بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 242

إن رأوه يوما ترجّح وزنا ... ضاعفوا البرّ فهو ذو رجحان
أو رأوا منه نقص حبّة وزن ... ما كسوه في حبّة الجلجلان
وأنشدنا عنه غير واحد من شيوخنا وقد بلغ الثمانين: [السريع]
يا أيها الشيخ الذي عمره ... قد زاد عشرا بعد سبعينا
سكرت من أكؤس خمر الصّبا ... فحدّك الدّهر ثمانينا
وقال: هيهات! ما أظنّه يكملها، وقال في الكبرة: [الكامل]
يا من لشيخ قد أسنّ وقد عفا ... مذ جاوز السّبعين أضحى مدنفا
خانته بعد وفائها أعضاؤه ... فغدا قعيدا لا يطيق تصرّفا
هرما غريبا ما لديه مؤانس ... إلّا حديث محمد والمصطفى
وكتب إلى القاضي أبي الحجاج الطّرسوني في مراجعة: [السريع]
يا سيدي، شاكركم مالك ... قد صيّرت ميم اسمه هاء
ومن يعش خمسا وتسعين ... قد أنهت «1» التعمير إنهاء
ومن نظمه في عرس صنعها بسبتة على طريقه في المجانة: [الكامل]
الله أكبر في منار الجامع ... من سبتة تأذين عبد خاشع
الله أكبر للصّلاة أقيمها ... بين الصّفوف من البلاط الواسع
الله أكبر محرما وموجّها ... دبري «2» إلى ربّي بقلب خاضع
الحمد لله السلام عليكم ... آمين لا تفتح لكلّ مخادع
إن النّساء خدعنني ومكرن بي ... وملأن من ذكر النساء مسامعي
حتى وقعت وما وقعت بجانب ... لكن على رأس لأمر واقع
والله ما كانت إليه ضرورة ... لكنّ أمر الله دون مدافع
فخطبن لي في بيت حسن قلن لي ... وكذبن لي في بنت قبح شانع
بكرا زعمن صغيرة في سنّها ... حسناء تسفر عن جمال بارع
خودا لها شعر أثيث حالك ... كالليل تجلى عن صباح ساطع


صفحه 243

حوراء يرتاع الغزال إذا رنت ... بجفون خشف «1» في الخمائل رافع
تتلو الكتاب بغنّة وفصاحة ... فيميل نحو الذّكر قلب السامع
بسّامة عن لؤلؤ متناسق ... في ثغرها في نظمه متتابع
أنفاسها كالرّاح فضّ ختامها ... من بعد ما ختمت بمسك رائع
شمّاء دون تفاوت عربيّة ... ببسالة وشجاعة ومنازع
غيداء كالغصن الرّطيب إذا مشت ... ناءت بردف للتعجّل مانع
تخطو على رجلي حمامة أيكة ... مخضوبة تسبي فؤاد السامع
ووصفن لي من حسنها وجمالها ... ما البعض منه يقيم عذر الخالع
فدنوت واستأمنت بعد توحّشي ... وأطاع قلب لم يكن بمطاوع
فحملنني نحو الوليّ وجئنني ... بالشّاهدين وجلد كبش واسع
وبعرفه من نافع لتعادل ... والله عزّ وجلّ ليس بنافع
فشرطن أشراطا عليّ كثيرة ... ما كنت في حملي لها بمطاوع
ثم انفصلت وقد علمت «2» بأنني ... أوثقت في عنقي لها بجوامع
وتركنني يوما وعدن وقلن لي ... خذ في البناء ولكن بمرافع
واصنع لها عرسا ولا تحوج إلى ... قاض عليك ولا وكيل رافع
وقرعت سنّي عند ذاك ندامة ... ما كنت لولا أن «3» خدعت بقارع
ولزمتني حتى انفصلت بموعد ... بعد اليمين إلى النهار الرابع
فلو أنني طلّقت كنت موفّقا ... ونفضت من ذاك النكاح أصابعي
لكن طمعت بأن أرى الحسن الذي ... زوّرن لي فذممت سوء مطامعي
فنظرت في أمر البناء معجّلا ... وصنعت عرسا يا لها من صانع!
وطمعت أن «4» تجلى ويبصر وجهها ... ويقرّ عيني بالهلال الطّالع
وظننت ذاك كما ذكرن ولم يكن ... وحصلت أيضا في مقام الفازع
وحملنني ليلا إلى دار لها ... في موضع عن كل خير سامع
دار خراب في مكان توحّش ... ما بين آثار هناك بلاقع
فقعدت في بيت صغير مظلم ... ولا شيء فيه سوى حصير الجامع


