أبو الحسن النّباهي في تذييله لتاريخ مالقة: كان رجلا ساذجا، مخشوشنا، سنّيّ المنازع، شديد الإنكار على أهل البدع. جلس للتّحليق العام بالمسجد الجامع، وأقرأ به الفقه والعربية والفرائض.
مشيخته: قال: منهم أبو علي بن أبي الأحوص، وأبو جعفر بن الزبير، وأبو محمد بن أبي السّداد، والقاضي أبو القاسم ابن السّكوت. قال: وأنشد للزاهد أبي إسحاق بن قشوم، قوله: [الطويل]
يروقك يوم العيد حسن ملابس ... ونعمة أجسام ولين قدود
أجل لحظات الفكر منك فلا ترى ... سوى خرق تبلى وطعمة دود
وأنشد لأبي عمرو الزاهد: [السريع]
تختبر الدّنير في ميذق ... والدّرهم الزايف إذ يبهم
والمرء إن رمت اختبارا له ... ميذقه الدّنير والدّرهم
من عفّ عن هذا وهذا معا ... فهو التّقيّ الورع المسلم
تواليفه: له تقييد حسن في الفرائض، وجزء في تفضيل التّين على التّمر، وكلام على نوازل الفقه.
وفاته: وتوفي في الكائنة العظمى بطريف «1» .
محمد بن أحمد بن علي بن قاسم المذحجي
من أهل ملتماس «2» ، يكنى أبا عبد الله.
حاله: من «العائد» : كان، رحمه الله، من سراة بلده وأعيانهم، أستاذا متفنّنا مقرئا لكتاب الله، كاتبا بليغا، شديد العناية بالكتب، كثير المغالاة في قيمها وأثمانها، حتى صار له من أعلاقها وذخائرها ما عجز عن تحصيله كثير من أهل بلده. كتب بخطّه، وقيّد كثيرا من كتب العلم. وكان مقرئا مجوّدا، عارفا بالقراءات، بصيرا بالعربية، ثقة ضابطا، مبرّزا في العدالة، حريصا على العلم استفادة ثم إفادة، لا يأنف من حمله عن أقرانه، وانتفع به أهل بلده، والغرباء أكثر.
مشيخته: أخذ عن طائفة من أهل العلم، منهم الشّيخان الرّحلتان؛ أبو عبد الله بن الكمّاد، وأبو جعفر بن الزيات، عظيما بلده، والخطيب ولي الله أبو عبد الله الطّنجالي، والقاضي أبو عبد الله بن بكر. وروى عن الشيخ الوزير أبي عبد الله بن ربيع، وابنه الرّاوية أبي عامر، والخطيب الصالح أبي إسحاق بن أبي العاصي. وروى عن الشيخ الرّاوية الرّحّال أبي عبد الله بن عامر الوادي آشي وغيرهم، ودخل غرناطة.
مولده: ولد ببلّش عام ثمانية وثمانين وستمائة.
وفاته: توفي ببلّش عاشر شهر شعبان من عام أربعة وثلاثين وسبعمائة.
محمد بن أحمد بن محمد بن علي الغسّاني
من أهل مالقة، يكنى أبا الحكم، ويعرف بابن حفيد الأمين.
حاله: من «العائد» : كان هذا الشيخ من أهل العلم والدّين المتين، والجري على سنن الفقهاء المتقدّمين، عقد الشروط بمالقة مدة طويلة في العدول المبرّزين، وجلس للتّحليق في المسجد الأعظم من مالقة، بعد فقد أخيه أبي القاسم، وخطب بمسجد مالقة الأعظم. ثم أخّر عن الخطبة لمشاحنة وقعت بينه وبين بعض الولاة، أثمرت في إحنته. ولم يزل على ما كان عليه من الاجتهاد في العبادة، والتقييد للعلم، والاشتغال به، والعناية بأهله، إلى أن توفي على خير عمل.
مشيخته: قرأ على الأستاذ الخطيب أبي محمد الباهلي، وروى عن جلّة من الشيوخ مثل صهره الخطيب الولي أبي عبد الله الطّنجالي «1» ، وشاركه في أكثر شيوخه، والأديب الحاج الصالح أبي القاسم القبتوري «2» وغيرهم.
مولده: ولد بمالقة عام ثلاثة وسبعين وستمائة.
وفاته: توفي بمالقة يوم الأربعاء الثامن عشر لذي حجة من عام تسعة وأربعين وسبعمائة. ودخل غرناطة غير ما مرّة مع الوفود من أهل بلده وفي أغراضه الخاصة.
