بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 373

يخيب لها السّعي. ولله درّ القائل: [الكامل]
لله بالإنسان في تعليمه ... بوساطة القلم الكريم عنايه
فالخطّ خطّ والكتابة لم تزل ... في الدهر عن معنى الكمال كنايه
وما أقرب، يا سيدي، هذه الدعوى لشهامتك، وكبر هامتك: [الكامل]
لو كنت حاضرهم بخندق بلج ... ولحمل ما قد أبرموه فصال
لخصصت بالدعوى التي عمّوا بها ... ولقيل: فصل جلاه الفصال
وتركت فرعون بن موسى عبرة ... تتقدّ منه بسيفه الأوصال
فاحمد الله الذي نجّاك من حضور وليمتها، ولم تشهد يوم حليمتها. وأما اعتذارك عما يقلّ من تفقّد الكنز، ومنتطح العنز، فورع في سيدي أتمّ من أن يتّهم بغيبة، ولسانه أعفّ من أن ينسب إلى ريبة، لما اتّصل به من فضل ضريبة، ومقاصد في الخير غريبة، إنما يستخفّ سيدي أفرط التّهم، رمي العوامل بالتّهم، فيجري أصحّ مجرى أختها، ويلبسها ثياب تحتها، بحيث لا إثم يترتّب، ولا هو ممن تعتب «1» ، وعلى الرجال فجنايته عذبة الجنا، ومقاصده مستطرفة لفصح أو كنى. أبقاه الله رب نفاضة وجرادة، ولا أخلى مبرده القاطع من برادة، وعوّده الخير عادة، ولا أعدمه بركة وسعادة، بفضل الله. والسلام عليه من وليّه المستزيد من ورش وليه، لا بل من قلائد حليه، محمد بن فركون القرشي، ورحمة الله وبركاته.
فراجعه المترجم بما نصه، وقد اتّهم أن ذلك من إملائي: [البسيط]
يا ملبس النّصح ثوب الغشّ متّهما ... يلوي النّصيحة عنه غير منتكص
وجاهلا باتخاذ الهزل مأدبة ... أشدّ ما يتوقّى محمل الرّخص
نصحته فقصاني فانقلبت إلى ... حال يغصّ بها من جملة الغصص
بالأمس أنكرت آيات القصاص له ... واليوم يسمع فيه سورة القصص
ممّن استعرت يا بابليّ هذا السّحر، ولم تسكن بناصية السحر، ولا أعملت إلى بابل هاروت امتطاء ظهر، ومن أين جئت بقلائد ذلك النّحر؟ أمن البحر، أو مما وراء النهر؟ ما لمثل هذه الأريحيّة الفاتقة، استنشقنا مهبّك ولا قبل هذه البارقة الفائقة، استكثرنا غيّك، يا أيها الساحر ادع لنا ربّك. أأضغاث أحلام ما تريه الأقلام، أم في لحظة تلد الأيام فرائد الأعلام؟ لقد عهدت بربعك محسن دعابة، ما فرعت شعابه، أو


