بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 319

حاله: كان، رحمه الله، أديبا، كاتبا، شاعرا، نحويا، فقيها أصوليّا، مشاركا في علوم، محبّا في القراءة، وطيّا عند المناطرة، متناصفا، سنيّا، أشعري المذهب والنّسب، مصمّما على طريقة الأشعريّة، ملتزما لمذهب أهل السّنّة المالكي، من بقايا الناس وعليتهم، ومن آخر طلبة الأندلس المشاركين الجلّة، المصمّمين على مذهب أهل السّنة، المنافرين للمذاهب الفلسفية والمبتدعة، والزّيغ. ولّي قضاء مواضع من الأندلس، منها مدينة شريش ورندة ومالقة، وأمّ وخطب بجامعها. ثم ولّي قضاء الجماعة «1» بحضرة غرناطة، وعقد بها مجلسا للإقراء، فانتفع به طلبتها، واستمرّ على ذلك، وكانت ولايته غرناطة نحوا من سبعة أعوام.
مشيخته: أخذ عن أبيه أبي عامر وتفقّه به، وعن الخطيب أبي جعفر بن يحيى الحميري، وتلا عليه، وتأدّب به، وعن الأستاذ أبي الحسن بن خروف، وروى مع هؤلاء عن القاضي أبي القاسم بن بقي، وأبي محمد بن حوط الله، وأبي عبد الله بن أصبغ، وغيرهم. وأجاز له الشيخ المسنّ أبو الحسن علي بن أحمد بن علي الغافقي الشّقوري، وله به علوّ، وبالأستاذ الخطيب المسنّ أبي جعفر بن يحيى المتقدم.
وفاته: توفي في السابع عشر لشوال سنة ست وستين وستمائة، ولم يخلف بعده مثله، ولا من يقاربه.
عبد الله بن إبراهيم بن الزبير بن الحسن ابن الحسين الثقفي العاصمي
من ولد عاصم بن مسلم، الداخل في طلعة بلج الملقّب بالعريان، أخو الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، شقيقه، يكنى أبا محمد.
حاله: كان طبيبا ماهرا، كاتبا شاعرا، ذاكرا للّغة، صنع «2» اليدين، متقدّما في أقرانه نباهة وفصاحة، معدوم النظير في الشجاعة والإقدام، يحضر الغزوات، فارسا وراجلا، ولقي بفحص غرناطة «3» ليلا نصرانيا يتجسّس، فأسره وجرّه، وأدخله البلد، ولم يلتفت إلى ثمنه استكتاما لتلك الفعلة.


صفحه 320

مشيخته: أخذ القرآن عن الأستاذ أبي عبد الله بن مستقور، وروى عن أبي يحيى بن عبد الرحيم، وأبي الوليد العطار، وأبي القاسم بن ربيع، وأبي الخطار بن خليل، وأخذ عن أبي عمر بن حوط الله بمالقة، وابن أبي ريحانة. وبسبتة على أبي بكر بن مشليون. وأجاز له أبو بكر بن محرز، وأبو الحسن الشّاري. وأخذ عن الأستاذ الناقد أبي الحسن علي بن محمد الكناني.
مولده: ولد بغرناطة لسبع عشرة ليلة خلت من ذي قعدة سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
وفاته: توفي بها سحر أول يوم من ذي قعدة سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
عبد الله بن موسى بن عبد الرحمن بن حمّاد الصّنهاجي
يكنى أبا يحيى.
حاله: طالب نبيل فاضل، ورع زاهد، مؤثر في الدنيا بما تملّكه، تال لكتاب الله في جميع الأوقات.
أخباره في الإيثار: وجّه له السيد أبو إسحاق ابن الخليفة أبي يعقوب «1» خمسمائة دنير ليصلح بها من شأنه، فصرف جميعها على أهل السّتر في أقلّ من شهر. ومرّ بفتى في إشبيلية، وأعوان القاضي يحملونه إلى السّجن، وهو يبكي، فسأله، فقال: أنا غريب، وطولبت بخمسين دنيرا، وبيدي عقود، وطولبت بضامن فلم أجده، فقال: له الله، قال: نعم، قال: فدفع له خمسين دنيرا، قال: أشهد لك بها، فضجر وقال: إن الله إذا أعطى عبده شيئا لم يشهد به عليه، وتركه وانصرف لشأنه، وكانت عنده معرفة وأدب.
مولده: بغرناطة في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة.
ومن ترجمة الكتّاب والشعراء بين أصلي وطارىء
عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله الأزدي «2»
من أهل بلّش، يكنى أبا محمد، ويعرف بابن المرابع.