محمد بن أحمد الرّقوطي «1» المرسي
يكنى أبا بكر.
حاله: كان طرفا في المعرفة بالفنون القديمة؛ المنطق والهندسة والعدد والموسيقا والطّب، فيلسوفا، طبيبا ماهرا، آية الله في المعرفة بالألسن، يقرئ الأمم بألسنتهم فنونهم التي يرغبون في تعلمها، شديد البأو، مترفّعا، متعاطيا. عرف طاغية الروم حقّه، لما تغلّب على مرسية، فبنى له مدرسة يقرئ فيها المسلمين والنصارى واليهود، ولم يزل معظما عنده. ومما يحكى من ملحه معه، أنه قال له يوما، وقد أدنى منزلته، وأشاد بفضله: لو تنصّرت وحصّلت الكمال، كان عندي لك كذا وكذا، وكنت كذا، فأجابه بما أقنعه. ولما خرج من عنده، قال لأصحابه: أنا الآن أعبد واحدا، وقد عجزت عما يجب له، فكيف حالي لو كنت أعبد ثلاثة كما أراد مني.
وطلبه سلطان المسلمين، ثاني الملوك من بني نصر «2» ، واستقدمه، وتلمذ له، وأسكنه في أعدل البقع من حضرته. وكان الطلبة يغشون منزله المعروف له، وهو بيدي الآن، فتعلّم عليه الطب والتعاليم وغيرها، إذ كان لا يجارى في ذلك. وكان قويّ العارضة، مضطلعا بالجدل، وكان السلطان يجمع بينه وبين منتابي حضرته، ممن يقدم منتحلا صناعة أو علما، فيظهر عليهم، لتمكنه ودالّته، حسبما يأتي في اسم أبي الحسن الأبّدي، وأبي القاسم بن خلصون، إن شاء الله. وكان يركب إلى باب السلطان، عظيم التّؤدة، معار البغلة، رائق البزّة، رفيق المشي، إلى أن توفي بها، سمح الله له.
محمد بن إبراهيم بن المفرّج الأوسي
المعروف بابن الدبّاغ الإشبيلي.
حاله: كان واحد عصره في حفظ مذهب مالك، وفي عقد الوثائق، ومعرفة عللها، عارفا بالنحو واللغة والأدب والكتابة والشعر والتاريخ. وكان كثير البشاشة، عظيم الانقباض، طيّب النفس، جميل المعاشرة، كثير المشاركة، شديد التّواضع، صبورا على المطالعة، سهل الألفاظ في تعليمه وإقرائه. أقرأ بجامع غرناطة لأكابر علمائها الفقه وأصوله، وأقرأ به الفروع والعقائد للعامة مدة. وأقرأ بجامع باب الفخّارين، وبمسجد ابن عزرة وغيره.
مشيخته: قرأ على والده الأستاذ أبي إسحاق إبراهيم، وعلى الأستاذ أبي الحسن الدباج، وعلى القاضي أبي الوليد محمد بن الحاج التّجيبي القرطبي، وعلى القاضي أبي عبد الله بن عياض.
وفاته: توفي برندة يوم الجمعة أول يوم من شوال عند انصراف الناس من صلاة الجمعة من عام ثمانية وستين وستمائة.
محمد بن إبراهيم بن محمد الأوسي
من أهل مرسية، نزيل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن الرّقّام، الشيخ الأستاذ المتفنن.
حاله: كان نسيج وحده، وفريد دهره، علما بالحساب والهندسة والطب والهيئة، وغير ذلك، مديد الباع، أصيل المعرفة، مضطلعا، متبحرا لا يشقّ غبارة، أقرأ التعاليم والطب والأصول بغرناطة لما استقدمه السلطان ثاني الملوك من بني نصر من مدينة بجاية، فانتفع الناس به، وأوضح المشكلات، وسئل من الأقطار النازحة في الأوهام العارضة، ودوّن في هذه الفنون كلها، ولخّص، ولم يفتر من تقييد وشرح وتلخيص وتدوين.
تواليفه: وتواليفه كثيرة، منها كتابه الكبير على طريقة كتاب «الشّفا» ، والزّيج القويم الغريب المرصد، المبنيّة رسائله على جداول ابن إسحاق، وعدّل مناخ الأهلّة، وعليه كان العمل، وقيّد أبكار الأفكار في الأصول، ولخّص المباحث، وكتاب الحيوان والخواص. ومقالاته كثيرة جدا، ودواوينه عديدة.
