بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 347

خالصا لوجهه، وكفيلا بمعرفته بمنّه وكرمه، وهو سبحانه يبقي بركتكم، ويكلأ ذاتكم الكريمة وحوزتكم، بفضله وطوله وقوته، والسلام الكريم يخصّكم به كثيرا أثيرا، معظّم مقداركم، وملتزم إجلالكم وإكباركم، ابن رضوان، وفّقه الله، وكتب في الثامن والعشرين لرجب من عام سبعة وستين وسبعمائة.
وهو الآن بحاله الموصوفة، أعانه الله. وله تردّد إلى حضرة غرناطة، واجتياز وإلمام.
عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن سعيد ابن خلف بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن الحسن ابن عثمان بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عمار بن ياسر
غرناطي، قلعي «1» الأصل، سكن مالقة.
حاله: قال صاحب «الطالع» «2» : هو المشهور باليربطول «3» ، زاد على أخيه بخفّة الروح، وطيب النوادر، واختار سكنى مالقة، فما زال بها يمشي على كواهل ما تعاقب فيها من الدول، ويقلّب طرفه مما نال من ولاياتها بين الخيل والخول، حتى أنّ ابن عسكر، قاضي مالقة وعالمها، كان من جملة من مدحه، وتوسّل بها إلى بلوغ أغراضه عند القوم، وصنّف له شجرة الأنساب السّعيدية. وكان قبيح المنظر، مع كونه من رياحين الفضل والأدب. فمن الحكايات المتعلقة بذلك، أنه دخل يوما على الوالي بغرناطة، السّيد أبي إبراهيم «4» ، وجعل يساره، وكان مختصّا به، واقتضى ذلك أن ردّ ظهره للشيخ الفقيه الجليل، عميد البلدة، أبي الحسن سهل بن مالك، ثم التفت فردّ وجهه إليه، وقال: أعتذر لكم بأمر ضروري، فقال أبو الحسن: إنما تعتذر لسيّدنا، فانقلب المجلس ضحكا. ومنها أنه خرج إلى سوق الدواب مع ابن يحيى الحضرمي


صفحه 348

المشهور أيضا بخفّة الروح، وكان مسلّطا على بني سعيد، فبينما هو واقف، إذ النخّاس ينادي على فرس: فم يشرب من القادوس، وعين تحصد بالمنجل، فقال له:
يا قائد، أبا محمد، سر بنا من هنا لئلّا تؤخذ من يدي، ولا أقدر لك بحيلة، فعلم مقصده، ولم يخف عليه أنّ تلك صورته، فقال: سل جارتك عنها، فمضى لأمّه، وأوقع بينها وبينه، فحلف أن لا يدخل عليها الدار. قال أبو عمران بن سعيد: واتفق أن جزت بدار أمّ الحضرمي، فرأيته إلى ناحية، وهو كئيب منكسر، فقلت له: ما خبرك يا أبا يحيى؟ فقال لي عن أمّه وعن نفسه: النساء يرمين أبناء الزّنا صغارا، وهذه العجوز الفاعلة الصّانعة، ترميني ابن خمسين سنة، فقلت له: وما سبب ذلك؟
فقال: ابن عمّك يوسف الجمال، لا أخذ الله له بيد، فما زلت حتى أصلحت بينها وبينه.
ومن نوادر أجوبته المسكتة، أنّه كان كثير الخلطة بمرّاكش لأحد السّادة، لا يفارقه، إلى أن ولي ذلك السّيد، وتموّل، واشتغل بدنياه عنه، فقيل له: نرى السيد فلانا أضرب عن صحبتك ومنادمتك، فقال: كان يحتاج إليّ وقتا كان يتبخّر بي، وأمّا اليوم، فإنه يتبخّر بالعود والنّدّ والعنبر. وقال له شخص كان يلقّب ب «فسيوات» في مجلس خاص: أي فائدة في «اليربطول» ؟ وفيم ذا يحتاج إليه؟ فقال له: لا تقل هذا، فإنه يقطع رائحة الفسا، فودّ أنه لم ينطق. وتكلّم شخص من المترفين فقال: أمس بعنا الباذنجان التي بدار خالتي، بعشرين مثقالا، فقال: لو بعتم الكريز التي فيها لساوى أكثر من مائة.
وأخباره شهيرة؛ قال أبو الحسن علي بن موسى: وقعت في رسائل الكاتب الجليل، شيخ الكتاب أبي زيد الفازازي، على رسائل في حق أبي محمد اليربطول، ومنه إليه، فمنها في رسالة عن السّيد أبي العلاء، صاحب قرطبة، إلى أخيه أبي موسى صاحب مالقة، ويصلكم به إن شاء الله، القائد الأجلّ الأكرم، الحسيب الأمجد الأنجد، أبو محمد أدام الله كرامته، وكتب سلامته، وهو الأكيد الحرمة، القديم الخدمة، المرعي الماتّة والذّمّة، المستحق البرّ في وجوه كثيرة، ولمعان أثيرة، منها أنه من عقب عمّار بن ياسر، رضوان الله عليه، وحسبكم هذا مجدا مؤثّلا، وشرفا موصلا، ومنها تعيّن بيته وسلفه، واختصاصهم من النّجابة والظهور، بأنوه الاسم وأشرفه، وكونهم بين معتكف على مضجعه، أو مجاهد بمرهفه ومثقّفه، ومنها سبقهم إلى هذا الأمر العزيز، وتميّزهم بأثرة الشّفوف والتّمييز، ومنها الانقطاع إلى أخيكم، ممدّ مورده ومصدره، وكرم مغيبه ومحضره، وهذه وسائل شتى، وأذمّة قلّ ما تتأتّى لغيره.


