بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 99

خوّار «1» العنان، وسّاع الخطو، بعيد الشأو، يفيض من حديث إلى فقه، ومن أدب إلى حكاية، ويتعدّى ذلك إلى غرائب المنظومات، ممّا يختصّ بنظمه أولو الشّطارة والحرفة من المغاربة، ويستظهر مطوّلات القصاص، وطوابير الوعّاظ، ومساطير أهل الكدية، في أسلوب وقاح يفضحه الإعراب، حسن الخلق، جمّ الاحتمال، مطرّح الوقار، رافض التّصنّع، متبذّل «2» اللّبسة، رحيب أكناف المرارة لأهل الولايات، يلقي بمعاطنهم البرك، وينوط بهم الوسائل، كثير المشاركة لوصلائه، مخصب على أهل بيته، حدب على بنيه. قدم على الأندلس عام اثنين وعشرين وسبعمائة، فأقام بالجزيرة مقرئا بمسجد الصّواع منها، ومسجد الرّايات، ثم قدم على مالقة وأقرأ بها، ثم قدم على غرناطة عام خمسة وعشرين وسبعمائة، فتعرف على أرباب الأمر، بما نجحت حيلته، وخفّ به موقعه، فلم يعدم صلة، ولا فقد مرفقة، حتى ارتاش وتأثّل بمحل سكناه من مالقة، مدرة مغلّة، وعقارا مفيدا. وطال قعوده لسرد الفقه بمسجدها الجامع، نمير في الركب، مهجور الحلقة، حملا من الخاصّة والعامّة، لتلبّسه بالعرض الأدني. وهو الآن خطيب مسجد القصبة بها، ومحلّه من الشهرة، بالحفظ والاستظهار لفروع الفقه، كبير.
مشيخته: قرأ القرآن على الجماعة بالمغرب والأندلس، منهم أبوه، والأستاذ أبو الحسن القيجاطي البلوي، وأبو إسحاق الحريري، وأبو الحسن بن سليمان، وأبو عبد الله بن أجروم. وقرأ الفقه على أبي زيد الجزولي، وعبد الرحمن بن عفّان، وأبي الحسن الصغير، وعبد المؤمن الجاناتي، وقرأ الكتاب بين يديه مدة، ثم عزله، ولذلك حكاية. حدّثني الشيخ أبو عبد الله الكرسوطي، المترجم به، قال: قرأت بين يديه، في قول أبي سعيد في التهذيب، والدّجاج والأوز المخلات، فقال: انظر، هل يقال الدّجاج أو الجدّاد، لغة القرآن أفصح، قال الله تعالى: وجدد بيض، وحمر مختلف ألوانها، وغرابيب سود. فأزرى به، ونقل إليه إزاره، فعزله. وقعد بعد ذلك للإقراء بفاس، كذا حدث. وأخذ عن أبي إسحاق الزناتي، وعن خلف الله المجاصي، وأبي عبد الله بن عبد الرحمن الجزولي، وأبي الحسين المزدغي، وأبي الفضل ابنه، وأبي العبّاس بن راشد العمراني، وأبي عبد الله بن رشيد. وروى الحديث بسبتة عن أبي عبد الله الغماري، وأبي عبد الله بن هاني، وذاكر أبا الحسن بن وشّاش. وبمالقة عن الخطيب الصالح الطّنجالي، وأبي عمرو بن منظور.


