بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 72

ومنها «1» : وتعرّفت ما كان من مراجعة سيدي لحرفة التّكتيب والتّعليم، والحنين إلى العهد القديم، فسررت باستقامة حاله، وفضل ماله، وإن لا حظ الملاحظ «2» ، ما قال الجاحظ «3» ، فاعتراض لا يردّ، وقياس لا يضطرد «4» ، حبّذا والله عيش أهل «5» التّأديب، فلا بالضّنك ولا بالجديب «6» ، معاهدة الإحسان، ومشاهدة الصّور الحسان، يمينا إنّ المعلّمين، لسادة المسلمين، وإنّي لأنظر منهم كلما خطرت على المكاتب، أمراء «7» فوق المراتب، من كل مسيطر الدّرّة، متقطّب الأسرّة، متنمّر للوارد تنمّر الهرّة، يغدو إلى مكتبه، كالأمير»
في موكبه، حتى إذا استقلّ في فرشه، واستولى على عرشه، وترنّم بتلاوة قالونه «9» وورشه، أظهر للخلق احتقارا، وأزرى «10» بالجبال وقارا، ورفعت إليه الخصوم، ووقف بين يديه الظّالم والمظلوم، فتقول: كسرى في إيوانه، والرّشيد في زمانه «11» ، والحجّاج بين أعوانه. وإذا «12» استولى على البدر السّرار، وتبيّن للشهر الغرار «13» ، تحرّك «14» إلى الخرج «15» ، تحرّك العود «16» إلى الفرج، أستغفر الله مما يشقّ على سيدي سماعه، وتشمئزّ من ذكره «17» طباعه، شيم اللّسان، خلط الإساءة بالإحسان، والغفلة من صفات الإنسان. فأيّ عيش هذا «18» العيش، وكيف حال أمير هذا الجيش؟ طاعة معروفة، ووجوه إليه مصروفة، فإن أشار بالإنصات، تتحقق الغصّات «19» ، فكأنّما طمس الأفواه «20» ، ولأم بين الشّفاه، وإن أمر بالإفصاح، وتلاوة الألواح، علا الضّجيج والعجيج، وحفّ به كما حفّ بالبيت الحجيج. وكم بين ذلك من رشوة تدسّ، وغمزة لا تحسّ، ووعد يستنجز، وحاجة تستعجل وتحفز. هنّأ الله سيدي ما خوّله، وأنساه بطيب آخره أوّله. وقد بعثت


صفحه 73

بدعابتي هذه مع إجلال قدره، والثّقة بسعة صدره، فليتلقّها بيمينه، ويفسح لها في المرتبة بينه وبين خدينه «1» ، ويفرغ لمراجعتها وقتا من أوقاته عملا «2» بمقتضى دينه، وفضل يقينه، والسّلام.
ومن شعره ما كتب به إليّ «3» : [الكامل]
آيات حسنك حجّة للقال «4» ... في الحبّ قائمة على العذّال
يا من سبى طوعا عقول ذوي النّهى ... ببلاغة قد أيّدت بجمال
يستعبد الأبصار والأسماع ما ... يجلو ويتلو من سنيّ مقال
وعليك أهواء النفوس بأسرها ... وقفت فغيرك «5» لا يمرّ ببال
رفعت لديك «6» في البلاغة راية ... لمّا احتللت بها وحيد كمال
وغدت تباهي منك بالبدر الذي ... تعنو البدور لنوره المتلالي
ماذا ترى يا ابن الخطيب لخاطب «7» ... ودّا ينافس فيك كلّ مغال «8» ؟
جذبته نحو هواك غرّ محاسن ... مشفوعة أفرادها بمعال
وشمائل رقّت لرقّة طبعها ... فزلالها يزري بكل زلال
وحليّ آداب بمثل نفيسها ... تزهو الحلى ويجلّ قدر الحالي
تستخدم «9» الياقوت عند نظامها ... فمقصّر من قاسها بلآل
سبق الأخير الأوّلين بفضلها ... فغدا المقدّم تابعا للتّالي
شغفي ببكر «10» من عقائلها إذا ... تبدو تصان من الحجى بحجال
فابعث بها بنت «11» المنى ممهورة ... طيب الثّناء لنقدها والكالي
لا زلت شمسا في الفضائل يهتدى ... بسناك في الأفعال والأقوال «12»
ثم السّلام عليك يترى ما تلت ... بكر الزّمان روادف الآصال


