بكى العالم العلويّ والسّبع حسرة ... أولئك «1» حزب الله ما فوقهم حزب
على القرطبيّ الحبر أستاذنا الذي ... على أهل هذا العصر فضّله الرّبّ
فقد كان فيما قد «2» مضى من زمانه ... به تحسن الدّنيا ويلتئم الشّعب
ويجمع سرب الأنس روض جنابه «3» ... فقد جفّ ذاك الرّوض وافترق السّرب
فسحقا لدنيا خادعتنا بمكرها ... إذا عاقدت سلما فمقصدها حرب
ركبنا بها «4» السّهل الذّلول فقادنا ... إلى كلّ ما في طيّه مركب صعب
ونغفل عنها والرّدى يستفزّنا ... كفى واعظا بالموت لو كان لي لبّ
عبد الله بن أحمد بن إسماعيل بن عيسى بن أحمد ابن إسماعيل بن سماك العاملي «5»
يكنى أبا محمد، مالقي الأصل.
حاله: كان فقيها أديبا، بارع الأدب، شاعرا مطبوعا، كثير النّادر، حلو الشّمايل، أدرك شيوخا جلّة، وولّي قضاء غرناطة مدّة.
مشيخته: روى عن جدّه لأمه، وابن عمّ أبيه أبي عمر أحمد بن إسماعيل، وأبي علي الغسّاني، وأبي الحسن علي بن عبيد الرحمن بن سمحون، والمرساني الأديب.
شعره: [الكامل]
الروض مخضرّ الرّبى متجمّل ... للناظرين بأجمل الألوان
وكأنما بسطت هناك سوارها ... خود زهت بقلائد العقيان
وكأنّما فتقت هناك نوافح ... من مسكة عجنت بعرف البان
والطّير يسجع في الغصون كأنما ... تقرأ القيان فيه على العيدان
والماء مطّرد يسيل عبابه ... كسلاسل من فضّة وجمان
بهجات حسن أكملت فكأنها ... حسن اليقين وبهجة الإيمان
وكتب إلى الكاتب أبي نصر الفتح بن عبيد الله «1» في أثناء رسالة «2» :
[الوافر]
تفتّحت الكتابة عن نسيم ... نسيم المسك في خلق الكريم «3»
أبا نصر، رسمت لها رسوما ... تخال رسومها وضح النّجوم
وقد كانت عفت فأنرت «4» منها ... سراجا لاح في اللّيل البهيم
فتحت من الصّناعة كلّ باب ... فصار «5» في طريق مستقيم
فكتّاب الزمان ولست منهم ... إذا راموا مرامك في هموم
فما قسّ بأبدع منك لفظا ... ولا سحبان مثلك في العلوم «6»
وفاته: في السابع والعشرين من رمضان المعظم سنة أربعين وخمسمائة، وهو ابن أربع وثمانين سنة.
ومن ترجمة القضاة
عبد الله بن أحمد بن محمد بن سعيد بن أيوب بن الحسن ابن منخل بن زيد الغافقي
من أهل غرناظة وأعيانها، يكنى أبا محمد، وينسب إلى غافق بن الشّاهد بن عك بن عدنان، لا إلى حصن غافق.
حاله: من «العائد: كان رجلا صحيح المذهب، سليم الصّدر، قليل المصانعة، كثير الحركة والهشّة والجدة، ملازم الاجتهاد والعكوف، لا يفتر عن النّسخ والتّقييد والمطالعة، على حال الكبرة، قديم التّعيّن والأصالة، ولّي القضاء عمره بمواضع كثيرة، منها بيرة ورندة ثم مالقة، مضافا إلى الخطابة بها.
مشيخته: حجّ في حدود سبعة وثمانين وستمائة، وروى عن جلّة من أهل المشرق، كالإمام تقي الدين بن دقيق العيد، والحافظ أبي محمد عبد المؤمن الدّمياطي، وشمس الدين المصنّف أبي عبد الله بن عبد السلام. وأجازه من أهل المغرب شيخ الجماعة بالأندلس أبو جعفر بن الزبير، والقاضي ابن أبي الأحوص، والخطيب أبو الحسن بن فضيلة، والأستاذ أبو الحسن ابن الصّائغ الإشبيلي، وأبو جعفر الطّباع، وغيرهم.
