ومن ذلك قوله في الرّيحان: [الوافر]
وأخضر فستقيّ اللون غضّ ... يروق بحسن منظره العيونا
أغار على التّرنج وقد حكاه ... وزاد على اسمه ألفا ونونا
وقال من جملة قصائده المطوّلات التي تفنّن فيها، رحمه الله: [الطويل]
وغانية يغني عن العود صوتها ... وجارية تسقي وساقية تجري
بحيث يجرّ النهر ذيل مجرّة ... يرفّ على حافاتها الزّهر كالزّهر
وقد هزّت الأرواح خصر كتائب ... بألوية بيض على أسل سمر
رمى قزح نبلا إليها فجرّدت ... سيوف سواقيها على دارع النّهر
وهبّت صبا نجد فجرّت غلائلا ... تجفّف دمع الطّلّ عن وجنة الزّهر
كأنّ بصفح الرّوض وشي صحيفة ... وكالألفات القضب والطّرس كالتّبر
كأنّ به الأقحوان خواتما ... مفضّضة فيها فصوص من التّبر
كأنّ به النّرجس الغضّ أعيا ... ترقرق في أجفانها أدمع القطر
كأنّ شذا الخيريّ زورة عاشق ... يرى أنّ جنح اللّيل أكتم للسّرّ
وقال في وصف الرّمان: [البسيط]
لله رمّانة قد راق منظرها ... فمثلها ببديع الحسن منعوت
القشر حقّ لها قد ضمّ داخله ... والشّحم قطن لها «1» والحبّ ياقوت
ومن ذلك قوله في الجزر: [البسيط]
انظر إلى جزر «2» في اللون مختلف ... البعض من سبج والبعض من ذهب
إن قلت: قصب فقل: قصب بلا زهر ... أو قلت: شمع فقل: شمع بلا لهب
وفي الاغتراب وما يتعلّق به مما يقرب من المطولات: [الوافر]
غريب كلّما يلقى غريب ... فلا وطن لديه ولا حبيب
تذكّر أصله فبكى اشتياقا ... وليس غريبا أن يبكي غريب
ومما هاج أشواقي حديث ... جرى فجرى له الدّمع السّكوب
ذكرت به الشّباب فشقّ قلبي ... ألم تر كيف تنشقّ القلوب؟
على زمن الصّبا فليبك مثلي ... فما زمن الصّبا إلّا عجيب
جهلت شبيبتي حتى تولّت ... وقدر الشيء يعرف إذ يغيب
ألا ذكر الإله بكل خير ... بلادا لا يضيع بها أديب
بلاد ماؤها عذب زلال ... وريح هوائها مسك رطيب
بها قلبي الذي قلبي المعنّى ... يكاد من الحنين له يذوب
رزقت الصّبر بلين أبي وأمي ... كلانا بعد صاحبه كثيب
ألا فتوخّ بعدي من أؤاخي ... ودع ما لا يريب لما يريب
ولا تحكم بأول ما تراه ... فإنّ الفجر أوله كذوب
ألا إنا خلقنا في زمان ... يشيب بهوله من لا يشيب
وقد لذّ الحمام وطاب عندي ... وعيشي لا يلذّ ولا يطيب
لحى الله الضّرورة فهي بلوى ... تهين الحرّ والبلوى ضروب
رأيت المال يستر كلّ عيب ... ولا تخفى مع الفقر العيوب
وفقد المال في التّحقيق عندي ... كفقد الرّوح ذا من ذا قريب
وقد أجهدت نفسي في اجتهاد ... وما أن كلّ مجتهد مصيب
وقد تجري الأمور على قياس ... ولو تجري لعاش بها اللّبيب
كأنّ العقل للدّنيا عدوّ ... فما يقضي بها أربا أريب
إذا لم يرزق الإنسان بختا ... فما حسناته إلّا ذنوب
ومن نسيبه قوله في بادرة من حمّام: [الكامل]
برزت من الحمّام تمسح وجهها ... عن مثل ماء الورد بالعنّاب
والماء يقطر من ذوائب شعرها ... كالطّل يسقط من جناح غراب
فكأنها الشمس المنيرة في الضّحى ... طلعت علينا من خلال سحاب
ومن مقطوعاته أيضا قوله: [الكامل]
ومتيّم لو كان صوّر نفسه ... ما زادها شيئا سوى الإشفاق
