بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 380

لله «1» باليقظة والوسن، محكما في نسك الجنيد أو فتك الحسن، ممتعا بظرف المعارف، مالئا أكفّ الصّيارف، ماحيا بأنوار البراهين شبه الزّخارف- لما اخترت الشّباب وإن شاقني «2» زمنه، وأعياني ثمنه، وأجرت سحاب «3» دمعي دمنه. فالحمد لله الذي رقى «4» جنون اغترابي، وملّكني أزمة آرابي، وغبّطني بمائي وترابي، [ومألف أترابي،] «5» وقد أغصّني بلذيذ شرابي، ووقّع على سطوره المعتبرة إضرابي، وعجّلت هذه مغبّطة بمناخ المطيّة «6» ، ومنتهى الطّيّة، وملتقى السّعود «7» غير البطيّة، وتهنّي الآمال الوثيرة الوطيّة، فما شئت من نفوس عاطشة إلى ريّك، متجمّلة بزيّك، عاقلة خطى مهريّك، ومولى مكارمه نشيدة أمثالك، ومظانّ «8» مثالك، وسيصدق الخبر ما هنالك، ويسع «9» فضل مجدك في «10» التخلّف عن الإصحار «11» ، لا بل اللقاء من وراء البحار، والسّلام.
ولما «12» استقرّ بالحضرة، جرت بيني وبينه مكاتبات أقطعها الظّرف جانبه، وأوضح الأدب فيها «13» مذاهبه. فمن ذلك ما خاطبته به، وقد تسرّى جارية روميّة اسمها هند صبيحة الابتناء بها: [السريع]
أوصيك بالشيخ أبي بكره ... لا تأمنن في حالة مكره
واجتنب الشّكّ إذا جئته ... جنّبك الرحمن ما تكره
سيدي، لا زلت تتّصف بالوالج، بين الخلاخل والدّمالج «14» ، وتركض فوقها ركض الهمالج «15» أخبرني كيف كانت الحال، وهل حطّت بالقاع من خير البقاع الرّحال، وأحكم بمرود «16» المراودة الاكتحال، وارتفع بالسّقيا الإمحال، وصحّ


صفحه 381

الانتحال، وحصحص الحقّ وذهب المحال، وقد طولعت بكل بشرى وبشر، وزفّت هند منك إلى بشر، فلله من عشيّة تمتّعت من الربيع بفرش موشيّة، وابتذلت «1» منها أي وساد وحشية، وقد أقبل ظبي الكناس، من الدّيماس، ومطوق الحمام، من الحمّام، وقد حسّنت الوجه الجميل التّطرية «2» ، وأزيلت عن الفرع الأثيث الإبرية «3» ، وصقلت الخدود فهي «4» كأنها الأمرية «5» ، وسلّط الدّلك على الجلود، وأغريت النّورة بالشّعر المولود، وعادت الأعضاء يزلق عنها اللّمس، ولا تنالها البنان الخمس، والسّحنة يجول في صفحتها الفضّيّة ماء النعيم، والمسواك يلبّي من ثنيّة التّنعيم والقلب يرمي من الكفّ الرّقيم «6» بالمقعد المقيم، وينظر إلى نجوم الوشوم، فيقول: إني سقيم. وقد تفتّح ورد الخفر، وحكم لزنجي الظّفيرة بالظّفر، واتّصف أمير الحسن بالصّدود المغتفر، ورشّ بماء الطّيب، ثم أعلق بباله دخان العود الرّطيب. وأقبلت الغادة، يهديها اليمن وتزقّها السعادة، فهي تمشي على استحياء وقد ذاع طيب الريّا، وراق حسن المحيّا، حتى إذا نزع الخفّ، وقبّلت الأكفّ، وصخب «7» المزمار وتجاوب الدّف، وذاع الأرج، وارتفع الحرج، وتجوّز اللّوا والمنعرج، ونزل على بشر بزيارة هند الفرج، اهتزّت الأرض وربت، وعوصيت الطّباع البشرية فأبت. ولله درّ القائل «8» : [المتقارب]
ومرّت فقالت «9» : متى نلتقي؟ ... فهشّ اشتياقا إليها الخبيث
وكاد يمزّق سرباله ... فقلت: إليك يساق الحديث «10»
فلمّا انسدل جنح الظلام، وانتصفت من غريم العشاء الأخيرة فريضة الإسلام «11» ، وخاطت خيوط المنام، عيون الأنام، تأتّى دنوّ الجلسة، ومسارقة الخلسة، ثم عضّة النهد، وقبلة الفم والخدّ، وإرسال اليد من النّجد إلى الوهد،


