بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 223

أذو «1» الحظّ من علم الكتاب حداك «2» لي؟ ... أم الفلك الدّوّار نحوي أدارك «3» ؟
وكيف كتمت الليل وجهك مظلما ... أشعرك أعشيت «4» السّنا أم شعارك؟
وكيف اعتسفت «5» البيد لا في ظعائن ... ولا شجر الخطّيّ حفّ شجارك «6» ؟
ولا أذّن الحيّ الجميع برحلة ... أراح لها راعي المخاض عشارك «7»
ولا أرزمت «8» خوص المهاري مجيبة ... صهيل جياد يكتنفن قطارك «9»
ولا أذكت الرّكبان عنك عيونها «10» ... حذار عيون لا ينمن حذارك
وكيف رضيت الليل ملبس طارق ... وما ذرّ قرن الشمس إلّا استنارك؟
وكم دون رحلي من بروج «11» مشيدة ... تحرّم من قرب المزار مزارك
وقد زأرت حولي أسود تهامست ... لها الأسد أن كفّي عن السّمع زارك
وأرضي سيول من خيول مظفّر ... وليلي «12» نجوم من سماء «13» مبارك


صفحه 224

بحيث وجدت الأمن يهتف بالمنى ... هلمّي إلى عينين «1» جادا سرارك «2»
هلمّي إلى بحرين قد مرج النّدى ... عبابيهما لا يسأمان انتظارك
هلمّي إلى سيفين والحدّ واحد ... يجيران من صرف الحوادث جارك
هلمّي إلى طرفي رهان تقدّما ... إلى الأمد الجالي عليك اختيارك
هلمّي إلى قطبي نجوم كتائب ... تنادي نجوم التّعس غوري مغارك «3»
وحيّي على دوحين جاد «4» نداهما ... ظلالك واستدنى إليك»
ثمارك
وبشراك قد فازت قداحك بالعلا «6» ... وأعطيت من هذا الأنام خيارك
شريكان في صدق المنى وكلاهما ... إذا قارن «7» الأقران غير مشارك
هما سمعا دعواك يا دعوة الهدى ... وقد أوثق الدهر الخؤون إسارك
وسلّا سيوفا لم تزل تلتظي أسّى «8» ... بثأرك حتى أدركا لك ثارك
ويهنيك يا دار الخلافة منهما ... هلالان لاحا يرفعان منارك
كلا القمرين بين عينيه غرّة ... أنارت «9» كسوفيك وجلّت سرارك


صفحه 225

فقاد إليك الخيل شعثا شوازيا ... يلبّين بالنّصر العزيز انتصارك
سوابق هيجاء كأنّ صهيلها ... يجاوب تحت الخافقات شعارك
بكلّ سريّ العتق سرّى عن الهدى ... وكل حميّ الأنف أحمى ذمارك
تحلّوا من المنصور نصرا وعزّة ... فأبلوك في يوم البلاء اختيارك
إذا انتسبوا يوم الطّعان لعامر ... فعمرك يا هام العدى لا عمارك!
يقودهم منهم سراجا كتائب ... يقولان للدّنيا: أجدّي افتخارك
إذا افترّت الرايات عن غرّتيهما ... فيا للعدى أضللت منهم فرارك
وإن أشرق النّادي بنور سناهما ... فبشرى الأماني: عينك «1» لا ضمارك «2»
وكم كشفا «3» من كربة بعد كربة ... تقول لها النيران: كفّي أوارك
وكم لبّيا من دعوة وتداركا ... شفى رمق ما كان بالمتدارك
ويا نفس غاو، كم أقرّا نفارك ... ويا رجل هاو، كم أقالا عثارك
ولست ببدع حين قلت لهمّتي ... أقلّي لإعتاب الزّمان انتظارك


صفحه 226

فلله صدق العزم أيّة «1» غرّة ... إذا لم تطيعي في «لعلّ» اغترارك
فإن غالت البيد اصطبارك والسّرى ... فما غال ضيم الكاشحين اصطبارك
ويا خلّة التّسويف، قومي فأغدفي «2» ... قناعك من دوني وشدّي إزارك
وحسبك بي يا خلّة النّاي خاطري ... بنفسي إلى الحظّ النّفيس حطارك
فقد آن إعطاء النّوى صفقة الهوى ... وقولك للأيّام: جوري مجارك «3»
ويا ستر البيض النّواعم، أعلني «4» ... إلى اليغملات والرّحال بدارك «5»
نواجي واستودعتهنّ نواجيا ... حفاظك يا هذي بذي وازدهارك «6»
ودونك أفلاذ الفؤاد فشمّري ... ودونك يا عين اللّبيب اعتبارك
صرفت الكرى عنها بمغتبق السّرى ... وقلت: أديري والنجوم عقارك
فإن وجبت للمغربين جنوبها «7» ... فداوي برقراق السّراب خمارك
فأوري «8» بزندي سدفة ودجنّة ... إذا كانتا لي مرخك وعفارك «9»