ما كان يرضى بالصّدود وإنّما ... كثرت عليه مسائل العشّاق
وقال: [مخلع البسيط]
وافى وقد زانه جمال ... فيه لعشّاقه اعتذار
ثلاثة ما لها مثال: ... الوجه والخدّ والعذار
فمن رآه رأى رياضا: ... الورد والآس والبهار
ومن ذلك قوله في ذمّ إخوة السوء: [الكامل]
ليس الأخوّة «1» باللّسان أخوّة ... فإذا تراد أخوّتي لا تنفع
لا أنت في الدّنيا تفرّج كربه ... عنّي ولا يوم القيامة تشفع
وقال كذلك: [الكامل]
ولقد عرفت الدّهر حين خبرته ... وبلوت بالحاجات أهل زمان
فإذا الأخوّة باللسان كثيرة ... وإذا الدّراهم ميلق الإخوان
ومن ذلك قوله في ثقيل: [المتقارب]
تزلزلت الأرض زلزالها ... فقلت لسكانها: ما لها؟
فقالوا: أتانا أبو عامر ... فأخرجت الأرض أثقالها
ومن ذلك قوله في الصّبر: [السريع]
الدهر لا يبقي على حالة ... لكنه يقبل أو يدبر
فإن تلقّاك بمكروهه ... فاصبر فإنّ الدّهر لا يصبر
ومن ذلك قوله في الموت: [السريع]
الموت سرّ الله في خلقه ... وحكمة دلّت على قهره
ما أصعب الموت وما بعده ... لو فكّر الإنسان في أمره
أيام طاعات الفتى وحدها ... هي التي تحسب من عمره
لا تلهك الدنيا ولذّاتها ... عن نهي مولاك ولا أمره
وانظر إلى من ملك الأرض هل ... صحّ له منها سوى قبره؟
نثره: قال في كتاب «روضة الأنس» ما نصّه:
«ويتعلّق بهذا الباب ما خاطبني به الفقيه الكاتب الجليل أبو بكر البرذعي، من أهل بلدنا، أعزّه الله: أخبرك بعجاب، إذ لا سرّ دونك ولا حجاب، بعد أن أتقدّم إليك أن لا تعجل باللوم إليّ، قبل علم ما لديّ، فإنّ الدهر أخدع من كفّة الحابل،
وقلب الإنسان للآفات قابل. مشيت يوما إلى سوق الرّقيق، لأخذ حقّ فؤاد عتيق، فرأيت بها جارية عسجدية اللون، حديثة عهد بالصّون، متمايلة القدّ، قائمة النّهد، بلحظ قد أوتي من السّحر أوفر حظّ، وفم كشرطة رشحت بدم، داخله سمطان لولا هما ما عرف النّظم، ولا حكم على الدّر للعظم، في صدغها لامان ما خطّ شكلهما قلم، ولا قصّ مثلهما حلم. لها جيد تتمنّاه الغيد، وخصر هو قبضة الكفّ في الحصر، وردف يظلمه من يشبه به بالحقف، ويدان خلقا للوشي، وقدمان أهلّتا للّثم لا للمشي، فتطاولت إليه الأعناق، وبذلت فيها الأعلاق، والمياسير عليها مغرم في القوم، وتسوّم أهل السّوم، وكل فيها يزيد، ليبلغ ما يريد، إلى أن جاء فتى صادق في حبّه، لا يبالي بفساد ماله في صلاح قلبه، فعدّ المال عدّا، ولم يجد غيره من التسليم بدّا. فلمّا فاتتني، تركت الأشواق وأتتني، وانتقضت عزائم صبري فما أتتني، فالله الله، تدارك أخاك سريعا، قبل أن تلفيه من الوجد صريعا، واستنزله خادما، قبل أن تصبح عليه نادما، ولن أحتاج أن أصفها إليك، مع ما قصصته عليك، وقد أهديتها دررا، فخذها على جهة الفكاهة والدّعابة: [الوافر]
ولا تطلع أخا جهل عليها ... فمن لم يدر قدر الشيء عابه
فأجبته: نعم نعم، أنعم الله بالك، وسنى آمالك، أنا بحول الله أرتاد لك من نحو هاتيك، ما يسليك ويؤاتيك، وإلّا فبيضا كاللّجين، هل القلب والعين، زهرة غصن في روضة حسن، ذات ذوائب، كأنها الليل على نهار، أو بنفسج في بهار.