صفحه 382

وكانت الإمالة القليلة قبل المدّ، ثم الإفاضة فيما يغبط ويرغب، ثم الإماطة لما يشوّش ويشغب، ثم إعمال المسير، إلى السّرير «1» : [الطويل]
وصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا ... ورضت فذلّت صعبة أيّ إذلال
هذا «2» بعد منازعة للأطواق يسيرة، يراها الغيد من حسن السيرة، ثم شرع في حلّ «3» التّكة، ونزع الشّكة، وتهيئة الأرض العزاز «4» عمل السّكة، ثم كان الوحي والاستعجال، وحمي الوطيس والمجال، وعلا الجزء الخفيف، وتضافرت الخصور الهيف، وتشاطر الطّبع العفيف، وتواتر التقبيل، وكان الأخذ الوبيل، وامتاز الأنوك من النّبيل، ومنها جائر وعلى الله قصد السّبيل، فيا لها من نعم متداركة، ونفوس في سبيل القحة متهالكة، ونفس يقطّع حروف الحلق، وسبحان الذي يزيد في الخلق، وعظمت الممانعة، وكثرت باليد المصانعة، وطال التّراوغ والتّزاور، وشكي التجاور «5» ، وهنالك تختلف الأحوال، وتعظم الأهوال، وتخسر أو تربح الأموال، فمن عصا تنقلب ثعبانا مبينا، ونونة «6» تصير تنينا، وبطل لم يهله «7» المعترك الهائل، والوهم الزائل، ولا حال بينه وبين قرّته «8» الحائل، فتعدّى فتكة السّليك إلى فتكة البرّاض، وتقلّد مذهب الأزارقة «9» من الخوارج في الاعتراض، ثم شقّ الصفّ، وقد خضّب الكفّ، بعد أن كاد يصيب البريّ «10» بطعنته، ويبوء بمقت الله ولعنته «11» : [الطويل]
طعنت ابن عبد الله طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها
وهناك هدأ القتال، وسكن الخبال، ووقع المتوقّع فاستراح البال، وتشوّف إلى مذهب الثنوية من لم يكن للتّوحيد بمبال، وكثر السؤال عن البال، بما بال، وجعل الجريح يقول: وقد نظر إلى دمه، يسيل على قدمه: [البسيط]
إنّي له عن دمي المسفوك معتذر ... أقول: حمّلته في سفكه تعبا


صفحه 383

ومن «1» سنان عاد عنانا، وشجاع صار هدانا «2» جبانا، كلما شابته شائبة ريبة، أدخل يده في جيبه، فانجحرت الحيّة، وماتت الغريزة الحيّة، وهناك يزيغ البصر، ويخذل المنتصر، ويسلم الأسر، ويغلب الحصر، ويجفّ اللّباب «3» ، ويظهر العاب «4» ، ويخفق الفؤاد، ويكبو الجواد، ويسيل العرق، ويشتدّ الكرب والأرق، وينشأ في محلّ الأمن الفرق، ويدرك فرعون الغرق، ويقوى اللّجاج ويعظم الخرق. فلا تزيد الحال إلا شدّة، ولا تعرف تلك الجارحة «5» المؤمنة إلّا ردّة: [الطويل]
إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر «6» ما يجني عليه اجتهاده
فكم مغرى بطول اللّبث، وهو من الخبث، يؤمل الكرّة، ليزيل المعرّة، ويستنصر الخيال، ويعمل باليد الاحتيال: [الرجز]
إنك لا تشكو إلى مصمّت ... فاصبر على الحمل الثّقيل أو مت
ومعتذر بمرض أصابه، جرّعه أوصابه «7» ، ووجع طرقه، جلب أرقه، وخطيب أرتج عليه أحيانا، فقال: سيحدث الله بعد عسر يسرا وبعد عيّ بيانا، اللهمّ إنّا نعوذ بك من فضائح الفروج إذا استغلقت أقفالها، ولم تسم «8» بالنّجيع أغفالها «9» ، ومن معرّات الأقذار «10» ، والنكول عن الأبكار، ومن النّزول عن البطون والسّرر، والجوارح الحسنة الغرر، قبل ثقب الدّرر، ولا تجعلنا ممن يستحي من البكر بالغداة، وتعلم منه كلال الأداة، وهو مجال فضحت فيه رجال، وفراش شكيت فيه أوجال، وأعملت رويّة وارتجال. فمن قائل: [السريع]
أرفعه طورا على إصبعي ... ورأسه مضطرب «11» أسفله
كالحنش المقتول يلقى على ... عود لكي يطرح في مزبله