صفحه 321

حاله: من نبهاء أدباء البادية، خشن الظاهر، منطو على لوذعيّة متوارية في مظهر جفوة، كثير الانطباع عند الخبرة، قادر على النظم والنثر، متوسّط الطّبقة فيهما، مسترفد بالشعر، سيّال القريحة، مرهوب الهجاء، مشهور المكان ببلده، يعيش من الخدم المخزنيّة، بين خارص وشاهد، وجدّ بذلك وقته، يوسّط رقاعته، فتنجح الوسيلة، ويتمشّى له بين الرّضا والسّخط الغرض.
وجرى ذكره في «التاج» بما نصّه «1» : «طويل القوادم والخوافي، كلف على كبر سنّه بعقائل القوافي، شاب في الأدب وشبّ، ونشق ريح البيان لمّا هبّ، فحاول رفيعه «2» وجزله، وأجاد جدّه، وأحكم هزله. فإن مدح صدح، وإن وصف أنصف، وإن عصف قصف، وإن أنشأ ودوّن، وتقلّب في أفانين البلاغة وتلوّن، أفسد ما شاء الله وكوّن، فهو شيخ الطريقة الأدبيّة وفتاها، وخطيب حفلها كلّما أتاها، لا يتوقّف عليه من أغراضها غرض، ولا يضيع لديه منها مفترض. ولم تزل بروقه تتألّق، ومعانيه بأذيال الإحسان تتعلّق، حتى برّز في أبطال الكلام وفرسانه، وذعرت القلوب لسطوة «3» لسانه، وألقت إليه الصّناعة زمامها، ووقفت عليه أحكامها. وعبر البحر منتجعا بسعره «4» ، ومنفقا في سوق الكساد من شعره «5» ، فأبرق وأرعد، وحذّر وتوعّد «6» ، وبلغ جهد إمكانه، في التّعريف بمكانه، فما حرّك ولا هزّ، وذلّ في طلب الرّفد وقد عزّ، وما برح أن رجع إلى وطنه الذي اعتاده، رجوع الحديث إلى قتاده.
شعره: قال في «التاج» : وقد أثبتّ من نزعاته، وبعض مخترعاته، ما يدلّ على سعة باعه، ونهضة ذراعه. فمن النسيب قوله «7» : [البسيط]
ما للمحبّ دواء يذهب الألما ... عنه سوى لمم فيه ارتشاف لمى
ولا يردّ عليه نوم مقلته ... إلّا الدّنوّ إلى من شفّه سقما
يا حاكما والهوى فينا يؤيّده ... هواك فيّ بما ترضاه قد حكما
أشغلتني بك شغلا شاغلا فلم «8» ... تناسى، فديتك، عنّي بعد ذاك لما؟