لها وجه أبهى من الغنا، وأشهى من نيل المنى، فيه حاجبان كأنهما قوس صنعت من السّبح، ورصّعت بعاج من البلح، على عينين ساحرتين، بالعقل ساخرتين، بهما تصاب الكبود، وتشقّ القلوب قبل الجلود، إلى فم كأنّه ختام مسك، على نظام سلك، سقاه الحسن رحيقه، فأنبتت درره وعقيقه، وجيد في الحسن وحيد على صدر كأنه من مرمر، فيه حقّتا عاج طوّقتا بعنبر، قد خلقتا للعضّ، في جسم غضّ، له خصر مدمج، وردفه يتموّج، وأطراف كالعنم، رقمت رقم القلم، من اللائي شهدن ابن المؤمّل، وقال في مثلها الأول، إن هي تاهت فمثلها تاها، أو هي باهت فمثلها باها، من أين للغصن مثل قامتها أو أين للبدر مثل مرآها، ما فعلت في العقول صابية ما فعلت في العقول عيناها، تملكني بالهوى وأملكها، فهأنا عبدها ومولاها، فأيّهما لست بذلت فيه الجهد، وأرقيت للمجد والودّ إن شاء الله تعالى.
وأنا فيما عرض لسيدي، حفظه الله، على ما يحبّ، أعذره ولا أعذله، وأنصره ولا أخذله، لكني أقول كما قال بعض الحكماء: لا ينبغي لمن قلبه رقيق، أن يدخل سوق الرّقيق، إلّا أن يكون قد جمع بين المال، والجمال يتنافس في العالي،
ويسترخص بالثمن الغالي، ولا يبالي بما قال الأئمة، إذا وجد من يلائمه، كما قال الشاعر: [الخفيف]
ما انتفاع المحبّ بالمال إذ «1» لم ... يتوصّل به لوصل الحبيب
إنما ينبغي بحكم الهوى أن ... ينفق المال في صلاح القلوب
والسلام على سيدي، ما كانت الفكاهة من شأن الوفاء، والمداعبة من شيم الظّرفاء، ورحمة الله وبركاته.
مولده: ولد في محرم سنة إحدى وستمائة.
وفاته: توفي في عام أربعة وثمانين وستمائة.
نقلت من خط صاحبنا الفقيه المؤرخ أبي الحسن بن الحسن، قال: أنشدني الشيخ الرّاوية الأديب القاضي الفاضل أبو الحجاج يوسف بن موسى بن سليمان المنتشافري، قال: أنشدني القاضي الفاضل أبو القاسم ابن الوزير أبي الحجاج ابن الحقالة، قال: أنشدني الأديب أبو الطيب صالح بن أبي خالد يزيد بن صالح بن شريف الرّندي لنفسه، ليكتب على قبره: [الطويل]
خليليّ، بالودّ الذي بيننا اجعلا ... إذا متّ قبري عرضة للتّرحّم
عسى مسلم يدنو فيدعو برحمة ... فإني محتاج لدعوة مسلم
حرف العين من ترجمة الملوك والأمراء
عبد الله بن إبراهيم بن علي بن محمد التجيبي الرئيس أبو محمد بن إشقيلولة
أوليته: قد مرّ شيء من ذلك في اسم الرئيس أبي إسحاق أبيه.