صفحه 227

وإن خلع الليل الأصائل فاخلعي ... إلى الملكين الأكرمين عذارك
بلنسية مثوى الأمانيّ فاطلبي ... كنوزك في أقطارها «1» وادّخارك
سينبيك زجري عن بلاء نسيته ... إذا أصبحت تلك القصور قصارك
وأظفر سعي بالرّضا من مظفّر ... وبورك لي في حسن رأي مبارك «2»
قصيّ «3» المنى قد شام بارقة الحيا ... وأنشقت يا ظئر الرّجاء حوارك «4»
وحمدا يميني قد تملّأت بالمنى ... وشكرا يساري قد حويت يسارك
وقل لسماء المزن: إن شئت أقلعي ... ويا أرضها «5» إن شئت غيضي بحارك
ولا توحشي يا دولة العزّ والمنى «6» ... مساءك من نوريهما وابتكارك
وصولهما إلى غرناطة: وصلا مع أمثالهما من أمراء الشّرق صحبة المرتضى، وكان من انهزام الجميع بظاهرها، وإيقاع الصناهجة «7» بهم ما هو معلوم حسبما مرّ ويأتي بحول الله.


صفحه 228

ومن ترجمة الأعيان والوزراء بل ومن ترجمة الطارئين والغرباء منها
منصور بن عمر بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو
يكنى أبا علي.
أوليّته: معروفة، قد مرّت عند ذكر إخوته وقومه.
حاله: كان، رحمه الله، فتى القوم، لسنا، مفوّها، مدركا، متعاطيا للأدب والتاريخ، مخالطا للنّبلاء، متسوّرا خلق العلماء، غزلا، كلفا بالدّعابة، طرفة من طرف أهل بيته، قويّ الشّكيمة، جوادا بما في وسعه، متناهيا في البدانة. دخل غرناطة في الجملة من إخوانه وبني عمّه، مغرّبين عن مقرّ الملوك بالمغرب، وأقام بها إلى شهر ربيع الأول من عام ثلاثة وستين وسبعمائة. وركب البحر في الخامس والعشرين منه، عندما لحق أخوه عبد الحكيم بالمغرب. وبايعه الناس، ولاحت له بارقة لم تكد تقد حتى خبت، فبادر إلى مظاهرته في جفن غزوي «1» من أسطول الأندلس، وصحبه قوم ممن يخطب الخطط، ويبتدر رمق الدول، وهال عليهم البحر، فطرح الجفن بأحواز غسّاسة، وقد عادتها ملكة عدوّهم، فتقبّض عليه، وأدخل مدينة فاس في الثاني لربيع الآخر من العام، مشهور المركب على الظّهر، يضرب بين يديه طبل للشّهرة، وناقور المثلة، وأجلس بين يدي السلطان، فأبلى بما راق الحاضرين من بيانه من العذر للخروج بالاستمالة حتى لرجي خلاصه، واستقرّ مثقّفا تتعلّق به الأراجيف، ويحوم حول مطرحة الاختبار إلى حين وفاته.
شعره: أنشدني الفقيه الأديب أبو بكر بن أبي القاسم بن قطبة من شعره، وكان صاحبه في الرّحلة، ومزامله في أسطول المنحسة، وذلك قوله: [مخلع البسيط]
سوف ننال المنى ونرقى ... مراقي العزّ والمعالي
إذا حططنا بأرض فاس ... وحكّمت في العدى العوالي
فأنت عندي بها حقيق ... يا حائز الفضل والكمال