صفحه 349

وفاته: كانت وفاته بمالقة بعد عشرين وستمائة؛ قال الرئيس أبو عمر بن حكم:
شاهدته قد وصل إلى السيد أبي محمد البيّاسي «1» أيام ثورته، وهو بشنتلية «2» مع وفد مالقة بالبيعة سنة ثنتين وعشرين وستمائة.
ومن الصوفية والفقراء
عبد الله بن عبد البر بن سليمان بن محمد بن محمد ابن أشعث الرّعيني «3»
من «4» أهل أرجدونة «5» من كورة ريّه، يكنى أبا محمد، ويعرف بابن أبي المجد.
حاله: كان «6» من أعلام الكور «7» سلفا، وترتّبا، وصلاحا، وإنابة، ونيّة في الصالحين، متّسع الذّرع للوارد، كثير الإيثار بما تيسّر، مليح التخلّق، حسن السّمت، طيّب النفس، حسن الظنّ، له حظّ من الطّلب، من فقه وقراءات وفريضة، وخوض في طريقة الصوفية، وأدب لا بأس به، قطع عمره خطيبا وقاضيا ببلده، ووزيرا، وكتب بالدار السلطانية، في كل ذلك لم يفارق السّداد.
مشيخته: قرأ «8» على الأستاذ الجليل أبي جعفر بن الزّبير؛ رحل إليه من وطنه عام اثنين وتسعين وستمائة، ولازمه وانتفع به، أخذ عنه الكتاب العزيز والعربية، وسمع عليه الكثير من الحديث، وعلى الخطيب الصوفي المحقّق أبي الحسن فضل بن محمد بن فضيلة المعافري، وعلى الخطيب المحدّث أبي عبد الله محمد بن عمر بن رشيد، وسمع على الشيخ القاضي الرّاوية أبي محمد النّبعدي، والوزير المعمر


صفحه 350

المحدّث الحسيب أبي محمد عبد المنعم بن سماك العاملي، والعدل الرّاوية أبي الحسن بن مستقور. وقرأ بمالقة على الأستاذ أبي بكر بن الفخّار، وأجازه من أهل المشرق طائفة.
شعره: ممّا حدّثني ابن أخته صاحبنا أبو عثمان بن سعيد، قال: نظم الفقيه القاضي الكاتب أبو بكر بن شبرين ببيت الكتّاب مألف الجملة، رحمهم الله، هذين البيتين «1» : [الطويل]
ألا يا محبّ المصطفى، زد صبابة ... وضمّخ لسان الذّكر منه بطيبه
ولا تعبأن بالمبطلين فإنما ... علامة حبّ الله حبّ حبيبه
فأخذ الأصحاب في تذييل ذلك. فقال الشيخ أبو الحسن بن الجيّاب، رحمه الله «2» : [الطويل]
فمن يعمر الأوقات طرّا بذكره ... فليس نصيب في الهدى كنصيبه
ومن كان عنه معرضا طول دهره «3» ... فكيف يرجّيه شفيع ذنوبه؟
وقال أبو القاسم بن أبي القاسم بن أبي العافية «4» : [الطويل]
أليس الذي جلّى دجى الجهل هديه ... بنور أقمنا بعده نهتدي به؟
ومن لم يكن من دأبه «5» شكر منعم ... فمشهده «6» في الناس مثل مغيبه
وقال أبو بكر بن أرقم «7» : [الطويل]
نبيّ هدانا من ضلال وحيرة ... إلى مرتقى سامي المحلّ خصيبه
فهل يذكر «8» الملهوف فضل مجيره ... ويغمط شاكي الداء شكر طبيبه؟
وانتهى القول إلى الخطيب أبي محمد بن أبي المجد، فقال، رحمه الله، مذيّلا كذلك «9» : [الطويل]
ومن قال مغرورا: حجابك ذكره ... فذلك مغمور طريد عيوبه
وذكر رسول الله فرض مؤكّد ... وكلّ محقّ قائل بوجوبه