صفحه 74

ومن الدّعابة، وقد وقعت إليها الإشارة من قبل، ما كتب به إليه صديقه الملاطف أبو علي بن عبد السّلام «1» : [الوافر]
أبا عبد الله نداء خلّ ... وفيّ جاء يمنحك النّصيحه
إلى كم تألف الشّبان غيّا ... وخذلانا، أما تخشى الفضيحة؟
فأجابه رحمه الله: [الوافر]
فديتك، صاحب السّمة المليحه ... ومن طابت أرومته الصّريحه
ومن قلبي وضعت له محلّا ... فما عنه يحلّ بأن أزيحه
نأيت فدمع عيني في انسكاب ... وأكباد «2» لفرقتكم قريحه
وطرفي لا يتاح له رقاد ... وهل نوم لأجفان جريحه؟
وزاد تشوّقي أبيات شعر ... أتت منكم بألفاظ فصيحه
ولم تقصد بها جدّا، ولكن ... قصدت بها مداعبة قبيحه «3»
فقلت: أتألف الشبّان غيّا ... وخذلانا، أما تخشى الفضيحه؟
وفيهم «4» حرفتي وقوام عيشي ... وأحوالي بخلطتهم نجيحه
وأمري فيهم أمر مطاع ... وأوجههم مصابيح صبيحه
وتعلم أنّني رجل حصور «5» ... وتعرف ذاك معرفة صحيحه
قال في «التّاج» : ولمّا «6» اشتهر المشيب بعارضه ولمّته، وخفر الدهر لعمود «7» صباه وأذمّته، أقلع واسترجع، وتألّم لما فرط وتوجّع، وهو الآن من جلّة الخطباء طاهر العرض والثّوب، خالص من الشّوب، باد عليه قبول قابل التوب.
وفاته رحمه الله: في آخر صفر من عام خمسين وسبعمائة في وقيعة الطاعون العام، ودخل غرناطة.


صفحه 75

ومن الغرباء في هذا الباب
محمد بن أحمد بن محمد ابن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي»
من أهل تلمسان، يكنى أبا عبد الله، ويلقب من الألقاب المشرقية بشمس الدين.
حاله: هذا «2» الرجل من طرف دهره ظرفا وخصوصيّة ولطافة، مليح التوسّل، حسن اللقاء، مبذول البشر، كثير التّودّد، نطيف البزّة، لطيف التّأنّي «3» ، خيّر البيت، طلق الوجه، خلوب اللسان، طيّب الحديث، مقدر الألفاظ، عارف بالأبواب، درب على صحبة الملوك والأشراف، متقاض لإيثار السلاطين والأمراء، يسحرهم بخلابة لفظه، ويفتلهم «4» في الذّروة والغارب بتنزّله، ويهتدي إلى أغراضهم الكمينة بحذقه، ويصنع «5» غاشيتهم بتلطّفه، ممزوج الدّعابة بالوقار، والفكاهة بالنّسك، والحشمة بالبسط، عظيم المشاركة لأهل ودّه، والتّعصّب لإخوانه، إلف مألوف، كثير الأتباع والعلق «6» ، مسخّر الرّقاع في سبيل الوساطة، مجدي الجاه، غاصّ المنزل بالطّلبة، منقاد الدّعوة، بارع الخطّ أنيقه، عذب التّلاوة، متّسع الرّواية، مشارك في فنون من أصول وفروع وتفسير، يكتب ويشعر ويقيّد ويؤلّف، فلا يعدو السّداد في ذلك، فارس منبر، غير جزوع ولا هيابة «7» . رحل إلى المشرق في كنف حشمة من جناب والده، رحمه الله، فحجّ وجاور، ولقي الجلّة، ثم فارقه، وقد عرف بالمشرق حقّه، وصرف وجهه إلى المغرب، فاشتمل عليه السلطان أبو الحسن أميره اشتمالا خلطه بنفسه، وجعله مفضى سرّه، وإمام جمعته، وخطيب منبره، وأمين رسالته، فقدم في غرضها على الأندلس في «8» أواخر عام ثمانية وأربعين وسبعمائة، فاجتذبه «9» سلطانها، رحمه الله، وأجراه على تلك الوتيرة، فقلّده الخطبة بمسجده في السادس لصفر عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، وأقعده للإقراء بالمدرسة من حضرته. وفي أخريات عام أربعة