صفحه 322

ملكت روحي فأرفق قد علمت بما ... يلقى ولا حجّة تبقى لمن علما
ما غبت عنّي إلّا غاب عن بصري ... بدرا إذا لاح يجلي نوره الظّلما
ما لحت لي فدنا طرفي لغيرك يا ... مولى لحا فيه جفني النوم قد حرما
طوعا لطيعك لا أعصيك فافض بما ... ترضاه أرضى بما ترضى ولا جرما
إنّ الهوى يقتضي ذلّا لغيرك لو ... أفادني فيك قربا يبرّد الألما
سلمت من كل عيب يا محمد لا ... كن قلب صبّك من عينيك ما سلما
ومن مخاطباته الأدبية، ما كتب به إلى شيخ الصّوفية ببلده مع طالع من ولده:
[الطويل]
مماليكم قد زاد فيكم مرابع ... من الأفق الكوني باليمن طالع
بأنواركم يهدى إلى سبل الهدى ... ويسمو لما تسمو إليه المطالع
فواسوه منكم بالدّعاء فإنه ... مجاب بفضل الله للخلق نافع
أفاض عليه الله من بركاتكم ... وأبقاكم ذو العرش ما جنّ ساجع
فوقّع له الشيخ المخاطب بها، أبو جعفر بن الزيات، رحمه الله، بما نصّه:
[الطويل]
عسى الله يؤتيه من العلم حصّة ... تصوّب على الألباب منها ينابع
ويجعله طرفا لكلّ سجيّة ... مطهّرة للناس فيها منافع
ويلحقه في الصالحات بجدّه ... فيثني عليه الكلّ دان وشاسع
وذو العرش جلّ أسما عميم نواله ... وخير الورى في نصّ ما قلت شافع
فما أنت دوني يا أباه مهنّأ ... به فالسرور الكلّ بابنك جامع
وله يستدعي إلى الباكور: [الوافر]
بدار بدار قد آن البدار ... إلى أكواس باكور تدار
تبدّت رافلات في مسوح ... له لون الدّياجي مستعار
وقد رقمت بياضا في سواد ... كأنّ الليل خالطه النّهار
وقد نضجت وما طبخت بنار ... وهل يحتاج للباكور نار؟
ولا تحتاج مضغا لا وليس ... عجيب لا يشقّ له غبار
فقل للخلق قل للضّرس دعني ... ففي البلع اكتفاء واقتصار


صفحه 323

وممّا وقع له أثناء مقامات تشهد باقتداره، مقطوعة سهلة وهي «1» : [المتقارب]
رعى الله عهدا حوى ما حوى ... لأهل الوداد وأهل الهوى
أراهم أمورا حلا وردها ... وأعطاهم السؤل كيف نوى «2»
ولمّا حلا الوصل صالوا له ... وراموه مأوى وماء روى «3»
وأوردهم سر أسرارهم ... وردّ إلى كلّ داء دوا «4»
وما أمل طال إلّا وهى ... ولا آمل «5» صال إلّا هوى
وقال يرثي ديكا فقده، ويصف الوجد الذي وجده، ويبكي من عدم أذانه، إلى غير ذلك من مستطرف شانه «6» : [البسيط]
أودى به الحتف لمّا جاءه الأجل ... ديكا فلا عوض منه ولا بدل
قد كان لي أمل في أن يعيش فلم ... يثبت مع الحتف في بغيا لها «7» أمل
فقدته فلعمري إنها عظة ... وبالمواعظ تذري دمعها المقل
كأنّ مطرف وشي فوق ملبسه ... عليه من كلّ حسن باهر حلل
كأنّ إكليل كسرى فوق مفرقه ... وتاجه فهو عالي الشّكل محتفل
مؤقّت لم يكن يحزى «8» له خطأ ... فيما يرتّب من ورد ولا خطل «9»
كأنّ زرقيل «10» فيما مرّ علّمه ... علم المواقيت فيما «11» رتّب الأول


صفحه 324

يرحّل الليل يحيى بالصراخ فما ... يصدّه كلل عنه ولا ملل
رأيته قد وهت «1» منه القوى فهوى ... للأرض فعلا يريه الشّارب الثّمل
لو يفتدى بديوك الأرض قلّ له ... ذاك الفداء «2» ولكن فاجأ الأجل
قالوا الدّواء فلم يغن الدّواء «3» ولم ... ينفعه من ذاك ما قالوا وما فعلوا
أمّلت فيه ثوابا أجر محتسب ... إن قلت «4» ذلك «5» صحّ القول والعمل
وأمره السلطان أبو عبد الله سادس الملوك النّصريين في بعض أسفاره، وقد نظر إلى شلير «6» ، وتردّى بالثلج وتعمّم، وكمل ما أراد من بزّته وتمّم، أن ينظم أبياتا في وصفه، فقال بديهة «7» : [الطويل]
وشيخ جليل القدر قد طال عمره ... وما عنده علم بطول ولا قصر
عليه لباس أبيض باهر السّنا ... وليس بثوب أحكمته يد البشر
وطورا «8» تراه كلّه كاسيا به ... وكسوته فيها لأهل النّهى عبر
وطورا تراه عاريا ليس يشتكي «9» ... لحرّ «10» ولا برد من الشمس والقمر
وكم مرّت الأيام وهو كما ترى ... على حاله لم يشك ضعفا ولا كبر
فذاك «11» شلير شيخ غرناطة التي ... لبهجتها في الأرض ذكر قد انتشر «12»
بها ملك سامي المراقي أطاعه ... كبار ملوك الأرض في حالة الصّغر
تولّاه ربّ العرش منه بعصمة ... تقيه مدى الأيام من كلّ ما ضرر
نثره: ونثره كثير ما بين مخاطبات، وخطب، ومقطعات، ولعب، وزرديّات شأنها عجب. فمن ذلك ما خاطب به الرئيس أبا سعيد بن نصر يستجدي أضحية:


صفحه 325

يقول شاكر الأيادي: وذاكر فخر كل نادي، وناشر غرر الغرر للعاكف والبادي، والرائح والغادي، اسمعوا مني حديثا تلذّة الأسماع، ويستطرفه الاستماع، ويشهد بحسنه الإجماع، ويجب عليه الاجتماع، وهو من الأحاديث التي لم تتفق إلّا لمثلي، ولا ذكرت عن أحد قبلي، وذلك يا معشر الألبّاء، والخلصاء الأحبّاء، أني دخلت في هذه الأيام داري، في بعض أدواري، لأقضي من أخذ الغذاء أوطاري، على حسب أطواري، فقالت لي ربّة البيت: لم جئت، وبما أتيت؟ قلت: جئت لكذا وكذا، فهات الغذا، فقالت: لا غذا لك عندي اليوم، ولو أودى بك الصّوم، حتى تسل الاستخارة، وتفعل كما فعل زوج الجارة، طيّب الله نجاره، وملأ بالأرزاق وجاره.
قلت: وما فعل قريني، وأرني من العلامة ما أحببت أن تريني. قالت: إنه فكّر في العيد، ونظر في أسباب التّعييد، وفعل في ذلك ما يستحسنه القريب والبعيد، وأنت قد نسيت ذكره ومحوته من بالك، ولم تنظر إليه نظرة بعين اهتبالك، وعيد الأضحى في اليد، والنّظر في شراء الأضحية اليوم أوفق من الغد. قلت: صدقت، وبالحقّ نطقت، بارك الله فيك، وشكر جميل تحفّيك، فلقد نبّهت بعلك لإقامة السّنة، ورفعت عنه من الغفلة منّة. والآن أسير لأبحث عمّا ذكرت، وأنظر في إحضار ما إليه أشرت، ويتأتّى ذلك إن شاء الله بسعدك، وتنالين فيه من بلوغ الأمر غاية قصدك، والجدّ ليس من الهزل، والأضحية للمرأة وللرجل الغزل. قالت: دعني من الخرافات، وأخبار الزّرافات، فإنّك حلو اللسان، قليل الإحسان، تخذت الغربة صحبتك إلى ساسان، فتهاونت بالنّساء، وأسأت فيمن أساء، وعوّدت أكل خبزك في غير منديل، وإيقاد الفتيل دون قنديل، وسكنى الخان، وعدم ارتفاع الدّخان، فما تقيم موسما، ولا تعرف له ميسما، وأخذت معي في ذلك بطويل وعريض، وكلانا في طرفي نقيض، إلى أن قلت لها: إزارك وردائي، فقد تفاقم بك أمر دائي، وما أظنّك إلّا بعض أعدائي، قالت: ما لك والإزار، شطّ بك المزار؟ لعلك تريد إرهانه في الأضحية والأبزار، اخرج عني يا مقيت، لا عمرت معك ولا بقيت، أو عدمت الدّين، وأخذ الورق بالعين. يلزمني صوم سنة، لا أغفيت معك سنة، إلّا إن رجعت بمثل ما رجع به زوج جارتي، وأرى لك الرّبح في تجارتي. فقمت عنها وقد لوت رأسها وولولت، وابتدرت وهرولت، وجالت في العتاب وصوّلت، وضمّت بنتها وولدها، وقامت باللّجج والانتصار بالحجج أودها، فلم يسعني إلّا أن عدوت أطوف السّكك والشوارع، وأبادر لما غدوت بسبيله وأسارع، وأجوب الآفاق، وأسأل الرّفاق، وأخترق الأسواق، وأقتحم زريبة بعد زريبة، وأختبر منها البعيدة والقريبة، فما استرخصته استنقصته، وما استغليته استعليته، وما وافق غرضي، اعترضني دونه عدم عرضي، حتى انقضى ثلثا يومي، وقد عييت بدوراني وهومي، وأنا لم أتحصل من