صفحه 244

فسمعت حسّا عن شمالي منكرا ... وتنحنحا يحكي نقيق ضفادع
فأردت أن أنجو بنفسي هاربا ... ووثبت عند الباب وثبة جازع
فلقيتهنّ وقد أتين بجذوة ... فرددنني وحبسنني بمجامع
ودخلن بي في البيت واستجلسنني ... فجلست كالمضرور يوم زعازع
وأشرن لي نحو السّماء «1» وقلن لي ... هذي زويبعة وبنت زوابع
هذي خليلتك التي زوّجتها ... فاجلس هنا معها ليوم سابع
بتنا من «2» النّعمى التي خوّلتها ... فلقد حصلت على رياض يانع
فنظرت نحو خليلتي متأمّلا ... فوجدتها محجوبة ببراقع
وأتيتها وأردت نزع خمارها ... فغدت تدافعني بجدّ وازع
فوجلتها في صدرها وحذوته ... وكشفت هامتها بغيظ صارع
فوجدتها قرعاء تحسب أنّها ... مقروعة في رأسها بمقارع
حولاء تنظر فوقها في ساقها ... فتخالها مبهوتة في الشارع
فطساء تحسب أنّ روثة أنفها ... قطعت فلا شلّت يمين القاطع
صمّاء تدعى بالبريح وتارة ... بالطّبل أو يؤتى لها بمقامع
بكماء إن رامت كلاما صوّتت ... تصويت معزى نحو جدي راضع
فقماء إن ما «3» تلتقي أسنانها ... تفسو إذا نطقت فساء الشابع
عرجاء إن قامت تعالج مشيها ... أبصرت مشية ضالع أو خامع
فلقيتها وجعلت أبصق نحوها ... وأفرّ نحو دجى وغيث هامع
حيران أغدو في الزّقاق كأنني ... لصّ أحسّ بطالب أو تابع
حتى إذا لاح الصباح وفتّحوا ... باب المدينة كنت أوّل كاسع
والله ما لي بعد ذاك بأمرها ... علم ولا بأمور بيتي الضّائع
نثره: وفضّل الناس نظمه على نثره، ونحن نسلّم ذلك من باب الكثرة، لا من باب الإجادة. وهذه الرسالة معلمة بالشهادة بحول الله.
كتب إلى الشيخين الفقيهين الأديبين البليغين أبي بكر بن يوسف بن الفخّار، وأبي القاسم خلف بن عبد العزيز القبتوري:


صفحه 245

«لله درّكما حليفي صفاء، وأليفي وفاء، يتنازعان كأس المودّة تنازع الأكفاء، ويتهاديان ريحان التحية تهادي الظّرفاء. قسيمي نسب، وقريعي حسب، يتجاوزان بمطبوع من الأدب ومكتسب، ويتواردان على علم من الظّرف ونسب، رضيعي لبان، ذريعي لبان، يحرزان ميراث قسّ وسحبان، ويبرزان من الذّكاء ما بان على أبان، قسيمي مجال، فصيحي رويّة وارتجال، يترعان في أشطان البلاغة سجالا بعد سجال، ويصرعان في ميدان الفصاحة رجالا على رجال. ما بالكما؟ لا حرمت حبالكما ولا قصمت نبالكما، لم تسمحا لي من عقودكما بدرّة، ولم ترشّحاني من نقودكما بدرة، ولم تفسحا لي بحلوة ولا مرّة. لقد ابتليت من أدبكما بنهر أقربه ولا أشربه، وما أرده ولا أتبرّده. ولو كنت من أصحاب طالوت لا فسحت لي غرفة، وأتيحت لي ترفة. بل لو كنت من الإبل ذوات الأظماء، ما جليت بعد الظّمإ على الماء، ولا دخلت بالإشفاق مدخل العجماء. كيف وأنا ولا فخر في صورة إنسان، ناطق بلسان، أفرّق بين الإساءة والإحسان. وإن قلت إنّ باعي في النّظم قصير، وما لي على النّثر وليّ ولا نصير، وصنعة النحو عني بمعزل، ومنزل الفقيه ليس لي بمنزل، ولم أقدم على العلم القديم، ولا استأثرت من أهله بنديم. فأنا والحمد لله غنيّ بصنعة الجفر، وأقتني اليراع كأنها شبابيك التّبر، وأبري البريّة التي «1» تنيف على الشّبر، وأزين خدود الأسطار المستوية، بعقارب اللّامات الملتوية، ولا أقول كأنها، فلا ينكر السيدان أعزّ هما الله أنها نعم بعود أزاعم، وبمثل شكسي تحضر الملاحم. فما هذا الازدراء والاجتراء في هذا الأمر مرّ المواقير. تالله لقد ظلمتماني على علم، واستندتما إلى غير حلم، أما رهبتما شبابي، أما رغبتما في حسابي، أما رفعتما بين نفح صبابي، ولفح صبابي. لعمري لقد ركبتما خطرا، وهجتما الأسد بطرا، وأبحتما حمى محتضرا، ولم تمعنا في هذا الأمر نظرا: [الطويل]
أعد نظرا يا عبد قيس لعلّما ... أضاءت لك النّار الحمار المقيّدا
ونفسي عين الحمار، في هذا المضمار، لا أعرف قبيلا من دبير، ولا أفرّق بحسّي بين صغير وكبير، ولا أعهد أنّ حصاة الرّمي أخفّ من ثبير، أليس في ذوي كبد رطبة أجر، وفي معاملة أهل التّقوى والمغفرة تجر؟ وإذا خوّلتماني نعمة أو نفلتماني نفلا، فاليد العليا خير من اليد السّفلى، وما نقص مال من صدقة، ولا جمال من لمح حدقة، والعلم يزيد بالإنفاق، وكتمه حرام باتفاق، فإن قلتما لي إنّ فهمك سقيم، وعوجك على الرّياضة لا يستقيم، فلعلّ الذي نصب قامتي، يمنّ