صفحه 100

وبغرناطة عن أبي الحسن القيجاطي، وأبي إسحاق بن أبي العاص. وببلّش عن أبي جعفر الزيات.
تواليفه: منها «1» «الغرر في تكميل الطّرر» ، طرر أبي إبراهيم الأعرج. ثم «2» «الدّرر في اختصار الطّرر» المذكور. وتقييدان على الرسالة، كبير وصغير.
ولخّص «التهذيب» لابن بشير، وحذف أسانيد المصنّفات الثلاثة، البخاري، والترمذي، ومسلم «3» ، والتزم إسقاط التكرار، واستدراك «4» الصّحاح الواقعة في التهذيب «5» على مسلم والبخاري. وقيّد على مختصر الطّليطلي، وشرع في تقييد على قواعد الإمام أبي الفضل عياض بن موسى «6» بن عياض، برسم ولدي، أسعده الله.
شعره: أنشدني، وأنا أحاول بمالقة لوث «7» العمامة، وأستعين بالغير على إصلاح العمل، وإحكام اللّياثة «8» : [الكامل]
أمعمّما قمرا تكامل حسنه ... أربى على الشمس المنيرة في البها
لا تلتمس ممّن لديك زيادة ... فالبدر لا يمتار من نور السّها
ويصدر منه الشعر مصدّرا، لا تكنفه العناية.
محنته: أسر ببحر الزّقاق «9» ، قادما على الأندلس في جملة من الفضلاء، منهم والده. واستقرّ بطريف «10» عام ستة وعشرين وسبعمائة، ولقي بها شدّة ونكالا، ثم سرّح والده، لمحاولة فكاك نفسه، وفكّ ابنه، ويسّر الله عليه، فتخلّصا من تلك المحنة في سبيل كدية، وأفلت من بين أنياب مشقّة.


صفحه 101

بعض أخباره: قال: لقيت الشيخ وليّ الله أبا يعقوب بساحل بادس «1» ، قاصدا الأخذ عنه، والتّبرّك به، ولم يكن رآني قط، وألفيت بين يديه عند دخولي عليه، رجلا يقرأ عليه القرآن، فلمّا فرغ أراد أن يقرأ عليه أسطرا من الرّسالة، فقال له:
اقرأها على هذا الفقيه، وأشار إليّ، ورأيت في عرصة له أصول خصّ، فتمنيت الأكل منها، وكان ربّاعها غير حاضر، فقام عن سرعة، واقتلع منها أصولا ثلاثة، ودفعها إليّ، وقال: كل. فقلت في نفسي، تصرف في الخضرة قبل حضور ربّاعها، فقال لي: إذا أردت الأكل من هذه الخضرة، فكل من هذا القسم، فإنّه لي. قلت: وخبرت من اضطلاع هذا المترجم به بعبارة الرّؤيا ما قضيت منه العجب في غير ما شيء جرّبته. وهو الآن بحاله الموصوفة. وأصابه لهذا العهد جلاء عن وطنه؛ لتوفر الحمل عليه من الخاصّ والعامّ، بما طال به نكده. ثم آلت حاله إلى بعض صلاح، والله يتولّاه.
مولده: بمدينة فاس عام تسعين وستمائة.
محمد بن عبد المنعم الصّنهاجي الحميري «2»
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن عبد المنعم، من أهل سبتة، الأستاذ الحافظ.
حاله: من «العائد» : كان، رحمه الله، رجل صدق، طيّب اللهجة، سليم الصدر، تام الرّجولة، صالحا، عابدا، كثير القرب والأوراد في آخر حاله، صادق اللسان. قرأ كثيرا، وسنّه تنيف على سبع وعشرين، ففات أهل الدّؤب والسّابقة، وكان من صدور الحفّاظ، لم يستظهر أحد في زمانه من اللّغة ما استظهره، فكاد يستظهر كتاب التّاج للجوهري وغيره، آية تتلى، ومثلا يضرب، قائما على كتاب سيبويه، يسرده بلفظه. اختبره الفاسيون في ذلك غير ما مرة. طبقة في الشطرنج، يلعبها محجوبا، مشاركا في الأصول، آخذا في العلوم العقلية، مع الملازمة للسّنّة، يعرب أبدا كلامه ويزينه.
مشيخته: أخذ ببلده عن الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، ولازم أبا القاسم بن الشّاط وانتفع به وبغيره من العلماء.