حاله: كان أميرا شهما، مضطلعا بالقضية، شهير المواقف، أبيّ النفس، عالي العمة. انتزى على خاله أمير المسلمين الغالب بالله «2» ، وكان أملك لما بيده من مدينة وادي آش وما إليها، معزّزا بأخيه الرئيس أبي الحسن مظاهره في الأمر، ومشاركه في
السلطان. واستمرّت الحال مدة حياة خاله السلطان، ولمّا صار الأمر إلى مخيفه ولي العهد «1» ، استشرى الداء، وأعضل الأمر، وعمّت الفتنة، وزاحمه السلطان بالمنكّب؛ انفجم، واعتوره بالحيلة، حتى تحيّف أطرافه، وكان ما هو معلوم من إجازة أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق «2» البحر إلى الجهاد، ومال الحال بينه وبين السلطان أمير المسلمين أبي عبد الله بن نصر إلى التّقاطع، وتصيّرت مالقة إلى الإيالة المغربية، ثم عادت إلى السلطان.
وفي أخريات هذه الأحوال، أحكم السلطان مع طاغية الرّوم السّلم، وصرف وجهه إلى مطالبة الرئيس أبي محمد، صاحب وادي آش، فألجأه الحال إلى أن صرف الدعوة بوادي آش إلى السلطان بالمغرب ورفع شعاره، فأقعد عنه. ووقعت مراسلات أجلت عن انتقال الرئيس أبي محمد إلى المغرب، معوّضا عن مدينة وادي آش بقصر كتامة «3» ، وذلك في عام تسعة وثمانين وستمائة.
وفاته: دخلت قصر كتامة يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من ذي قعدة عام خمسة وخمسين وسبعمائة في غرض الرسالة، وزرت مقبرة الرؤساء بني إشقيلولة بظاهرها، وفي قبّة ضخمة البناء رحيبة الفناء، نسيجة وحدها بذلك البلد بين منازل البلى وديار الفناء، وبها قبر الرئيس أبي محمد هذا، عن يسار الداخل، بينه وبين جدار القبلة قبر، وسنامه رخام مكتوب عليه: [المجتث]
قبر عزيز علينا ... لو أنّ من فيه يفدى
أسكنت قرّة عيني ... وقطعة القلب لحدا
ما زال حكما عليه ... وما القضاء تعدّى
فالصّبر «4» أحسن ثوب ... به العزيز تردّى
وعند رأس السّنام الرخامي، مهد مائل من الرخام فيه:
«أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، صلّى الله على سيدنا محمد وآله، وسلّم تسليما. هذا قبر الرئيس الجليل، الأعلى الهمام، الأوحد،
الأسعد، المبارك، الأسنى، الأسمى، الأحفل، الأكمل، المجاهد، المقدس، المرحوم، أبي محمد عبد الله، ابن الرئيس الجليل، الهمام، الأوحد، الأسعد، المبارك، الأمضى، الأسنى، الأسمى، المعظم، المرفّع، المجاهد، الأرضى، المقدس، المرحوم أبي إسحاق إبراهيم بن إشقيلولة، رحمه الله وعفا عنه وأسكنه جنّته. ظهر، عفا الله عنه، بوادي آش، أمّنها الله، قاعدة من قواعد الأندلس، وتسلطن، ونشرت علامات سلطنته، وضربت الطبول. وجاهد منها العدو، قصمه الله، وظهر على خاله سلطان الأندلس، وأقام في سلطنته نحوا من ثلاث وعشرين سنة. ثم قام بدعوة الملك الأعلى، السلطان المؤيد المنصور، أمير المسلمين، المؤيد بالله أبي يعقوب، أيّده الله بنصره، وأمدّه بمعونته ويسره، وأمره، أيّده الله، أن يتخلّى عن وادي آش المذكورة، ويصل للمغرب، فتنحّى عن الأندلس للمغرب، آنسه الله، في جمادى الأولى من عام ستة وثمانين وستمائة، فأعطاه، أيّده الله، قصر عبد الكريم، أمّنه الله، وأنعم عليه، فأقام به مدة من ثمانية أعوام، وجاز منه إلى الأندلس، أمّنها الله، وجاهد بها مرّتين، ثم رجع إلى قصر عبد الكريم المذكور، وتوفي، شرّف الله روحه الطّيبة المجاهدة، عشيّ يوم السبت العاشر من شهر محرم سنة خمس وتسعين وستمائة» .