تواليفه: ألّف كتابا سماه ب «المنهاج، في ترتيب مسائل الفقيه المشاور أبي عبد الله ابن الحاج» .
مولده: ولد بغرناطة في حدود ستين وستمائة.
وفاته: توفي بغرناطة يوم عاشوراء من عام أحد وثلاثين وسبعمائة.
عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن أبي زمنين المرّي
يكنى أبا خالد.
حاله: كان فقيها جليلا، وولّي القضاء ببعض جهات غرناطة.
مشيخته: أخذ الفقه عن أبي جعفر بن هلال، وأبي محمد بن سماك القاضي.
والعربية عن الخضر بن رضوان العبدري. والحديث عن الحافظ أبي بكر بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية، والإمام أبي الحسن علي بن أحمد، والقاضي أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض أيام قضائه بغرناطة.
مولده: ولد سنة سبع وتسعين وأربعمائة.
وفاته: توفي في ذي قعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
عبد الله بن يحيى بن محمد بن أحمد بن زكريا بن عيسى ابن محمد بن يحيى بن زكريا الأنصاري «1»
يكنى أبا محمد، من أهل غرناطة، شرقي الأصل، مرسيّه، من بيوتاته النّبيهة، وقد مرّ ذكر أخيه.
حاله: كان»
على طريقة حسنة من دمائة الأخلاق، وسلامة السّجيّة، والتزام الحشمة، والاشتغال بما يعني. ولّي القضاء دون العشرين سنة، وتصرّف فيه عمره بالجهات الأندلسية، فأظهر فيه عدلا ونزاهة، ولم يختلف عليه اثنان مدة حياته من أهل المعرفة بالأحكام، والتّقدّم في عقد الشّروط، وصناعة الفرائض، علما وعملا، ثاقب الذهن، نافذا في صنعة العدد.
مشيخته: قرأ «2» على أبيه القاضي أبي بكر بن زكريا، وله رواية عالية من أعلام من أهل المشرق والمغرب. وقرأ على أبي الحسن بن فضيلة الوليّ الصالح، والقاضي أبي عبد الله بن هشام الألشي، والأستاذ أبي جعفر بن الزبير، والحاج أبي محمد بن جابر، وأبي بكر القللوسي. وقرأ العدد وما أشبهه على الأستاذ التّعاليمي أبي عبد الله الرقّام، ولازمه، وأجازه طائفة كبيرة. أخبرني ولده الفاضل أبو بكر، قال: ورد سؤال من تونس مع تاجر وصل في مركب إلى مدينة المنكّب أيام قضائه بها، في رجل فرّط في إخراج زكاة ماله سنين متعدّدة، سمّيت في السؤال مع نسبة قدر المال، وطلب في السؤال أن يكون عملها بالأربعة الأعداد المتناسبة، إذ عملها بذلك أصعب من عملها بالجبر والمقابلة، فعملها وأخرجها بالعملين، وعبّر عنها بعبارة حسنة، وكتبها في بطاقة بخطّ جميل، فذكر التاجر أنه لم يبق بتونس فقيه إلّا ونسخ منها نسخة واستحسنها.
مولده: ولد يوم الخميس السابع عشر «3» لجمادى الآخرة عام خمسة وسبعين وستمائة.
وفاته: توفي قاضيا ببسطة في التاسع عشر من رمضان عام خمسة وأربعين وسبعمائة.
عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الملك ابن أبي جمرة الأزدي
من أهل مرسية، نزيل غرناطة، يكنى أبا محمد، وبيته بمرسية من أعلام بيوتاتها، شهير التّعيّن والأصالة، ينكح «4» فيه الأمراء.
حاله: كان من أعلام وقته فضلا وعدالة وصلاحا ووقارا، طاهر النشأة، عفّ الطّعمة، كثير الحياء، مليح التّخلّق. نشأ بمرسية، ثم انتقل إلى غرناطة فتولّى القضاء ببيرة وجهاتها، ثم جاز إلى سبتة، وانعقدت بينه وبين رؤسائها المصاهرة في بعض بناته. ثم آب إلى غرناطة عند رجوع إيالة سبتة إلى أميرها، فتقدّم خطيبا بها.
مشيخته: روى بالإجازة عن الخطيب الحافظ أبي الرّبيع بن سالم وأمثاله.