صفحه 351

وقال يوما شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب هذين البيتين على عادة الأدباء في اختبار الأذهان «1» : [الخفيف]
جاهد النّفس جاهدا فإذا ما ... فنيت عنك فهي عين الوجود
وليكن حكمك «2» المسدّد فيها ... حكم سعد «3» في قتله لليهود
قال: فأجابه أبو محمد بن أبي المجد «4» : [الخفيف]
أيها العارف المعبّر ذوقا ... عن معان غزيرة في الوجود
إنّ حال الفناء «5» عن كلّ غير ... كمقام «6» المراد غير المريد
كيف لي بالجهاد غير معان ... وعدويّ «7» مظاهر بجنود؟
ولو أنّي حكمت فيمن ذكرتم ... حكم سعد لكنت جدّ سعيد
فأراها صبابة «8» بي فتونا ... وأراني في حبّها كيزيد
سوف أسلو بحبكم «9» عن سواها ... ولو أبدت فعل المحبّ الودود
ليس شيء سوى إلهك يبقى ... واعتبر صدق ذا بقول لبيد «10»
وفاته: توفي، رحمه الله، ليلة النصف من شعبان المكرم عام تسعة وثلاثين وسبعمائة. وكان يجمع الفقراء ويحضر طائفتهم، وتظهر عليه حال لا يتمالك معها، وربما أوحشت من لا يعرفه بها.
عبد الله بن فارس بن زيان
من بني عبد الوادي، تلمساني، يكنى أبا محمد، وينتمي إلى بني زيّان من بيت أمرائهم.


صفحه 352

كذا نقلت من خط صاحبنا الفقيه القاضي أبي الطاهر ... «1» قاضي الجماعة أبي جعفر بن فركون، وله بأحواله عناية، وله إليه تردّد كثير وزيارة. قال: ورد الأندلس مع أبيه، وهو طفل صغير، واستقرّ بقتّورية في ديوان غزانها. ولما توفي أبوه سلك مسلكه برهة، ورفض ذلك، وجعل يتردّد بين الولد، وانقطع لشأنه.
حاله: هذا الرجل غريب النّزعة في الانقطاع عن الخلق، ينقطع ببعض جبال بني مشرف، واتخذ فيها كهوفا وبيوتا من الشّعر أزيد من أربعين عاما، وهلمّ جرّا، منفردا، لا يداخل أحدا، ولا يلابسه من العرب، ويجعل الحلفاء في عنقه ... «2»
اختلف فيه، فمن ناسب ذلك إلى التّلبيس وإلى لوثة تأتيه، وربما أثاب بشيء، ويطلبون دعاءه ومكالمته، فربما أفهم، وربما أبهم.
محنته: ذكروا أنه ورث عن أخ له مالا غنيّا، وقدم مالقة، وقد سرق تاجر بها ذهبا عينا، فاتّهم بها، فجرت عليه محنة كبيرة من الضّرب الوجيع، ثم ظهرت براءته، وطلب الحاكم الجائر منه العفو، فعفا عنه، وقال: لله عندي حقوق وذنوب، لعلّ بهذا أكفّرها، وصرف عليه المال فأباه، وقال: لا حاجة لي به فهو مال سوء، وتركه وانصرف، وكان من أمر انقطاعه ما ذكر.
شيء من أخباره: استفاض عنه بالجهة المذكورة شفاء المرضى، وتفريج الكربات ... «3» ، إلى غير ذلك من أخبار لا تحصى كثيرة. وهو إلى هذا العهد بحاله الموصوفة، وهو عام سبعين وسبعمائة.
مولده: بتلمسان عام تسعين وستمائة. ودخل غرناطة غير ما مرة.
عبد الله بن فرج بن غزلون اليحصبي «4»
يعرف بابن العسّال، ويكنى أبا محمد، طليطلي الأصل. سكن غرناطة واستوطنها، الصالح المقصود التّربة، المبرور البقعة، المفزع لأهل المدينة عند الشّدة.