صفحه 326

الابتياع على فائدة، ولا عادت عليّ فيه من قضاء الأرب عائدة، فأومأت الإياب، وأنا أجد من خوفها ما يجد صغار الغنم من الذّئاب، إلى أن مررت بقصّاب يقصب في مجزره، قد شدّ في وسطه مئزره، وقصّر أثوابه حتى كشف عن ساقيه، وشمّر عن ساعديه حتى أبدى مرفقيه، وبين يديه عنز قد شدّ يديه في رقبته وهو يجذبه فيبرك، ويجرّه فما يتحرّك، ويروم سيره فيرجع القهقرى، ويعود إلى ورا، والقصاب يشدّ على إزاره، خيفة من فراره، وهو يقول: اقتله من جان باغ، وشيطان طاغ، ما أشدّه، وما ألذّه وما أصدّه، وما أجدّه، وما أكثره بشحم، وما أطيبه بلحم، الطّلاق يلزمه إن كان عاين تيسا مثله، أو أضحية تشبهه قبله، أضحية حفيلة، ومنحة جليلة. هنّأ الله من رزقها، وأخلف عليها رزقها. فاقتحمت المزدحم أنظر مع من نظر، وأختبر فيمن اختبر. وأنا والله لا أعرف في التقليب والتّخمين، ولا أفرّق بين العجف والسّمين، غير أني رأيت صورة دون البغل وفوق الحمار، وهيكلا يخبرك عن صورة العمّار، فقلت للقصّاب: كم طلبك فيه، على أن تمهل الثّمن حتى أوفيه؟ فقال: ابغني فيه أجيرا، وكن له الآن من الذّبح مجيرا، وخذه بما يرضي، لأول التقضّي. قلت:
استمع الصوت، ولا تخف الفوت. قال: ابتعه مني نسيّة، وخذه هديّة، قلت: نعم، فشقّ لي الضمير، وعاكسني فيه بالنّقير والقطمير، قال: تضمن لي فيه عشرين دينارا، أقبضها منك لانقضاء الحول دنيّرا دنيّرا، قلت: إنّ هذا لكثير، فاسمح منه بإحاطة اليسير. قال: والذي فلق الحبّة، وبرّأ النّسمة، لا أنقصك من هذا، وما قلت لك سمسمة، اللهمّ إن شئت السّعة في الأجل، فأقضي لك ذلك دون أجل، فجلبني للابتياع منه الإنساء في الأمد، وغلبني بذلك فلم أفتقر منه لرأي والد ولا ولد، ولا أحوجت نفسي في ذلك لمشورة أحد، وقلت: قد اشتريته منك فضع البركة، ليصحّ النّجح في الحركة. فقال: فقيه بارك الله فيه قد بعته لك، فاقبض متاعك، وثبّت ابتياعك، وها هو في قبضك فاشدد وثاقه، وهلمّ لنعقد عليك الوثاقة. فانحدرت معه لدكان التّوثيق، وابتدرت من السّعة إلى الضّيق، وأوثقني بالشادّة تحت عقد وثيق، وحملني من ركوب الدّين ولحاق الشّين في أوعر طريق. ثم قال لي: هذا تيسك فشأنك وإياه، وما أظنّك إلّا تعصياه، وأت بحمّالين أربعة فإنك لا تقدر أن ترفعه، ولا يتأتى لك أن يتبعك ولا أن تتبعه، ولم يبق لك من الكلفة إلّا أن يحصل في محلّك، فيكمل سرور أهلك. وانطلقت للحمّال وقلت: هلم إليّ، وقم الآن بين يديّ، حتى انتهينا إلى مجزرة القصّاب، والعنز يطلب فلا يصاب، فقلت: أين التّيس، يا أبا أويس؟ قال: إنه قد فرّ، ولا أعلم حيث استقرّ. قلت: أتضيع عليّ مالي، لتخيب آمالي، والله لا يحزنك بالعصا، كمن عصا، ولا رفعتك إلى الحكّام، تجري عليك منهم الأحكام. قال: ما لي علم به، ولا بمنقلبه، لعلّه فرّ لأمّه وأبيه، وصاحبته