صفحه 374

مصيبا في صبابة، ما قرعت بابه، ولا استرجعت قبل أن أعبر عبابه. اللهمّ إلّا أن تكون تلك الآيات البيّنات من بنات يراعتك، لا براعتك، ومغترس تلك الزّهر، الطالعة كالكواكب الزّهر، مختلس يد استطاعتك، لا زراعتك، وإلّا فنطّرح مصائد التعليم والإنشاء، وننتظر معنى قوله عزّ وجلّ يؤتي الحكمة من يشاء، أو نتوسّل في مقام الإلحاح والإلحاف، أن ننقل من غائلة الحسد إلى الإنصاف، وحسبي أن أطلعت بالحديقة الأنيقة، ووقفت من مثلى تلك الطّريقة على حقيقة، فألفيت بها بيانا، قد وضح تبيانا أو أطلق عنانا، ومحاسن وجدت إحسانا، فتمثّلت إنسانا، سرّح لسانا، وأجهد بنانا، إلّا أنّ صادح أيكتها يتململ في قيظ، ويكاد يتميّز من الغيظ، فيفيض ويغيض، ويهيض وينهض ثم يهيض، ويأخذ في طويل وعريض، بتسبيب وتعريض، ويتناهض في ذلك بغير مهيض، وفاتن كمائمها تسأل عن الصّادح، ويتلقّف عصا استعجاله ما يفكّه المادح، ويحرق بناره زند القادح، ويتعاطى من نفسه بالإعجاب، ويكاد ينادي من وراء حجاب، إن هذا لشيء عجاب. إيه بغير تمويه رجع الحديث الأول، إلى ما عليه المعوّل، لا درّ درّها من نصيحة غير صحيحة، ووصيّة مودّة صريحة، تعلقت بغير ذي قريحة، فهي استعجلتني بداهية كاتب، واستطالة ظالم عاتب، قد سلّ مرهفه، واستنجد مترفه، وجهّزها نحو كتيبته تسفر عن تحجيل، بغير تبجيل، وسحابة سجلّ ترمي بسجّيل، ما كان إلّا أن استقلّت، ورمتني بدائها وانسلّت، وألقت ما فيها وتخلّت، فحسبي الله تغلّب على فهمي، ورميت بسهمي، وقتلت بسلاحي، وأسكرت براحي، برئت برئت، مما به دهيت، أنت أبقاك الله لم تدن بها مني منالا وعزّا، فكيف بها تنسب إليّ بعدك وتعزى؟ نفسي التي هي أرقّ وأجدر بالمعالي وأحقّ، وشكلي أخفّ على القلوب وأدقّ، وشمائلي أملك فلا تسترق، ولساني هو الذي يسأل فلا يفلّ، وقدري يعزّ ويجلّ، عما فخرت أنت به من ملعب مائدة، ومجال رقاب متمايدة، فحاشى سيدي أن يقع منه بذلك مفخر، إلا أن يكون يلهو ويسخر، وموج بحره بالطّيّب والخبيث تزخر، وعين شكلي هي بحمد الله عين الظّرف، المشار إليه بالبنان والطّرف. وأما تعريض سيدي بصغر القامة، وتكبيره لغير إقامة، فمطّرد قول، ومدامة غول، وفريضة نشأ فيها عول، إذ لا مبالاة تجسم كائنا ما كان، أو ما سمعت أنّ السّر في السّكان، وإنما الجسد للرّوح مكان، ولم يبق إليه فقد يروح، وقد قال ويسألونك عن الرّوح، والمرء بقلبه ولسانه، لا بمستظهر عيانه، ولله درّ القائل: [الكامل]
لم يرضني أني بجسم هائل ... والرّوح ما وفّت له أغراضه
ولقد رضيت بأنّ جسمي ناحل ... والروح سابغة به فضفاضه


صفحه 375

ولما وقّع سيدي بمكتوبي على المرفوع والمنصوب، وظفرت يده بالمغضوب، والباحث المعصوب، لم يقلها زلّة عالم، وإني وقد وجدتها منية حالم، فعدّد وأعاد، وشدّد وأشاد. هلّا عقل ما قال، وعلم أن المقيل سيكون مقال، وزلّة العالم لا تقال، وأن الحرب سجال، وقبضة غيره هو المتلاعب في الحجال؟ وبالجملة فلك الفضل يا سيدي ما اعتني بمعناك، وارتفع بين مغاني الكرام مغناك، فمدة ركوبك الحمران لا تجارى، ولا يشقّ أحد لك غبارا. أبقاك الله تحفظ عرى هذا الوداد، ويشمل الجميع بركة ذلك النّاد، والسلام عليك من ابن الفصّال، ورحمة الله وبركاته.
وجعلا إليّ التّحكيم، وفوّضا لنظري التّفضيل فكتبت: [البسيط]
بارك عليها بذكر الله من قصص ... واذكر لها «1» ما أتى في سورة القصص
حيث اغتدى السّحر يلهو بالعقول وقد ... أحال بين حؤول «2» كيده وعصي «3»
عقائل العقل والسحر الحلال قوت ... من كافل الصّون بعد الكون جحر وصي «4»
وأقبلت تتهادى كالبدور إذا ... بسحر من فلك النّذور في حصص
من للبدور وربّات الخدور بها ... المثل غير مطيع والمثيل «5» عصي «6»
ما قرصة البدر والشّمس المنيرة أن ... قيست بمن قاسها «7» من جملة القرض
تالله ما حكمها يوما بمنتقض ... كلّا ولا بدرها يوما بمنتقص
إن قال حكمي فيها بالسّواد فقد ... أمنت ما يحذر القاضي من الغصص