صفحه 229

وفاته: في وسط جمادى الأولى من العام «1» ، دخل عليه في بيت معتقله فقتل، ودفن ببعض مدافنهم، رحمة الله عليه.
مقاتل بن عطية البرزالي
يكنى أبا حرب، وقال فيه أبو القاسم الغافقي: من أهل غرناطة، ويلقّب بذي الوزارتين، ويعرف بالرّيّه «2» لحمرة كانت في وجهه.
حاله: كان من الفرسان الشجعان، لا يصطلى بناره، وكان معه من قومه نحو من ثلاث مائة فارس من بني برزال. وولّاه الأمير عبد الله بن بلقّين بن باديس مدينة أليسّانة «3» ، والتقى به ابن عباد وأخذ بمخنّقها، وكان عبد الله يحذره. وعندما تحقّق حركة اللّمتونيين «4» إليه، صرفه عن جهته، فقلّ لذلك ناصره، وأسرع ذهاب أمره.
شجاعته: قال: وحضر مقاتل مع عبد الله بن بلقين، أمير غرناطة، وقيعة النّيبل في صدر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، فأبلى فيها بلاء عظيما، وجرح وجهه، ومزّق درعه بالطّعن والضّرب. وذكر من حضرها ونجا منها، قال: كنت قد سقط الرمح من يدي ولم أشعر، وحملت التّرس ولم أعلم به، وحملني الله إلى طريق منجاة فركبتها، مرّة أقع ومرّة أقوم، فأدركت فارسا على فرس أدهم ورمحه على عاتقه، ودرقته على فخذه، ودرعه مهتّكة بالطّعن، وبه جرح في وجهه يثعب دما تحت مغفره، وهو مع ذلك ينهض على رسله، فرجعت إلى نفسي فوجدت ثقلا، فتذكرت التّرس، فأخرجت حمالته عن عاتقي، وألقيته عني، فوجدت خفّة، وعدت إلى العدوّ، فصاح ذلك الفارس: خذ التّرس، قلت: لا حاجة لي به، فقال: خذه، فتركته وولّيت مسرعا، فهمز فرسه ووضع سنان رمحه بين كتفيّ، وقال: خذ الترس، وإلّا أخرجته بين كتفيك في صدرك، فرأيت الموت الذي فررت منه، ورجعت إلى التّرس فأخذته، وأنا أدعو عليه، وأسرعت عدوا، فقال لي: «على ما كنت فليكن عدوّك» ، فاستعذت


صفحه 230

وقلت: ما بعثه الله إلّا لهلاكي، وإذا قطعة من خيل الروم قد بصرت به، فوقع في نفسه أنه يسرع الجري فيسلم وأقتل، فلمّا ضاق الطّلق ما بينه وبين أقربهم منه، عطف عليه كالعقاب، وطعنه ففطره، وتخلّص الرمح منه، ثم حمل على آخر فطعنه، ومال على الثالث فانهزم منه، فرجع إليّ، وقد بهتّ من فعله، ورشاش دم الجرح يتطاير من قناع المغفر لشدّة نفسه، وقال لي: يا فاعل، يا صانع، أتلقي الرّمح ومعك مقاتل الرّيّه؟
انتهى اختصار السفر الثامن والحمد لله رب العالمين يتلوه في اختصار التاسع بعده ومن ترجمة القضاة مؤمل بن رجا بن عكرمة بن رجا العقيلي من إلبيرة*** ومن السّفر التاسع من ترجمة القضاة
مومّل بن رجاء بن عكرمة بن رجاء العقيلي
من إلبيرة.
حاله: كان شيخا مضعوفا يغلب عليه البله، من أهل التّعيّن والحسب والأصالة، عريقا في القضاء، قاض ابن قاض ابن قاض. ولّي قضاء إلبيرة للأمير محمد.
من حكاياته: رفعت إليه امرأة كتاب صداقها، فقال: الصّداق مفسوخ، وأنتما على حرام، فافترقا، فرّق الله بينكما. ثم رمى بالصّداق إلى من حوله، وقال: عجبا لمن يدّعي فقها ولا يعلمه، أو يزعم أنه يوثّق ولا يتقنه، مثل أبي فلان وهو في المجلس يكتب هذا الصّداق، وهو مفسوخ، ما أحقّه أن يغرّم ما فيه. فدار الصّداق على يدي كل من حضر، وكل يقول: ما أرى موضع فسخ، فقال: أنتم أجهل من كاتبه، لكني أعذركم؛ لأن كل واحد منكم يستر على صاحبه خطأه، انظروا وأمنحكم اليوم، فنظروا فلم يجدوا شيئا يوجب فسخا. فدنا منه محمد بن فطيس الفقيه، فقال: أصلح الله القاضي، إن الله منحك من العلم والفهم ما نحن مقرّون بالعجز عنه، فأفدنا هذه الفائدة، فقال: ادن، فدنا منه، فقال: أو ليس في الصداق:
«ولا يمنعها زيارة ذوي محارمها، ولا يمنعهم زيارتها بالمعروف» ؟ ولولا معرفتي بمحبّتك ما أعلمتك. فشكره الشيخ، وأخذ بطرف لحيته يجرّه إليه حتى قبّلها، وكان عظيم اللحية طويلها، شيمة أهل هذه الطّبقة. قال ابن فطيس: أنا المخصوص بالفائدة، ولا أعرّف بها إلّا من تأذن بتعريفه إياها، فتبسّم القاضي معجبا بما رأى،