صفحه 102

دخوله غرناطة: قدم غرناطة مع الوفد من أهل بلده عندما صارت إلى إيالة الملوك من بني نصر، لما وصلوا بالبيعة.
وفاته: كان من الوفد الذين استأصلهم الموتان عند منصرفهم عن باب السلطان ملك المغرب، بأحواز تيزى «1» ، حسبما وقع التّنبيه على بعضهم.
محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن إدريس ابن سعيد بن مسعود بن حسن بن محمد بن عمر ابن رشيد الفهري «2»
من أهل سبتة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن رشيد.
حاله: من «عائد الصلة» : الخطيب المحدّث، المتبحّر في علوم الرّواية والإسناد. كان، رحمه الله، فريد دهره عدالة وجلالة، وحفظا وأدبا، وسمتا وهديا، واسع الأسمعة، عالي الإسناد، صحيح النّقل، أصيل الضّبط، تام العناية بصناعة الحديث، قيّما عليها، بصيرا بها، محققا فيها، ذاكرا فيها الرجال، جمّاعة للكتب، محافظا على الطّريقة، مضطلعا بغيرها من العربية واللغة والعروض، فقيها أصيل النّظر، ذاكرا للتفسير، ريّان من الأدب، حافظا للأخبار والتواريخ، مشاركا في الأصلين، عارفا بالقراءات، عظيم الوقار والسّكينة، بارع الخطّ، حسن الخلق، كثير التّواضع، رقيق الوجه، متجمّلا، كلف الخاصة والعامّة، مبذول الجاه والشّفاعة، كهفا لأصناف الطّلبة. قدم على غرناطة في وزارة صديقه، ورفيق طريقه، في حجّه وتشريقه، أبي عبد الله بن الحكيم، فلقي برّا، وتقدّم للخطابة بالمسجد الأعظم، ونفع الله لديه بشفاعته المبذولة طائفة من خلقه، وانصرف إثر مقتله إلى العدوة، فاستقرّ بمدينة فاس، معظّما عند الملوك والخاصّة، معروف القدر عندهم.
مشيخته: قرأ ببلده سبتة على الأستاذ إمام النّحاة أبي الحسن بن أبي الربيع كتاب سيبويه. وقيّد على ذلك تقييدا مفيدا، وأخذ عنه القراءات. وأخذ أيضا عن الأستاذ أبي الحسن بن الخطّار. ورحل من بلده سبتة لأداء الفريضة. حجّ ولقي


صفحه 103

المشايخ عام ثمانية وثمانين وستمائة، فوافى في طريقه الحاجّ المحدّث الرّاوية، ذا الوزارتين بعد، أبا عبد الله الحكيم، وأخذ عن الجلّة الذين يشقّ إحصاؤهم، فممّن لقي بإفريقية الرّاوية العدل أبا محمد عبد الله بن هارون، يروي عن ابن بقيّ، والأديب المتبحّر أبا الحسن حازم بن محمد القرطاجنّي. وروى بالمشرق عن العدد الكثير كالإمام جار الله أبي اليمن بن عساكر، لقيه بباب الصّفا تجاه الكعبة المعظّمة، وهو موضع جلوسه للسّماع، غرّة شوال عام أربعة وثمانين وستمائة، وعن غيره، كأبي العزّ عبد الرحمن بن عبد المنعم بن علي بن نصر بن منظور بن هبة الله، وغيرهم ممن ثبت في اسم مرافقة في السّماع والرّحلة أبي عبد الله بن الحكيم، رحمه الله، فلينظر هنالك.
تواليفه: ألّف فوائد رحلته في كتاب سمّاه «ملء العيبة، فيما جمع بطول الغيبة، في الوجهتين «1» الكريمتين إلى مكّة وطيبة» . قال شيخنا أبو بكر بن شبرين: وقفت على مسوّدته، ورأيت فيه فنونا وضروبا من الفوائد العلمية والتاريخ، وطرفا من الأخبار الحسان، والمسندات العوالي والأناشيد. وهو ديوان كبير، ولم يسبق إلى مثله. قلت: ورأيت شيئا من مختصره بسبتة.
دخوله غرناطة: ورد على الأندلس في عام اثنين وتسعين وستمائة، فعقد مجالس للخاصّ والعام، يقرئ بها فنونا من العلم. وتقدّم خطيبا وإماما بالمسجد الأعظم منها. حدّثني بعض شيوخنا، قال: قعد يوما على المنبر، وظنّ أن المؤذّن الثالث قد فرغ، فقام يخطب والمؤذّن قد رفع صوته بآذانه، فاستعظم ذلك بعض الحاضرين، وهمّ آخر بإشعاره وتنبيهه، وكلّمه آخر، فلم يثنه ذلك عمّا شرع فيه، وقال بديهة: أيها الناس، رحمكم الله، إنّ الواجب لا يبطله المندوب، وأن الأذان الذي بعد الأوّل غير مشروع الوجوب، فتأهّبوا لطلب العلم، وانتبهوا، وتذكّروا قوله، عزّ وجلّ: وما أتاكم الرّسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، وقد روّينا عنه صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال: من قال لأخيه والإمام يخطب، اصمت، فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له. جعلنا الله وإيّاكم ممّن علم فعمل، وعمل فقبل، وأخلص فتخلّص. وكان ذلك مما استدلّ به على قوّة جنانه، وانقياد لسانه لبيانه.
شعره: وله شعر يتكلفه، إذ كان لا يزن أعاريضه إلّا بميزان العروض، فمن ذلك ما حدّث به، قال: لما حللت بدمشق، ودخلت دار الحديث الأشرفيّة، برسم رؤية النّعل الكريمة، نعل المصطفى، صلوات الله عليه، ولثمتها، حضرتني هذه