صفحه 376

أو كنت أرخصت في التّرجيح مجتهدا ... لم يقبل الورع الفتيا مع الرّخص
يا مدلج ليل التّرجيح، قف فقد خفيت الكواكب، ويا قاضي طرف التّحسين والتّقبيح، تسامت والحمد لله المناكب، ويا مستوكف خبر الوقيعة من وراء أقتام القيعة تصالحت المواكب. حصحص الحقّ فارتفع اللّجاج، وتعارضت الأدلّة فسقط الاحتجاج، ووضعت الحرب أوزارها فسكن العجاج، وطاب نحل الأقلام بأزهار الأحلام فطاب المجاج، وقلّ لفرعون البيان وإن تألّه، وبلّد العقول وبلّه، وولّى بالغرور ودلّه. أوسع الكنائن نثلا، ودونك أيّدا شثلا، وشحرا حثلا، لا خطما ولا أثلا. إن هذان لساحران إلى قوله: ويذهبا بطريقتكم المثلى وإن أثرت أدب الحليم، مع قصّة الكليم، فقل لمجمل جياد التّعاليم، وواضع جغرافيا الأقاليم، أندلسا ما علمت بلد الأجم، لا سود العجم، ومداحض السّقوط، على شوك قتاد القوط، ولم يذر إن محل ذات العجائب والأسرار التي تضرب إليها أباط النّجاب في غير الإقليم الأول، وهذا الوطن بشهادة القلب الحوّل، إنما هو رسم دارس ليس عليه من معوّل. فهنالك يتكلم الحق فيفصح ويعجم، ويرد المدد على النفوس الجريئة من مطالع الأضواء فيحدّث ويلهم، ويجود خازن الأمداد، على المتوسّل بوسيلة الاستعداد، فيقطع ويسهم. وأما إقليمنا الرابع والخامس، بعد أن تكافأت المناظر والملامس، وتناصف الليل الدّامس واليوم الشّامس، باعتدال ربيعي، ومجرى طبيعي، وذكيّ بليد، ومعاش وتوليد، وطريف في البداوة وتليد، ليس به برباه ولا هرم، يخدم بها درب محترم، ويشبّ لقرياته حرم، فيفيد روحانيا يتصرف، ورئيسا يتعرّض ويتعرّف، كلما استنزل صاب، وأعمل الانتصاب، وجلب المآرب وأذهب الأوصاب، وعلم الجواب، وفهم الصواب. ولو فرضنا هذه المدارك ذوات أمثال، أو مسبوقة بمثال، لتلقينا منشور القضاء بامتثال، لكنّا نخاف أن نميل بعض الميل، فنجني بذلك أبخس الجري وإرضاء الذّميل، ونجرّ تنازع الفهري مع الصّميل. فمن خيّر ميّز، ومن حكم أزري به وتهكّم، وما سلّ سيوف الخوارج، في الزمن الدّارج، إلّا التّحكيم، حتى جهل الحكيم، وخلع الخطام ونزع الشّكيم، وأضرّ بالخلق نافع، وذهب الطفل لجراه واليافع، وذم الذّمام وردّ الشّافع، وقطر سيف قطري، بكل نجيع طري، وزار الشّيب الأسد الهصور، وصلّت الغزالة بمسجد الثّقفي وهو محصور، وانتهبت المقاصير والقصور، إلّا أن مستأهل الوظيفة الشّرعية عند الضرورة يجبر، والمنتدب للبرّ محيي عند الله ويجبر، واجعلني على خزائن الأرض وهو الأوضح والأشهر، فيها به يستظهر. وأنا فإن حكمت على التّعجيل،