وفاته: الغريبة المستحسنة، قال بعض شيوخنا: كنت أسمعه عند سجوده وتبتّله وضراعته إلى الله يقول: اللهم، أمتني ميتة حسنة، ويكرّر ذلك. فأجاب الله دعاءه، وتوفّاه على أتمّ وجوه التّأنيب طهارة وخشوعا وخضوعا وتأهّبا، وزمانا ومكانا، عندما صعد أوّل درج من أدراج المنبر، يوم الجمعة الثالث والعشرين لشوال من عام أحد عشر وسبعمائة، فكان يوما مشهودا لا عهد بمثله، ما رئي أكثر باكيا منه، وأكثر الناس من الثناء عليه.
عبد الله بن سليمان بن داود بن عبد الرحمن بن سليمان ابن عمر بن حوط الله الأنصاري الحارثي الأزدي «1»
يكنى أبا محمد.
حاله: من «الصّلة» : قال «2» : القاضي المحدّث الجليل العالم، كان فقيها جليلا أصوليا، نحويا، كاتبا، أديبا، شاعرا، متفنّنا في العلوم، ورعا، ديّنا، حافظا، ثبتا، فاضلا. وكان يدرّس كتاب سيبويه، ومستصفى أبي حامد «3» ، ويميل إلى الاجتهاد في نظره، ويغلّب طريقة الظّاهرية «4» ، مشهورا بالعقل والفضل، معظّما، عند الملوك، معلوم القدر لديهم، يخطب في مجالس الأمراء والمحافل الجمهورية، مقدّما في ذلك، بلاغة وفصاحة إلى أبعد مضمار. ولملوك الموحّدين به اعتناء كبير.
وهو كان أستاذ الناصر «5» وإخوته، وكان له عند المنصور والدهم، بذلك أكرم أثرة، مع ما كان مشهورا به من العلم والدّين والفضل. ولّي القضاء بإشبيلية وقرطبة
ومرسية وسبتة وسلا وميورقة، فتظاهر بالعدل، وعرف بما أبطن من الدين والفضل، وكان من العلماء العاملين، سنّيّا، مجانبا لأهل البدع والأهواء، بارع الخطّ، حسن التّقييد.
مشيخته: تردّد «1» في طلب العلم، فسمع ببلنسية وشاطبة ومرسية وألمرية وقرطبة وإشبيلية ومالقة، وغيرها من البلاد الأندلسية، وتحصّل له سماع جمّ لم يشاركه فيه أحد من أهل المغرب «2» . قرأ القرآن على أبيه، وعلى أبي محمد عبد الصمد الغسّاني، وأخذ عن ابن حميد كتاب سيبويه تفقّها، وعن غيره، وسمع عن ابن بشكوال، وقرأ أكثر من ستّين تأليفا بين كبار وصغار، وكمل له على أبي محمد بن عبد الله، بين قراءة وسماع، نحو من ستة وثلاثين تأليفا، منها الصّحيحان، وأكثر عن ابن حبيش، والسّهيلي، وابن الفخّار وغيرهم. واستيفاء مشيخته يشقّ.
شعره: قال الأستاذ: أنشدنيه ابنه أبو القاسم، ونقلت من خطه «3» : [الوافر]
أتدري أنّك الخطّاء حقّا ... وأنّك بالذي تدري «4» رهين؟
وتغتاب «5» الألى «6» فعلوا وقالوا ... وذاك الظّنّ والإفك «7» المبين
مولده: في محرم سنة ثمان وأربعين وخمسمائة «8» .
وفاته: كان آخر عمره قد أعيد إلى مرسية، قصدها من الحضرة، فمات بغرناطة سحر يوم الخميس الثاني لربيع الأول اثنتي عشرة وستمائة، ونقل منها في تابوته الذي ألحد فيه، يوم السبت التاسع عشر لشعبان من السنة إلى مالقة، فدفن بها.
عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن أحمد ابن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري
من أهل قرطبة، يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن ربيع.