صفحه 104

الأبيات: [الطويل]
هنيئا لعيني أن رأت نعل أحمد ... فيا سعد، جدّي قد ظفرت بأسعد
وقبّلتها أشفي الغليل فزادني ... فيا عجبا زاد الظّما عند مورد
فلله ذاك اللّثم فهو ألذّ من ... لمى شفة لميا وخدّ مورّد
ولله ذاك اليوم عيدا ومعلما ... بتاريخه أرّخت مولد أسعد
عليه صلاة نشرها طيّب كما ... يحبّ ويرضى ربّنا لمحمّد
وقال: وقلت في موسم عام ستة وثمانين وستمائة، بثغر سبتة حرسها الله تعالى: [الطويل]
أقول إذا هبّ النّسيم المعطّر ... لعلّ بشيرا باللقاء يبشّر
وعالي الصّبا مرّت على ربع جيرتي ... فعن طيبهم عرف النّسيم يعبّر
وأذكر أوقاتي بسلمى وبالحمى ... فتذكو لظى في أضلعي حين أذكر
ربوع يودّ المسك طيب ترابها ... ويهوى حصى فيها عقيق وجوهر
بها جيرة لا يخفرون بذمّة ... هم لمواليهم جمال ومفخر
إذا ما اجتلت زهر النجوم جمالهم ... تغار لباهي نورهم فتغوّر
ومن جود جدواهم يرى اللّيث يعمر ... ومن خوف عدواهم يرى الليث «1» يذعر
ومن سيب يمناهم يرى الرّوض يزهر ... ومن فيض نعماهم يرى البحر يزخر
رعى الله عهدا بالمصلّى عهدته ... وروض المنى غضّ يرقّ وينضر
زمانا نعمنا فيه والظلّ وارف ... بجنّات عدن تحتها العذب يخضر
ولله أيام المصلّى وطيبها ... وأنفسنا بالقرب والأنس تجبر
بحيث يرى بدر الكمال وشمسه ... وروضته فردوس حوض «2» ومنبر
أروم دنوّا من بهاء جمالها ... ولثما فتأبى هيبة وتوقّر
خضعت وذلّي للحبيب تعزّز ... فطرفي مغضوض وخدّي معفّر
ووجه سروري سافر متهلّل ... وحالي بهم حلّ «3» وعيشي أخضر
فطوبى لمن أضحى بطيبة ثاويا ... يجرّ بأذيال «4» الفخار وينشر