وفاته: توفي عن سنّ عالية بغرناطة في الحادي والعشرين لصفر من عام خمسة عشر وسبعمائة.
محمد بن جعفر بن أحمد بن خلف بن حميد ابن مأمون الأنصاري «1»
ونسبه «2» أبو محمد القرطبي أمويّا من صريحهم، بلنسي الأصل، يكنى أبا عبد الله.
حاله: كان صدرا في متقني القرآن العظيم، وأئمّة تجويده، مبرّزا في النحو، إماما معتمدا عليه، بارع الأدب، وافر الحظّ من البلاغة، والتّصرّف البديع في الكتابة، طيّب الإمتاع بما يورده من الفنون، كريم الأخلاق، حسن السّمت، كثير البشر، وقورا، ديّنا، عارفا، ورعا، وافر الحظّ من رواية الحديث.
مشيخته: روى «1» عن أبي إسحاق بن صالح، وأبي بكر بن أبي ركب، وأبي جعفر بن ثعبان، وأبي الحجاج القفّال، وأبي الحسن شريح، وأبي محمد عبد الحق بن عطية، وأبي الحسن بن ثابت، وأبي الحسن بن هذيل، وتلا عليه بالسّبع، وأبو «2» عبد الله بن عبد الرحمن المذحجي الغرناطي، وابن فرح «3» القيسي، وأبي القاسم خلف بن فرتون، ولم يذكر أنهم أجازوا له. وكتب له أبو بكر عبد العزيز بن سدير «4» ، وابن العزفي «5» ، وابن قندلة «6» ، فأبو الحسن طارق بن موسى، وابن موهب، ويونس بن مغيث، وأبو جعفر «7» بن أيوب، وأبو الحكم عبد الرحمن بن غشيان «8» ، وأبو عبد الله الجيّاني، المعروف بالبغدادي. وذكر أبو عبد الله بن يربوع أن له راوية عن أبي الحسن «9» بن الطراوة.
من روى عنه: روى «10» عنه أبو بحر صفوان بن إدريس، وأبو بكر بن عتيق الأزدي «11» ، وابن قترال «12» ، وأبو جعفر الجيّار، والذّهبي، وابن عميرة الشهيد، وأبو الحسن بن عزمون «13» ، وابن عبد الرزاق «14» ، وأبو الحسن «15» عبيد الله بن عاصم الدّاري «16» ، وأبو الربيع بن سالم، وأبو زكريا الجعفري «17» ، وأبو سليمان بن حوط الله، وأبو عبد الله الأندرشي، وابن الحسين بن محبر «18» ، وابن إبراهيم الريسي «19» ، وابن صلتان، وابن عبد الحق التلمسيني، وابن يربوع، وأبو العباس العزفي، وأبو عثمان سعد الحفّار، وأبو علي عمر بن جميع «20» ، وأبو عمران بن إسحاق «21» ، وأبو
القاسم الطيب بن هرقال «1» ، وعبد الرحيم بن إبراهيم بن قريش الملّاحي «2» ، وأبو محمد بن دلف «3» بن اليسر، وأبو الوليد بن الحجاج «4» .
تواليفه: له شرح على «إيضاح الفارسي» ، وآخر على «جمل الزّجّاجي» .
مولده: ببلنسية سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.
وفاته: توفي بمرسية إثر صدوره عن غرناطة عشي يوم السبت لثلاث عشرة بقيت من جمادى الأولى «5» سنة ست وثمانين وخمسمائة.
محمد بن حكم بن محمد بن أحمد بن باق الجذامي «6»
من أهل سرقسطة. سكن غرناطة ثم فاس، يكنى أبا جعفر.
حاله: كان «7» مقرئا مجوّدا، محققا بعلم الكلام وأصول الفقه، محصّلا لهما، متقدّما في النحو، حافظا للغة، حاضر الذّكر لأقوال تلك العلوم، جيّد النظر، متوقّد الذهن، ذكيّ القلب، فصيح اللسان «8» . ولّي أحكام فاس، وأفتى فيها، ودرّس بها العربية: كتاب سيبويه وغير ذلك.
مشيخته: روى «9» عن أبي الأصبغ بن سهل، وأبوي «10» الحسن الحضرمي، وابن سابق، وأبي جعفر بن جرّاح، وأبي طالب السّرقسطي، الأديبين، وأبوي عبد الله بن نصر، وابن يحيى بن هشام المحدّث، وأبي العباس الدلائي، وأبي عبيد الله البكري، وأبي عمر أحمد بن مروان «11» القيرواني، وأبي محمد بن قورش «12» ، وأبي مروان بن سراج. وأجاز له أبو الوليد الباجي، رحمه الله.