صفحه 384

أو قائل «1» : [السريع]
عدمت من أيري قوى حسّه ... يا حسرة المرء على نفسه
تراه قد مال على أصله ... كحائط خرّ على أسّه
وقائل: [الطويل]
أيحسدني إبليس داءين أصبحا ... برجلي ورأسي دمّلا وزكاما؟
فليتهما كانا به وأزيده ... رخاوة أير لا يريد «2» قياما «3»
وقائل: [الطويل]
أقول لأيري وهو يرقب فتكة ... به: خبت من أير وعالتك «4» داهيه
إذا لم يك للأير بخت تعذّرت ... عليه وجوه النيك «5» من كلّ ناحيه
وقائل: [الطويل]
تعقّف «6» فوق الخصيتين كأنه ... رشاء إلى جنب الركيّة ملتفّ
كفرخ ابن ذي يومين يرفع رأسه ... إلى أبويه ثم يدركه الضّعف
وقائل: [الطويل]
تكرّش أيري بعدما كان أملسا ... وكان غنيّا من قواه فأفلسا
وصار جوابي للمها أن مررن بي ... «مضى الوصل إلّا منية تبعث الأسى»
وقائل: [الطويل]
بنفسي من حيّيته فاستخفّ بي ... ولم يخطر الهجران منه «7» على بالي «8»
وقابلني بالغور والنّجد «9» بعدما ... حططت به رحلي «10» وجرّدت سربالي
وما أرتجي من موسر فوق دكّة «11» ... عرضت له شيئا من الحشف البالي


صفحه 385

علل «1» لا تزال تبكى، وعلل على الدهر تشكى، وأحاديث تقصّ وتحكى، فإن كنت أعزّك الله من النّمط الأول، ولم تقل: [الطويل]
وهل عند رسم دارس من معوّل «2»
فقد جنيت الثّمر، واستطبت السّمر، فاستدع الأبواق من أقصى المدينة، واخرج على قومك في ثياب الزّينة «3» ، واستبشر بالوفود، وعرّف المسمع عازفة «4» الجود، وتبجّح بصلابة العود، وإنجاز الوعود، واجن رمّان النّهود، من أغصان القدود، واقطف ببنان اللّثم أقاح الثّغور وورد الخدود، وإن كانت الأخرى، فأخف الكمد، وارض الثمد، وانتظر الأمد، وأكذب التوسّم، واستعمل التّبسّم، واستكتم النّسوة، وأفض فيهنّ الرّشوة، وتقلّد المغالطة وارتكب، وجىء على قميصك «5» بدم كذب، واستنجد الرحمن، واستعن على أمورك «6» بالكتمان:
[الكامل]
لا تظهرنّ لعاذل أو عاذر ... حاليك في السّرّاء والضّرّاء «7»
فلرحمة المتفجّعين حرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء
وانتشق الأرج، وارتقب الفرج، فكم غمام طبّق وما همى «8» ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
«9» ، واملك بعدها عنان نفسك حتى تمكّنك الفرصة، وترفع إليك القصّة، ولا تشتره «10» إلى عمل لا تفيء منه بتمام، وخذ عن إمام، ولله درّ عروة بن حزام «11» : [الكامل]
الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى رموا مهري بأشقر مزبد
وعلمت أني إن أقاتل دونهم ... أقتل ولم يضرر عدوّي مشهدي
ففررت منهم والأحبّة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مفسد