صفحه 377

فغير مشهد على نفسي بالتّسجيل، إنما هو تلفيق يرضى وتطفيل، يعتب عليه من تصدّع بالحق ويمضى، إلّا أن يغضى، ورأيي فيها المراضاة والاستصلاح، وإلّا فالسّلاح والرّكاب الطلّاح، والصلح خير، وما استدفع بمثل التّسامح ضير. ومن وقف عليه، واعتبر ما لديه، فليعلم أني صدعت وقطعت، والحقّ أطعت، وإن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، والسلام.
عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن ابن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن محمد ابن عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي «1»
من ذرّية «2» عثمان أخي كريب المذكور في نبهاء ثوار الأندلس. وينتسب «3» سلفهم إلى وائل بن حجر، وحاله عند القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، معروف «4» .
أوليته: قد ذكر بعض منها. وانتقل «5» سلفه من مدينة إشبيلية عن نباهة وتعيّن وشهرة «6» عند الحادثة بها، أو قبل ذلك، واستقرّ «7» بتونس منهم ثالث «8» المحمدين؛ محمد بن الحسن، وتناسلوا على سراوة «9» وحشمة ورسوم حسنة، وتصرّف جدّ المترجم به لملوكها «10» في القيادة.
حاله: هذا «11» الرجل الفاضل حسن الخلق، جمّ الفضائل باهر الخصل، رفيع القدر، ظاهر الحياء، أصيل المجد، وقور المجلس، خاصّيّ الزّيّ، عالي الهمّة، عزوف عن الضّيم، صعب المقادة، قوي الجأش، طامح لقنن «12» الرئاسة، خاطب للحظّ، متقدّم في فنون عقلية ونقلية، متعدّد المزايا، سديد البحث، كثير الحفظ، صحيح التّصوّر، بارع الخطّ، مغرى بالتجلّة، جواد الكفّ «13» ، حسن العشرة، مبذول


صفحه 378

المشاركة، مقيم لرسوم التّعين، عاكف على رعي خلال الأصالة، مفخرة «1» من مفاخر التّخوم المغربية.
مشيخته: قرأ «2» القرآن ببلده على المكتّب ابن برال، والعربية على المقرئ الزواوي «3» ، وابن العربي، وتأدّب بأبيه، وأخذ عن المحدّث أبي عبد الله بن جابر الوادي آشي. وحضر مجلس القاضي أبي عبد الله بن عبد السلام، وروى عن الحافظ عبد الله «4» السّطي، والرئيس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي، ولازم العالم الشهير أبا عبد الله الآبلي، وانتفع به.
توجّهه إلى المغرب: انصرف «5» عن «6» إفريقية منشئه، بعد أن تعلّق بالخدمة السلطانية على الحداثة وإقامته لرسم العلامة بحكم الاستنابة عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة. وعرف فضله، وخطبه السلطان منفّق سوق العلم والأدب أبو عنان فارس بن علي بن عثمان، واستقدمه «7» ، واستحضره بمجلس المذاكرة، فعرف حقّه، وأوجب فضله، واستعمله في «8» الكتابة أوائل عام ستة وخمسين، ثم عظم عليه حمل الخاصّة من طلبة الحضرة لبعده عن حسن التأنّي، وشفوفه بثقوب الفهم، وجودة الإدراك، فأغروا به السلطان إغراء عضّده ما جبل عليه عندئذ «9» من إغفال التّحفّظ، ممّا يريب لديه، فأصابته شدّة تخلّصه منها أجله؛ كانت مغربة في جفاء ذلك الملك، وهناة جواره، وإحدى العواذل لأولي الهوى في القول بفضله، [واستأثر به الاعتقال باقي أيام دولته على سنن الأشراف من الصّبر] 1»
وعدم الخشوع، وإهمال التوسّل، وإبادة المكسوب في سبيل النّفقة، والإرضاخ على زمن المحنة، وجار المنزل الخشن، إلى أن أفضى الأمر إلى السّعيد ولده، فأعتبه قيّم الملك لحينه، وأعاده إلى رسمه. ودالت الدولة إلى السلطان أبي سالم، وكان له به الاتصال، قبل تسوّغ المحنة، بما أكد حظوته، فقلّده ديوان الإنشاء مطلق الجرايات، محرّر السّهام، نبيه الرّتبة، إلى آخر أيامه. ولمّا ألقت الدولة مقادها بعده إلى الوزير عمر بن عبد الله، مدبّر الأمر، وله إليه قبل ذلك «11» وسيلة، وفي حليه شركة، وعنده حقّ، رابه تقصيره عمّا ارتمى إليه أمله، فساء ما بينهما إلى أن آل إلى انفصاله عن الباب المريني.