حاله: كان، رحمه الله، أديبا، كاتبا، شاعرا، نحويا، فقيها أصوليّا، مشاركا في علوم، محبّا في القراءة، وطيّا عند المناطرة، متناصفا، سنيّا، أشعري المذهب والنّسب، مصمّما على طريقة الأشعريّة، ملتزما لمذهب أهل السّنّة المالكي، من بقايا الناس وعليتهم، ومن آخر طلبة الأندلس المشاركين الجلّة، المصمّمين على مذهب أهل السّنة، المنافرين للمذاهب الفلسفية والمبتدعة، والزّيغ. ولّي قضاء مواضع من الأندلس، منها مدينة شريش ورندة ومالقة، وأمّ وخطب بجامعها. ثم ولّي قضاء الجماعة «1» بحضرة غرناطة، وعقد بها مجلسا للإقراء، فانتفع به طلبتها، واستمرّ على ذلك، وكانت ولايته غرناطة نحوا من سبعة أعوام.
مشيخته: أخذ عن أبيه أبي عامر وتفقّه به، وعن الخطيب أبي جعفر بن يحيى الحميري، وتلا عليه، وتأدّب به، وعن الأستاذ أبي الحسن بن خروف، وروى مع هؤلاء عن القاضي أبي القاسم بن بقي، وأبي محمد بن حوط الله، وأبي عبد الله بن أصبغ، وغيرهم. وأجاز له الشيخ المسنّ أبو الحسن علي بن أحمد بن علي الغافقي الشّقوري، وله به علوّ، وبالأستاذ الخطيب المسنّ أبي جعفر بن يحيى المتقدم.
وفاته: توفي في السابع عشر لشوال سنة ست وستين وستمائة، ولم يخلف بعده مثله، ولا من يقاربه.
عبد الله بن إبراهيم بن الزبير بن الحسن ابن الحسين الثقفي العاصمي
من ولد عاصم بن مسلم، الداخل في طلعة بلج الملقّب بالعريان، أخو الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، شقيقه، يكنى أبا محمد.
حاله: كان طبيبا ماهرا، كاتبا شاعرا، ذاكرا للّغة، صنع «2» اليدين، متقدّما في أقرانه نباهة وفصاحة، معدوم النظير في الشجاعة والإقدام، يحضر الغزوات، فارسا وراجلا، ولقي بفحص غرناطة «3» ليلا نصرانيا يتجسّس، فأسره وجرّه، وأدخله البلد، ولم يلتفت إلى ثمنه استكتاما لتلك الفعلة.
مشيخته: أخذ القرآن عن الأستاذ أبي عبد الله بن مستقور، وروى عن أبي يحيى بن عبد الرحيم، وأبي الوليد العطار، وأبي القاسم بن ربيع، وأبي الخطار بن خليل، وأخذ عن أبي عمر بن حوط الله بمالقة، وابن أبي ريحانة. وبسبتة على أبي بكر بن مشليون. وأجاز له أبو بكر بن محرز، وأبو الحسن الشّاري. وأخذ عن الأستاذ الناقد أبي الحسن علي بن محمد الكناني.
مولده: ولد بغرناطة لسبع عشرة ليلة خلت من ذي قعدة سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
وفاته: توفي بها سحر أول يوم من ذي قعدة سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
عبد الله بن موسى بن عبد الرحمن بن حمّاد الصّنهاجي
يكنى أبا يحيى.
حاله: طالب نبيل فاضل، ورع زاهد، مؤثر في الدنيا بما تملّكه، تال لكتاب الله في جميع الأوقات.
أخباره في الإيثار: وجّه له السيد أبو إسحاق ابن الخليفة أبي يعقوب «1» خمسمائة دنير ليصلح بها من شأنه، فصرف جميعها على أهل السّتر في أقلّ من شهر. ومرّ بفتى في إشبيلية، وأعوان القاضي يحملونه إلى السّجن، وهو يبكي، فسأله، فقال: أنا غريب، وطولبت بخمسين دنيرا، وبيدي عقود، وطولبت بضامن فلم أجده، فقال: له الله، قال: نعم، قال: فدفع له خمسين دنيرا، قال: أشهد لك بها، فضجر وقال: إن الله إذا أعطى عبده شيئا لم يشهد به عليه، وتركه وانصرف لشأنه، وكانت عنده معرفة وأدب.
مولده: بغرناطة في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة.
ومن ترجمة الكتّاب والشعراء بين أصلي وطارىء
عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله الأزدي «2»
من أهل بلّش، يكنى أبا محمد، ويعرف بابن المرابع.