عبد الله بن بلقّين بن باديس بن حبّوس بن ماكسن ابن زيري بن مناد الصّنهاجي»
أمير غرناطة.
أوليته: قد مرّ من ذلك في اسم جدّه ما فيه كفاية.
حاله: لقبه المظفّر بالله، الناصر لدين الله. ولي بعد جدّه باديس في شوال سنة خمس وستين وأربعمائة، وصحبه سماجة الصّنهاجي تسع سنين. قال الغافقي: وكان قد حاز حظّا وافرا من البلاغة والمعرفة، شاعرا جيّد الشعر، مطبوعه، حسن الخطّ.
كانت بغرناطة ربعة مصحف بخطّه في نهاية الصّنعة والإتقان. ووصفه ابن الصّيرفي
فقال «1» : كان جبانا معمد «2» السيف، قلقا، لا يثبت على الظّهر، عزهاة «3» لا أرب له في النساء «4» ، هيّابة، مفرط الجزع، يخلد إلى الرّاحات، ويستوزر الأغمار.
خلعه: قال: «5» وفي عام ثلاثة وثمانين وأربعمائة، تحرّك أمير المسلمين، يوسف بن تاشفين، لخلع رؤساء الأندلس، فأجاز البحر، ويمّم قرطبة، وتواترت الأنباء عن حفيد باديس صاحب غرناطة، بما يغيظه ويحقده، حسبما تقدم في اسم مؤمّل مولى باديس. وقدّم إلى غرناطة أربع محلّات، فنزلت بمقربة منها، ولم تمتدّ يد إلى شيء يوجد، فسرّ الناس واستبشروا، وأمنت البادية، وتمايل أهل الحاضرة إلى القوي. وأسرع حفيد باديس في المال، وألحق السّوقة والحاكّة «6» ، واستكثر من اللّفيف، وألحّ بالكتب على أذفونش بما يطمعه. وتحقّق يوسف بن تاشفين استشراف الحضرة إلى مقدمه، فتحرّك. وفي ليلة الأحد لثلاث عشرة خلت من رجب، اجتمع إلى حفيد باديس صنائعه، فخوّفوه من عاقبة التربّص، وحملوه على الخروج إليه، فركب وركبت أمّه وتركا القصر على حاله، ولقي أمير المسلمين على فرسخين من المدينة، فترجّل، وسأله العفو، فعفا عنه، ووقف عليه، وأمره بالرّكوب، فركب، وأقبل حتى نزل ب «المشايخ» من خارج الحضرة. واضطربت المحلّات، وأمر مؤمّلا بثقافه في القصر، فتولّى ذلك، وخرج الجمّ من أهل المدينة، فبايعوا أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، فلقيهم، وأنسهم، وسكّن جأشهم، فاطمأنوا. وسهّل مؤمّل إليه دخول الأعيان، فأمر بكتب الصّكوك، ورفع أنواع القبالات والخراج، إلّا زكاة العين، وصدقة الماشية، وعشر الزّرع. واستقصي ما كان بالقصر، فظهر على ما يحول الناظر، ويروع الخاطر، من الأعلاق والذّخيرة، والحلى، ونفيس الجوهر، وأحجار الياقوت، وقصب الزّمرد، وآنية الذّهب والفضة، وأطباق البلّور المحكم، والجرداذنات، والعراقيّات، والثّياب الرّفيعة، والأنماط، والكلل، والسّتائر، وأوطية الدّيباج، مما كان في ادّخار باديس واكتسابه. وأقبلت دوابّ الظّهر من المنكّب