صفحه 386

واللّبانات تلين وتجمح، والمآرب تدنو وتنزح، وتحرن ثم تسمح «1» ، وكم من شجاع خام «2» ، ويقظ نام، ودليل أخطأ الطريق، وأضلّ الفريق، والله عزّ وجلّ يجعلها خلّة موصولة، وشملا أكنافه بالخير مشمولة، وبنية أركانها لركاب «3» اليمن مأمولة، حتى يكثر «4» خدم سيدي وجواريه، وأسرته وسراريه، وتضفو عليه نعمة «5» باريه، ما طورد قنيص، واقتحم عيص «6» ، وأدرك مرام عويص «7» ، وأعطي زاهد وحرم حريص، والسّلام.
تواليفه: شرح «8» القصيدة المسماة بالبردة «9» شرحا بديعا، دلّ فيه على انفساح ذرعه، وتفنّن إدراكه، وغزارة حفظه. ولخّص كثيرا من كتب ابن رشد.
وعلّق للسلطان أيام نظره في العلوم «10» العقلية تقييدا مفيدا في المنطق، ولخّص محصّل الإمام فخر الدين ابن الخطيب «11» الرازي. وبذلك «12» داعبته أول لقية لقيته «13» [ببعض منازل الأشراف، في سبيل المبرّة بمدينة فاس،] «14» فقلت له:
لي عليك مطالبة، فإنك لخّصت «محصّلي» . وألّف كتابا في الحساب. وشرع في هذه الأيام في شرح الرّجز الصادر عني في أصول الفقه، بشيء لا غاية وراءه «15» في الكمال. وأمّا نثره وسلطانيّاته، مرسلها ومسجعها «16» ، فخلج بلاغة، ورياض فنون، ومعادن إبداع، يفرغ عنها يراعه الجريء، شبيهة البداءات بالخواتم، في نداوة الحروف، وقرب العهد بجرية المداد، ونفوذ أمر القريحة، واسترسال الطبع.
وأما نظمه، فنهض لهذا العهد قدما في ميدان الشّعر، وأغري «17» نقده باعتبار أساليبه؛ فانثال عليه جوّه، وهان عليه صعبه، فأتى منه بكل غريبة. من «18» ذلك قوله يخاطب السلطان ملك المغرب ليلة الميلاد الكريم عام اثنين وستين وسبعمائة


صفحه 387

بقصيدة طويلة «1» : [الكامل]
أسرفن في هجري وفي تعذيبي ... وأطلن موقف عبرتي وتحيبي
وأبين يوم البين موقف «2» ساعة ... لوداع مشغوف الفؤاد كئيب
لله عهد الظّاعنين وغادروا ... قلبي رهين صبابة ووجيب «3»
غربت ركائبهم ودمعي سافح ... فشرقت بعدهم بماء غروبي «4»
يا ناقعا بالعتب غلّة شوقهم ... رحماك في عذلي وفي تأنيبي
يستعذب الصّبّ الملام وإنني ... ماء الملام لديّ غير شريب «5»
ما هاجني طرب ولا اعتاد الجوى ... لولا تذكّر منزل وحبيب
أهفو إلى الأطلال كانت مطلعا ... للبدر منهم أو كناس ربيب
عبثت بها أيدي البلى وتردّدت ... في عطفها للدهر آي خطوب
تبلى معاهدها وإنّ عهودها ... ليجدّها وصفي وحسن نسيبي
وإذا الديار تعرّضت لمتيّم ... هزّته ذكراها إلى التّشبيب
إيه على الصّبر الجميل فإنه ... ألوى «6» بدين فؤادي المنهوب
لم أنسها والدهر يثني صرفه ... ويغضّ طرفي حاسد ورقيب
والدار مونقة محاسنها بما ... لبست من الأيام كلّ قشيب «7»
يا سائق الأظعان تعتسف الفلا ... وتواصل الإسآد «8» بالتّأويب «9»
متهافتا عن رحل كلّ مذلّل ... نشوان من أين ومسّ لغوب
تتجاذب النّفحات فضل ردائه ... في ملتقاها من صبا وجنوب