من روى عنه: روى «1» عنه أبو إسحاق بن قرقول، وأبو الحسن صالح بن خلف، وأبو عبد الله بن حسن السّبتي، وأبو «2» الحسن الأبّذي، وتوفي قبله، وابن خلف بن الأيسر «3» ، والنّميري، وأبو العباس بن عبد الرحمن بن الصّقر، وأبو علي حسن بن الجزّار «4» ، وأبو الفضل بن هارون الأزدي، وأبوا «5» محمد: عبد الحق بن بونه، وقاسم بن دحمان، وأبو مروان بن الصّقيل الوقّشي «6» .
تواليفه: شرح «7» «إيضاح الفارسي» ، وكان قيّما على كتابه، وصنّف في الجدل مصنّفين، كبيرا وصغيرا. وله عقيدة جيدة.
وفاته: توفي بفاس، وقيل بتلمسان «8» ، سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
محمد بن حسن بن محمد بن عبد الله بن خلف ابن يوسف بن خلف الأنصاري «9»
من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن الحاج، وبابن صاحب الصلاة.
حاله: كان مقرئا صدرا في أئمّة التّجويد، محدّثا متقنا ضابطا، نبيل الخطّ والتقييد، ديّنا، فاضلا. وصنّف في الحديث، وخطب بجامع بلده. وأمّ في الفريضة زمانا، واستمرّت حاله كذلك، من نشر العلم وبثّه إلى أن كرّمه الله بالشهادة في وقيعة العقاب «10» .
دخوله غرناطة، راويا عن ابن الفرس، وابن عروس، وغيرهما.
مشيخته: روى بالأندلس عن الحجاج ابن الشيخ، وأبي الحسن بن كوثر، وأبي خالد يزيد بن رفاعة، وأكثر عنه، وأبوي عبد الله بن عروس، وابن الفخّار، وأبي
محمد بن حوط الله، وعبد الحق بن بونه، وعبد الصّمد بن يعيش، وعبد المنعم بن الفرس، وأجازوا له. وتلا القرآن على أبي عبد الله الإستجّي. وروى الحديث عن أبي جعفر الحصّار. وحجّ في نحو سنة ثمانين وخمسمائة، وأخذ عن جماعة من أهل المشرق، كأبي الطّاهر الخشوعي وغيره.
وفاته: توفي شهيدا محرضا صابرا يوم الاثنين منتصف صفر عام تسعة وستمائة.
محمد بن محمد بن أحمد بن علي الأنصاري
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن قرال، من أهل مالقة.
حاله: طالب عفيف مجتهد خيّر. قرأ بغرناطة، وقام على فنّ العربية قياما بالغا، وشارك في غيره، وانتسخ الكثير من الدّواوين بخطّ بالغ أقصى مبالغ الإجادة والحسن، وانتقل إلى مالقة فأقرأ بها العربية، واقتدى بصهره الصّالح أبي عبد الله القطّان، فكان من أهل الصلاح والفضل. وتوفي في محرم عام خمسين وسبعمائة.
محمد بن محمد بن إدريس بن مالك بن عبد الواحد ابن عبد الملك بن محمد بن سعيد بن عبد الواحد ابن أحمد بن عبد الله القضاعي
من أهل إسطبونة «1» ، يكنى أبا بكر، ويعرف بالقللوسي.
حاله: كان، رحمه الله، إماما في العربية والعروض والقوافي، موصوفا بذلك، منسوبا إليه، يحفظ الكثير من كتاب سيبويه، ولا يفارقه بياض يومه، شديد التعصّب له، مع خفّة وطيش يحمله على التوغّل في ذلك. حدّثني شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب، رحمه الله، قال: وقف أبو بكر القللوسي يوما على القاضي أبي عمرو بن الرّندون، وكان شديد الوقار، مهيبا، وتكلم في مسألة من العربية، نقلها عن سيبويه، فقال القاضي أبو عمرو: أخطأ سيبويه، فأصاب أبا بكر القللوسي قلق كاد يلبط به الأرض، ولم يقدر على جوابه بما يشفي به صدره لمكان رتبته. قال: فكان يدور بالمسجد، والدموع تنحدر على وجهه، وهو يقول: أخطأ من خطّأه، يكرّرها، والقاضي أبو عمرو يتغافل عنه، ويزري عليه. وكان، مع ذلك، مشاركا في فنون، من