صفحه 246

باستقامتي، وعسى الذي يشقّ سمعي وبصري، أن يزيل عييّ وحصري، فأعي ما تقصّان، وأجتلي ما تنصّان، وأجني ثمار تلك الأغصان، فقد شاهدتما كثيرا من الحيوان، يناغى فيتعلّم، ويلقّن فيتكلّم. هذا والجنس غير الجنس، فكيف المشارك في نوعيّة الإنس؟ فإن قلنا إن ذلك يشقّ، فأين الحقّ الذي يحقّ، والمشقّة أخت المروّة، وينعكس مساق هذه الأخوّة، فيقال المروّة أخت المشقّة، والحجيج يصبر على بعد الشّقّة، ولولا المشقّة كثر السّادة، وقلّت الحسادة، فما ضرّكما أيها السيّدان أن تحسبا تحويجي، وتكتسبا الأجر في تدريجي؟ فإنكما إن فعلتما ذلك نسبت إلى ولائكما، كما حسبت على علائكما، وأضفت إلى نديّكما، كما عرّفت بمنتداكما.
ألم تعلما أنّ المرء يعرف بخليله، ويقاس به في كثيرة وقليله؟ ولعلّي أمتحن في مرام، ويعجم عودي رام، فيقول هذا العود من تلك الأعواد، وما في الحلبة من جواد، فأكسوكما عارا، وأكون عليكما شعارا. على أني إذا دعيت باسمكما استريت من الادّعاء، فلا أستجيب لهذا الدّعاء، ولكن أقول كما قال ابن أبي سفيان حين عرف الإدارة، وأنكر الإمارة، نعم أخوّتي أصحّ، وأنّها بها أشحّ، إلا أنّ غيري نظم في السّلك، وأسهم في الملك، وأنا بينكما كالمحجوب بين طلّاب، يشاركهم في البكا لا في التّراب «1» ، إن حضرت فكنتم في الإقحام، أو لمقعد في زحام، وإن غبت فيقضى الأمر، وقد سطر زيد وعمرو. ناشدتكما الله في الإنصاف أن تريعا بواد من أودية الشّحر، في ناد من أندية الشّعر بل السّحر، حيث تندرج الأنهار، وتتأرّج الأزهار، ويتبرّج الليل والنهار، ويقرأ الطير صحفا منتثرة، ويجلو النور ثغورا مؤشّرة، ويغازل عيون النّرجس الوجل، خدود الورد الخجل، وتتمايل أعطاف البان، على أرداف الكثبان، فيرقد النسيم العليل، في حجر الرّوض وهو بليل، وتبرز هوادج الرّاح، على الرّاح، وقد هديت بأقمار، وحديت بأزهار ومزمار، وركبتها الصّبا والكميت في ذلك المضمار، ولم تزالا في طيب، وعيش رطيب، من قباب وخدور، وشموس وبدور، تصلان الليالي والأيام أعجازا بصدور، وأنا الطّريد منبوذ بالعراء، موقوذ في جهة الوراء، لا يدني محلّي، ولا يعتنى بعقدي ولا حلّي، ولا أدرج من الحرور إلى الظّل، ولا أخرج من الحرام إلى الحلّ، ولا يبعث إليّ مع النّسيم هبّة، ولا يتاح لي من الآتي عبّة. قد هلكت لغوا، ولم تقيما لي صفوا، ومتّ كمدا، ولم تبعثا لبعثي أمدا. أتراه خلفتماني جرضا، وألقيتماني حرضا؟ كم أستسقي فلا أسقى، وأسترقي فلا أرقى، لا ماء أشربه، ولا عمل في وصلكما