صفحه 353

حاله: قال ابن الصّيرفي: كان، رحمه الله، فذّا في وقته، غريب الجود، طرفا في الخير والزهد والورع، له في كل جو متنفّس، يضرب في كل علم بسهم، وله في الوعظ تواليف كبيرة، وأشعاره في الزهد مشهورة، جارية على ألسنة الناس، أكثرها كالأمثال جيّدة الرّصعة، صحيحة المباني والمعاني. وكان يحلّق في الفقه، ويجلس للوعظ. وقال الغافقي «1» : كان فقيها جليلا، زاهدا، متفنّنا، فصيحا لسنا، الأغلب عليه حفظ الحديث والآداب والنحو، حافظا، عارفا بالتفسير، شاعرا مطبوعا. كان له مجلس، يقرأ عليه فيه الحفظ والتفسير، ويتكلّم عليه، ويقصّ «2» من حفظه أحاديث.
وألّف في أنواع من العلوم، وكان يعظ الناس بجامع غرناطة، غريبا في قوته، فذّا في دهره، عزيز الوجود.
مشيخته: روى «3» عن أبي محمد مكّي بن أبي طالب، وأبي عمرو المقرئ الدّاني، وأبي عمر بن عبد البرّ، وأبي إسحاق إبراهيم بن مسعود الإلبيري الزاهد، وعن أبيه فرج، وعن أبي زيد الحشاء القاضي، وعن القاضي أبي الوليد الباجي.
شعره: وشعره كثير، ومن أمثل ما روي منه قوله: [مخلع البسيط]
لست وجيها لدى إلهي ... في مبدإ الأمر والمعاد
لو كنت وجها «4» لما براني ... في عالم الكون والفساد
وفاته: توفي، رحمه الله، يوم الاثنين لعشر خلون من رمضان عام سبعة وثمانين وأربعمائة، وألحد ضحى يوم الثلاثاء بعده بمقبرة باب إلبيرة بين الجبانتين. ويعرف المكان إلى الآن بمقبرة العسّال. وكان له يوم مشهود، وقد نيّف على الثمانين، رحمه الله، ونفع به.
ومن الملوك والأمراء والأعيان والوزراء
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله [بن محمد] «5» ابن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن ابن معاوية، أمير المؤمنين، الناصر لدين الله «6»
الخليفة الممتّع، المجدود، المظفّر، البعيد الذكر، الشهير الصيت.


صفحه 354

حاله: كان أبيض، أشهل، حسن الوجه، عظيم الجسم، قصير الساقين. أول من تسمّى أمير المؤمنين، ولي الخلافة فعلا جدّه، وبعد صيته، وتوطّأ ملكه، وكأن خلافته كانت شمسا نافية للظلمات، فبايعه أجداده وأعمامه وأهل بيته، على حداثة السّن، وجدة العمر، فجدّد الخلافة، وأحيا الدعوة، وزيّن الملك، ووطّد الدولة، وأجرى الله له من السّعد ما يعظم عنه الوصف ويجلّ عن الذكر، وهيّأ له استنزال الثوار والمنافقين واجتثاث جراثيمهم.
بنوه: أحد عشر «1» ، منهم الحكم الخليفة بعده، والمنذر، وعبد الله، وعبد الجبار.
حجّابه: بدر مولاه، وموسى بن حدير.
قضاته «2» : جملة، منهم: أسلم بن عبد العزيز، وأحمد بن بقيّ، ومنذر بن سعيد البلوطي.
نقش خاتمه: «عبد الرحمن بقضاء الله راض» .
أمّه: أمّ ولد تسمى مزنة. وبويع له في ربيع الأول من سنة تسع وتسعين ومائتين «3» .
دخوله إلبيرة: قال المؤرخ «4» : أول غزوة غزاها بعد أن استحجب بدرا مولاه، وخرج إليها يوم الخميس رابع «5» عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ثلاثمائة، مفوّضا إليه، ومستدعيا نصره، واستئلاف الشّاردين، وتأمين الخائفين، إلى ناحية كورة جيّان، وحصن المنتلون، فاستنزل منه سعيد بن هذيل، وأناب إليه من كان نافرا عن الطاعة، مثل ابن اللّبّانة، وابن مسرّة، ودحون الأعمى. وانصرف إلى قرطبة، وقد تجوّل، وأنزل كلّ من بحصن من حصون كورة جيان، وبسطة، وناجرة، وإلبيرة، وبجّانة،