صفحه 76

وخمسين «1» بعده أطرف عنه جفن برّه، في أسلوب طماح، ودالّة، وسبيل هوى وقحة، فاغتنم العبرة «2» ، وانتهز الفرصة، وأنفذ في الرّحيل العزمة، وانصرف عزيز الرّحلة، مغبوط المنقلب، في أوائل شعبان عام أربعة وخمسين وسبعمائة «3» ، فاستقرّ بباب ملك المغرب، أمير المؤمنين أبي عنان فارس في محلّ تجلّة، وبساط قرب، مشترك الجاه، مجدي التوسّط، ناجع الشّفاعة، والله يتولّاه ويزيده من فضله.
مشيخته: من كتابه المسمى «عجالة المستوفز المستجاز في ذكر من سمع من المشايخ دون من أجاز، من أئمة المغرب والشّام والحجاز» : فممن «4» لقيه بالمدينة المشرّفة على ساكنها الصلاة والسلام، الإمام العلّامة عزّ الدين محمد أبو الحسن بن علي بن إسماعيل الواسطي، صاحب خطّتي الإمامة والخطابة بالمسجد النبوي «5» الكريم، وأفرد جزءا في مناقبه. ومنهم الشيخ الإمام جمال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خلف بن عيسى الخزرجي السّعدي العبادي، تحمّل عن عفيف الدين أبي محمد عبد السلام بن مزروع وأبي اليمن وغيره. والشيخ الإمام خادم الوقت بالمسجد الكريم، ونائب الإمامة والخطابة به، ومنشد الأمداح النبوية هنالك وبمكة، شرّفها الله، الشيخ المعمّر الثّقة شرف الدين أبو عبد الله عيسى بن عبد الله الحجي «6» المكيّ. والشيخ الصالح شرف الدين خضر بن عبد الرحمن العجمي.
والشيخ مقرئ الحرم برهان الدين إبراهيم بن مسعود بن إبراهيم الآبلي «7» المصري.
والشيخ الإمام الصالح أبو محمد عبد الله بن أسعد الشافعي الحجّة، انتهت إليه الرّياسة العلمية والخطط الشّرعية بالحرم. والشيخ قاضي القضاة وخطيب الخطباء عز الدين أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن جماعة الكناني، قاضي القضاة بمصر «8» .
وبمصر الشيخ علاء الدين القونوي. والتّقي السعدي، وقاضي القضاة القزويني، والشرف أقضى القضاة الإخميمي، وكثيرون غيرهم. وسمع من عدد عديد آخر من أعلام القضاة والحفّاظ والعلماء بتونس، وبجاية، والزّاب، وتلمسان.
محنته: اقتضى «9» الخوض الواقع بين يدي تأميل الأمير أبي الحسن، رحمه الله، وتوقّع «10» عودة الأمر إليه، وقد ألقاه اليمّ بالسّاحل بمدينة الجزائر، أن قبض


صفحه 77

عليه بتلمسان أمراؤها المتوثّبون عليها في هذه الفترة من بني زيّان، إرضاء لقبيلهم المتّهم بمداخلته، وقد رحل عنهم دسيسا من أميرهم عثمان بن يحيى بن عبد الرحمن بن يغمراسن، فصرف مأخوذا عليه طريقه، منتهبا رحله، منتهكة حرمته، وأسكن قرارة مطبق عميق القعر، مقفل المسلك، حريز القفل، ثاني اثنين. ولأيام قتل ثانيه ذبحا بمقربة من شفى تلك الرّكيّة، وانقطع لشدّة الثّقاف «1» أثره، وأيقن الناس بفوات الأمر فيه. ولزمان من محنته ظهرت عليه بركة سلفه في خبر ينظر بطرفه إلى الكرامة، فنجا ولا تسل كيف، وخلّصه الله خلاصا جميلا، وقدم على الأندلس، والله ينفعه بمحنته «2» .
شعره، وما وقع من المكاتبة بيني وبينه: ركب «3» مع السلطان خارج «4» الحمراء، أيام ضربت اللّوز قبابها البيض، وزيّنت الفحص العريض، والرّوض الأريض «5» ، فارتجل في ذلك: [الكامل]
انظر إلى النّوار في أغصانه ... يحكي النجوم إذا تبدّت في الحلك
حيّا أمير المسلمين وقال: قد ... عميت بصيرة من بغيرك مثّلك «6»
يا يوسفا حزت الجمال بأسره ... فمحاسن الأيام تومي هيت لك «7»
أنت الذي صعدت به أوصافه ... فيقال فيه: ذا مليك أو ملك «8»
ولما قدمت على مدينة فاس في غرض الرسالة، خاطبني بمنزل الشاطبي على مرحلة منها بما نصه «9» : [الكامل]
يا قادما وافى بكلّ نجاح ... أبشر بما تلقاه من أفراح
هذي ذرى ملك الملوك فلذ بها ... تنل المنى وتفز بكلّ سماح
مغنى الإمام أبي عنان يمّمن ... تظفر ببحر في العلى طفّاح