صفحه 247

أدرّبه. لم يبق لي حيلة إلّا الدّعاء المجاب، فعسى الكرب أن ينجاب. اللهمّ كما أمددت هذين السّيّدين بالعلم الذي هو جمال، وسدّدتهما إلى العمل الذي هو كمال، وجمعت فيهما الفضائل والمكارم، وختمت بهما الأفاضل والمكارم، وجعلت الأدب الصّريح أقلّ خصالهما، والنّظر الصحيح أقلّ نصالهما، فاجعل اللهمّ لي في قلوبهما رحمة وحنانا، وابسط لي منهما وجها واشرح لي جنانا، واجعلني اللهمّ ممّن اقتدى بهما، وتعلّق بأهدابهما، وكان دأبه في الصّالحات كدأبهما، حتى أكون بهما ثالث القمرين في الآيات، وثالث العمرين في عمل البرّ وطول الحياة، اللهمّ آمين، وصلّى الله على محمد خاتم النبيّين. وكأنّي أنظر إلى سيديّ عزّهما الله إذا وقفا على هذا الخطاب، ونظرا إلى هذا الاحتطاب، كيف يديران رمزا، ويسيران غمزا؟ ويقال: استتبّ الفصال، وتعاطى البيذق ما تفعل النّصال، وحنّ جذع ليس منها «1» ، وخذ عجفاءك وسمّنها، فأقول وطرفي غضيض، ومحلّي الحضيض، مثلي كمثل الفروج أو ثاني البروج، وما تقاس الأكفّ بالسّروج، فأضربا عني أيها الفاضلان، ما أنا ممّن تناضلان، والسلام» .
مولده: قال شيخنا الفقيه أبو عبد الله ابن القاضي المتبحّر العالم أبي عبد الله بن عبد الملك: سألته عن مولده فأنشدني: [الرجز]
يا سائلي عن مولدي كي أذكره ... ولدت يوم سبعة وعشره
من المحرّم افتتاح أربع ... من بعد ستمائة مفسّرة
وفاته: في التاسع «2» عشر لرجب عام تسعة وتسعين وستمائة، ودفن بمقبرة فاس، وأمر أن يكتب على قبره: [مجزوء الخفيف]
زر غريبا بمقره ... نازحا ما له ولي «3»
تركوه موسّدا ... بين ترب وجندل
ولتقل عند قبره ... بلسان التّدلّل
يرحم الله عبده ... مالك بن المرحّل


صفحه 248

ومن طارئي المقرئين والعلماء
منصور بن علي بن عبد الله الزواوي
صاحبنا، يكنى أبا علي.
حاله: هذا الرجل طرف في الخير والسلامة، وحسن العهد، والصّون والطهارة والعفّة، قليل التصنّع، مؤثر للاقتصاد، منقبض عن الناس، مكفوف اللسان واليد، مشتغل بشأنه، عاكف على ما يعنيه، مستقيم الظاهر، ساذج الباطن، منصف في المذاكرة، موجب لحقّ الخصم، حريص على الإفادة والاستفادة، مثابر على تعلّم العلم وتعليمه، غير أنف عن حمله عمّن دونه، جملة من جمل السّذاجة والرّجولة وحسن المعاملة، صدر من صدور الطّلبة، له مشاركة حسنة في كثير من العلوم العقلية والنّقلية، واطّلاع وتقييد، ونظر في الأصول والمنطق وعلم الكلام، ودعوى في الحساب والهندسة والآلات. يكتب الشّعر فلا يعدو الإجادة والسّداد.
قدم الأندلس في عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، فلقي رحبا، وعرف قدره، فتقدم مقرئا بالمدرسة «1» تحت جراية نبيهة، وحلّق للناس متكلّما على الفروع الفقهية والتفسير، وتصدّر للفتيا، وحضر بالدار السلطانية مع مثله. جرّبته وصحبته، فبلوت منه دينا ونصفة، وحسن عشرة.
محنته: امتحن في هذا العهد الأخير بمطالبة شرعيّة، لمتوقّف صدر عنه لما جمع الفقهاء للنّظر في ثبوت عقد على رجل نال من جانب الله والنّبوّة، وشكّ في القول بتكفيره، فقال القوم بإشراكه في التكفير ولطخه بالعاب الكبير، إذ كان كثير المشاحّة لجماعتهم، فأجلت الحال عن صرفه عن الأندلس في أواخر شعبان عام خمسة وستين وسبعمائة.
مشيخته: طلبت منه تقييد مشيخته، فكتب مما يدل على جودة القريحة ما نصه:
«يتفضّل سيدي الأعلى الذي أهتدي بمصباحه، وأعشو إلى غرره وأوضاحه، جامع أشتات العلوم، وفاتق رتق الفهوم، حامل راية البديع، وصاحب آيات التّورية فيه


