبّة، إذ نزلا معا بقصر الإمارة مختلطين، تجمعهما مائدة واحدة من غير تميّز في شيء، إلّا الحرم خاصّة. وكان التّقدّم لمبارك في المخاطبة، وحفظ رسوم الإمارة، أفضل صرامة وذكرا، قصر عنهما مظفّر، لدماثة خلقه، وانحطاطه
لصاحبه في سائر أمره، على نحلته»
بكتابة ساذجة وفروسة «2» ، فبلغا الغاية من اقتناء الأسلحة والآلات الملوكية، والخيل المغربات، ونفيس الحلي والحلل، وإشادة البناء للقصور. واشتمل هذا الرأي على جميع أصحابهما، ومن تعلّق بهما من وزرائهما وكتّابهما، ولم يعرض لهما عارض إنفاق «3» بتلك الآفاق، فانغمسا في النّعيم إلى قمم رؤوسهما حتى انقضى أمرهما.
قال «4» : وكان موت مبارك أنه ركب يوما من قصر بلنسية، وقد تعرّض أهلها مستغيثين من مال افترضه عليهم، فقال لهم: إن كنت لا أريد إنفاقه فيما يعمّ المسلمين نفعه فلا تؤخّر عقوبتي يومي هذا. وركب إثر ذلك، فلما أتى القنطرة، وكانت من خشب، خرجت رجل فرسه من حدّها فرمى به أسفلها، واعترضته خشبة ناتئة «5» شرخت وجهه، وسقط الفرس عليه، ففاضت نفسه، وكفاهم الله أمره يومئذ.
وفي مبارك ومظفّر يقول أبو عمرو بن درّاج القسطلّي، رحمه الله «6» : [الطويل]
أنورك أم أوقدت بالليل نارك ... لباغ قراك أو لباغ جوارك؟
وريّاك أم عرف المجامر أشعلت ... بعود الكباء والألوّة «7» نارك؟
ومبسمك الوضّاح أم ضوء بارق ... حداه دعائي أن يجود ديارك؟
وخلخالك استنضيت أم قمر بدا؟ ... وشمس تبدّت أم ألحت سوارك؟