صفحه 78

من قاس جود أبي عنان ذي «1» الندى ... بسواه قاس البحر بالضّحضاح «2»
ملك يفيض على العفاة نواله ... قبل السّؤال وقبل بسطة راح
فلجود كعب وابن سعدى «3» في الندى ... ذكر محاه من نداه ماح
ما أن رأيت ولا سمعت بمثله «4» ... من أريحيّ للندى مرتاح
بسط الأمان على الأنام فأصبحوا ... قد ألحفوا منه بظلّ جناح
وهمى على العافين سيب نواله ... حتى حكى سحّ الغمام الساحي
فنواله وجلاله وفعاله ... فاقت وأعيت ألسن المدّاح
وبه الدّنا أضحت تروق وأصبحت ... كلّ المنى تنقاد بعد جماح
من كان ذا ترح فرؤية وجهه ... متلافة الأحزان والأتراح
فانهض أبا عبد الإله تفز بما ... تبغيه من أمل ونيل نجاح
لا زلت ترتشف الأماني راحة ... من راحة المولى بكلّ صباح
والحمد»
لله يا سيدي وأخي على نعمه التي لا تحصى، حمدا يؤمّ به جميعنا المقصد الأسنى، فيبلغ الأمد الأقصى، فطالما كان معظّم سيدي للأسى في خبال، وللأسف بين اشتغال بال، واشتغال بلبال «6» . ولقدومكم على هذا المقام «7» العلي في ارتقاب، ولمواعدكم «8» بذلك في تحقّق وقوعه من غير شكّ ولا ارتياب، فها أنت تجتلي، من هذا المقام العلي، لتشيّعك «9» وجوه المسرّات صباحا، وتتلقّى أحاديث مكارمه ومواهبه مسندة صحاحا، بحول الله. ولسيدي الفضل في قبول مركوبه الواصل إليه بسرجه ولجامه، فهو من بعض ما لدى المحب «10» من إحسان مولاي «11» وإنعامه. ولعمري لقد كان وافدا على سيدي في مستقرّه مع غيره. فالحمد لله الذي يسّر في إيصاله، على أفضل أحواله.
فراجعته بقولي «12» : [الكامل]
راحت تذكّرني كؤوس الرّاح ... والقرب يخفض للجنوح جناحي


صفحه 79

وسرت تدلّ على القبول كأنما ... دلّ النسيم على انبلاج صباح
حسناء قد غنيت بحسن صفاتها ... عن دملج وقلادة ووشاح
أمست تحضّ على اللّياذ بمن جرت ... بسعوده الأقلام في الأفراح «1»
بخليفة الله المؤيّد فارس ... شمس المعالي الأزهر الوضّاح
ما شئت من همم «2» ومن شيم غدت ... كالزّهر أو كالزّهر في الأدواح
فضل الملوك فليس يدرك شأوه ... أنّى يقاس الغمر بالضّحضاح؟
أسنى بني عبّاسهم بلوائه ال ... منصور أو بحسامه السّفّاح
وغدت مغاني الملك لمّا حلّها ... تزهى ببدر هدى وبحر سماح
وحياة من أهداك تحفة قادم ... في العرف منها راحة الأرواح
ما زلت أجعل ذكره وثناءه ... روحي وريحاني الأريج وراحي
ولقد تمازج حبّه بجوارحي ... كتمازج الأجسام بالأرواح
ولو أنني أبصرت يوما في يدي ... أمري لطرت إليه دون جناح
فالآن ساعدني الزّمان وأيقنت ... من قربه نفسي بفوز قداحي
إيه أبا عبد الإله وإنه ... لنداء ودّ في علاك صراح
أما إذا استنجدتني من بعد ما ... ركدت لما خبت الخطوب رياحي
فإليكها مهزولة وأنا امرؤ ... قرّرت عجزي واطّرحت سلاحي
سيدي «3» ، أبقاك الله لعهد تحفظه، ووليّ بعين الولاء تلحظه، وصلتني رقعتك التي ابتدعت «4» ، وبالحق من مدح «5» المولى الخليفة صدعت، وألفتني وقد سطت بي الأوحال «6» ، حتى كادت تتلف الرّحال، والحاجة إلى الغذاء قد شمّرت كشح البطين، وثانية العجماوين «7» قد توقع فوات وقتها وإن كانت صلاتها صلاة الطّين، والفكر قد غاض معينه، وضعف وعلى الله جزاء المولى الذي يعينه، فغزتني بكتيبة بيان أسدها هصور، وعلمها منصور، وألفاظها ليس فيها قصور، ومعانيها عليها الحسن مقصور، واعتراف مثلي بالعجز في المضايق حول ومنّة، وقول «لا أدري» للعالم فكيف لغيره