صفحه 105

وإذ فات عيني أن تراهم فردّدوا ... على مسمعي ذكر المصلّى وكرّروا
وردت فيا طيب الورود بطيبة ... صدرت فواحزني فلا كان مصدر
رماني زماني بالفراق فغرّني ... على مثل من فارقت عزّ التّصبّر
وأضمرت أشجاني ودمعي مظهّر ... وأسررت هجراني وحالي تخبّر
فمن أدمعي ماء يفيض ويهمر ... ومن أضلعي نار تفور وتسعر
فجسمي مصفرّ وفودي أبيض ... وعيشي مغبرّ ودمعي أحمر
وحين دنا التّوديع ممّن أحبّه ... وحان الذي ما زلت منه أحذّر
ونادى صحابي بالرّحيل وأزمعوا ... وسارت مطاياهم وظلت أقهقر
وألوى إليه الجيد حتى وجعته ... وظلّ فؤادي لوعة يتفطّر
وقفت لأقضي زفرة وصبابة ... ولا أنثني فالموت أجدى وأجدر
ولو أنّني بعت الحياة بنظرة ... لأبّت وحظّي فيه أوفى وأوفر
وما باختياري إنما قدر جرى ... رضيت بما يقضي الإله ويقدر
حنيني إلى مغنى الجمال مواصل ... وشوقي إلى معنى الجمال موفّر
وغير جميل أن يرى عن جمالها ... فؤادي صبورا والمسير ميسّر
أيصبر ظمآن يغال بغلّة ... وفي روضة الرّضوان شهد وكوثر؟
فيا عينها الزّرقاء إنّ عيونها ... من الحزن فيض بالنّجيع تفجّر
سأقطع ليلي بالسّرى أو أزورها ... وأحمي الكرى عينا لبعدك يظهر
وأنضي المطايا أو أوافي ربعها ... فتنجدني طورا وطورا تغوّر
حظرت على نفسي الحذار من الرّدى ... أتحذر نفس الحبيب تسيّر؟
أينكر تغرير المشوق بنفسه ... وقد علموا أنّ المحبّ مغرّر؟
وقفت على فتوى المحبّين كلّهم ... فلم أجد التّغرير في الوصل ينكر
وإني إذا ما خطرة خطرت قضت ... بهمّي وعزمي همّة لا تؤطّر
أقيم فألفي بين عينيّ همّتي ... وسيري في سبل العلا ليس ينكر
إذا ما بدت للعين أعلام طيبة ... ولاحت قباب كالكواكب تزهر
وللقبّة الزّهراء سمك سما علا ... وراق سنى كالشمس بل هو أزهر
لها منظر قيد النّواظر والنّهى ... لها ساكن من نوره البدر يبدر


صفحه 106

فأعرجوا «1» على أهل «2» الكمال وسلّموا ... سلمتم وبلّغتم مناكم فأبشروا
بنفسي لا بالمال أرضى بشارة ... إذا لاح نور في سناها مبشّر
وما قدر نفسي أن تكون كفاء «3» ... ولكنها جهد المقلّ فأعذر
أقول إذا أوفيت أكرم مرسل ... قراي عليكم أنّ ذنبي يغفر
وأحظى بتقريب الجوار مكرّما ... وأصفح عن جور البعاد وأعذر
وأرتع في ظلّ الجنان منعّما ... وأمني بقرب من حماك وأجبر
هناك هناك القرب فانعم بنيله ... بحيث ثوى جسم كريم مطهّر
ودع عنك تطواف البلاد وخيّم «4» ... بطيبة طابت فهي مسك وعنبر
فخرت بمدحي للنّبيّ محمد ... ومن مدحه المدّاح يزهى ويفخر
أطلت وإنّي في المديح مقصّر ... فكلّ طويل في معاليك يقصر
ما بلغت كفّ امرئ متناول ... بها المجد إلّا والذي نلت أكبر
وما بلغ المهدون في القول مدحة ... وإن أطنبوا إلّا الذي فيك أفخر
عليك صلاة الله ما مرّ سبق ... إليك وما هبّ النّسيم المعطّر
وقال يرثي ابنا نجيبا ثكله بغرناطة: [الطويل]
شباب ثوى شابت عليه المفارق ... وغصن ذوى تاقت إليه الحدائق
على حين راق النّاظرين بسوقه ... رمته سهام للعيون رواشق
فما أخطأت منه الفؤاد بعمدها ... فلا أبصرت تلك العيون الرّوانق
وحين تدانى للكمال هلاله ... ألمّ به نقص وجدّت مواحق
إلى الله أشكو فهو يشكى نوازعا ... عظاما سطاها للعظام عوارق
ولا مثل فقدان البنيّ فجيعة ... وإن طال ما لجّت وجلّت بوائق
محمد إنّ الصّبر صبر وعلقم ... على أنه حلو المثوبة سابق
فإن جزعا فالله للعبد عاذر ... وإن جلدا فالوعد لله صادق
وتالله ما لي بعد عيشك لذّة ... ولا راقني مرأى لعيني رائق