صفحه 249

والتّرصيع، نخبة البلغاء، وفخر الجهابذة العلماء، قائد جياد البلاغة من نواصيها، وسائق شوارد الحكم من أقاصيها، أبو عبد الله بن الخطيب أبقاه الله للقريض يقطف زهره، ويجتني غرره، وللبديع يطلع قمره، وينظم درره، وللأدب يحوك حلله، ويجمع تفاصيله وجمله، وللمعاني يجوس بجيوش البراعة خلالها، ويفتتح بعوامل اليراعة أقفالها، وللأسجاع يقرّط الأسماع بفرائدها، ويحلّي النحور بقلائدها، وللنّظم يورد جياده أحلى الموارد، ويجيلها في مضمار البلاغة من غير معاند، وللنّثر يفترع أبكاره، ويودعها أسراره، ولسائر العلوم يصوغها في مفرق الآداب تاجا، ويضعها في أسطر الطّروس سراجا، ولا زال ذا القلم الأعلى، وبدر الوزارة الأوضح الأجلى، ببقاء هذه الدولة المولوية والإمامة المحمدية كعبة لملوك الإسلام، ومقصدا للعلماء الأعلام، ورضى عنهم خلفا وسلفا، وبورك لنا فيهم وسطا وطرفا، ولا زالت آمالنا بعلائهم منوطة، وفي جاههم العريض مبسوطة، بقبول ما نبّه عليه، من كتب شيوخي المشاهير إليه، فها أنا أذكر ما تيسّر لي من ذلك بالاختصار، إذ لا تفي بذكرهم وحلاهم المجلّدات الكبار.
فمنهم مولاي الوالد علي بن عبد الله لقاه الله الرّوح والريحان، وأوسعه الرّضا والغفران. قرأت عليه القرآن وبعض ما يتعلق به من الإعراب والضبط. ثم بعثني إلى شيخنا المجتهد الإمام علم العلماء، وقطب الفقهاء، قدوة النّظار، وإمام الأمصار، منصور بن أحمد المشدالي، رحمه الله وقدّس روحه، فوجدته قد بلغ السّنّ به غاية أوجبت جلوسه في داره، إلّا أنه يفيد بفوائده بعض زوّاره، فقرأت من أوائل ابن الحاجب «1» عليه لإشارة والدي بذلك إليه، وذلك أول محرم عام سبعة وعشرين وسبعمائة. واشتدّ الحصار ببجاية لسماعنا أنّ السلطان العبد الوادي «2» ينزل علينا بنفسه، فأمرني بالخروج، رحمه الله، فعاقني عائق عن الرجوع إليه؛ لأتمم قراءة ابن الحاجب عليه. ثم مات، رحمه الله، عام أحد وثلاثين وسبعمائة، فخصّ مصابه البلاد وعمّ، ولفّ سائر الطلبة وضمّ، إلّا أنه ملأ بجاية وأنظارها بالعلوم النظرية وقساها، وأنظارها بالفهوم النقلية والعقلية فصار من طلبته شيخنا المعظم، ومفيدنا المقدّم، أبو عبد الله محمد بن يحيى الباهلي المعروف بالمفسّر، رحمه الله، بالطريقة الحاجبية، والكتابة الشرعية والأدبية، مع فضل السّنّ وتقرير حسن، إلى معارف تحلّاها،