صفحه 379

دخوله غرناطة: ورد «1» على الأندلس في أوائل «2» شهر ربيع الأول من عام أربعة وستين وسبعمائة، واهتزّ له السلطان، وأركب خاصّته لتلقّيه، وأكرم وفادته، وخلع عليه، وأجلسه بمجلسه الخاص «3» ، ولم يدّخر عنه برّا ومؤاكلة ومطايبة وفكاهة.
وخاطبني لما حلّ بظاهر الحضرة مخاطبة لم تحضرني الآن، فأجبته عنها بقولي «4» : [الطويل]
حللت حلول الغيث في البلد المحل ... على الطائر الميمون والرّحب والسّهل
يمينا بمن تعنو الوجوه لوجهه ... من الشّيخ والطفل المهدّإ «5» والكهل
لقد نشأت عندي للقياك غبطة ... تنسّي اغتباطي بالشّبيبة والأهل «6»
أقسمت «7» بمن حجّت قريش لبيته، وقبر صرفت أزمّة الأحياء لميته، [ونور ضربت الأمثال بمشكاته «8» وزيته، لو خيّرت أيها الحبيب] «9» الذي زيارته الأمنية السّنيّة، والعارفة الوارفة، واللطيفة المطيفة، بين رجع الشّباب يقطر ماء، ويرفّ نماء، ويغازل عيون الكواكب، فضلا عن الكواعب، إشارة وإيماء، بحيث لا الوخط «10» يلمّ بسياج لمّته، أو يقدح ذبالة «11» في ظلمته، أو يقوم حواريّه في ملّته «12» ، من الأحابش وأمّته، وزمانه روح وراح، ومغدى في النّعيم ومراح، وقصف صراح «13» ، [ورقّى «14» وجراح،] «15» وانتحاب «16» واقتراح، وصدور ما بها إلّا انشراح، ومسرّات تردفها أفراح. وبين قدومك خليع الرّسن، ممتّعا والحمد


صفحه 380

لله «1» باليقظة والوسن، محكما في نسك الجنيد أو فتك الحسن، ممتعا بظرف المعارف، مالئا أكفّ الصّيارف، ماحيا بأنوار البراهين شبه الزّخارف- لما اخترت الشّباب وإن شاقني «2» زمنه، وأعياني ثمنه، وأجرت سحاب «3» دمعي دمنه. فالحمد لله الذي رقى «4» جنون اغترابي، وملّكني أزمة آرابي، وغبّطني بمائي وترابي، [ومألف أترابي،] «5» وقد أغصّني بلذيذ شرابي، ووقّع على سطوره المعتبرة إضرابي، وعجّلت هذه مغبّطة بمناخ المطيّة «6» ، ومنتهى الطّيّة، وملتقى السّعود «7» غير البطيّة، وتهنّي الآمال الوثيرة الوطيّة، فما شئت من نفوس عاطشة إلى ريّك، متجمّلة بزيّك، عاقلة خطى مهريّك، ومولى مكارمه نشيدة أمثالك، ومظانّ «8» مثالك، وسيصدق الخبر ما هنالك، ويسع «9» فضل مجدك في «10» التخلّف عن الإصحار «11» ، لا بل اللقاء من وراء البحار، والسّلام.
ولما «12» استقرّ بالحضرة، جرت بيني وبينه مكاتبات أقطعها الظّرف جانبه، وأوضح الأدب فيها «13» مذاهبه. فمن ذلك ما خاطبته به، وقد تسرّى جارية روميّة اسمها هند صبيحة الابتناء بها: [السريع]
أوصيك بالشيخ أبي بكره ... لا تأمنن في حالة مكره
واجتنب الشّكّ إذا جئته ... جنّبك الرحمن ما تكره
سيدي، لا زلت تتّصف بالوالج، بين الخلاخل والدّمالج «14» ، وتركض فوقها ركض الهمالج «15» أخبرني كيف كانت الحال، وهل حطّت بالقاع من خير البقاع الرّحال، وأحكم بمرود «16» المراودة الاكتحال، وارتفع بالسّقيا الإمحال، وصحّ