بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 11

عبد العزيز بن عبد الواحد بن محمد الملزوزي
من أهل العدوة الغربية، يكنى أبا فارس، ويعرف بعزّوز.
حاله: كان شاعرا مكثرا سيّال القريحة، منحطّ الطبقة، متجنّدا، عظيم الكفاية والجرأة، جسورا على الأمراء، علق بخدمة الملوك من آل عبد الحق وأبنائهم، ووقف أشعاره عليهم، وأكثر النظم في وقائعهم وحروبهم، وخلط المعرّب باللّسان الزناتي في مخاطباتهم، فعرف بهم، ونال عريضا من دنياهم، وجمّا من تقريبهم. واحتلّ بظاهر غرناطة في جملة السلطان أمير المسلمين أبي يعقوب، وأمير المسلمين أبيه، واستحقّ الذكر بذلك.
شعره: من ذلك أرجوزة نظمها بالخضراء في شوال سنة أربع وثمانين وستمائة، ورفعها إلى السلطان أمير المسلمين أبي يوسف بن عبد الحق، سماها ب «نظم السلوك، في الأنبياء والخلفاء والملوك» لم يقصر فيها عن إجادة.
ومن شعره، قال مخبرا عن الأمير أبي مالك عبد الواحد ابن أمير المسلمين أبي يوسف:
دعاني يوما والسما قد ارتدت بالسحائب ... والغيث يبكي بالدموع السّواكب
كأنه عاشق صدّ عنه حبيبه ... ففاضت دموعه عليه وكثر نحيبه
ولم يرق له مدمع ... كأنه لم يبق له فيه مطمع
فكان الوعد حسرته ... والبرق لو عته وزفرته
فقال لي: ما أحسن هذا اليوم ... لو كان في غير شهر الصوم
فاقترح غاية الاقتراح عليّ ... وقال: قل فيه شعرا بين يديّ
فأنشدته هذه الأبيات: [الكامل]
اليوم يوم نزهة وعقار ... وتقرّب الآمال والأوطار
أو ما ترى شمس النهار قد اختفت ... وتستّرت عن أعين النظّار
والغيث سحّ غمامه فكأنّه ... دنف بكى من شدّة التذكار
والبرق لاح من السماء كأنه ... سيف تألّق في سماء غبار
لا شيء أحسن فيه من نيل المنى ... بمدامة «1» تبدو كشعلة نار


صفحه 12

لولا صيام عاقني عن شربها ... لخلعت في هذا النهار عذاري «1»
لو كان يمكن أن يعار أعرته ... وأصوم شهرا في مكان نهار
لكن تركت سروره ومدامه ... حتى أكون لديه ذا أفكار
ونديرها في الكأس بين نواهد ... تجلو الهموم بنغمة الأوتار
فجفونها تغنيك عن أكواسها ... وخدودها تغنيك عن أزهار
فشكره لمّا سمعه غاية الشكر، وقال: أسكرتنا بشعرك من غير سكر. قال:
وأتيته بهذه الأبيات: [الكامل]
أعلمت بعدك زفرتي وأنيني ... وصبابتي يوم النّوى وشجوني «2» ؟
أودعت إذ ودّعت وجدا في الحشا ... ما إن تزال سهامه تصميني «3»
ورقيب شوقك حاضر مترقّب ... إن رمت صبرا بالأسى يغريني
من بعد بعدك ما ركنت لراحة ... يوما ولا غاضت عليك شؤوني
قد كنت أبكي الدمع أبيض ناصعا ... فاليوم تبكي بالدّماء جفوني
قل للذين قد ادّعوا فرط الهوى ... إن شئتم علم الهوى فسلوني
إنّي أخذت كثيره عن عروة ... ورويت سائره عن المجنون
هذي روايتنا عن اشياخ «4» الهوى ... فإن ادّعيتم غيرها فأروني
يا ساكني أكناف رملة عالج ... ظفرت بظبيكم الغرير يميني
كم بات في جنح الظلام معانقي ... ومجنت في صفر «5» إلى مجنون
في روضة نمّ النسيم بعرفها ... وكذاك عرف الرّوض غير مصون
والورق «6» من فوق الغصون ترنّمت ... فتريك بالألحان أيّ فنون
تصغي الغصون لما تقول فتنثني ... طربا لها فاعجب لميل غصون
والأرض قد لبست غلائل سندس ... قد كلّلت باللؤلؤ المكنون
تاهت على زهر السماء بزهرها ... وعلى البدور بوجهها الميمون


صفحه 13

قال أبو فارس: وكان أمير المسلمين أبو يوسف سار إلى مدينة سلا، فبويع بها ولده أبو يعقوب، وذلك في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول عام أحد وسبعين وستمائة، يوم مولد النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنشدته يوم بيعته هذه القصيدة ورفعتها إليه:
[الكامل]
يا ظبية الوعساء، قد برح الخفا ... إنّي صبرت على غرامك ما كفى
كم قد عصيت على هواك عواذلي ... وأناب بالتّبعيد منك وبالجفا
حمّلتني ما لا أطيق من الهوى ... وسقيتني من غنج لحظك قرقفا «1»
وكسوتني ثوب النحول فمنظري ... للناظرين عن البيان قد اختفى
هذا قتيلك فارحميه فإنه ... قد صار من فرط النحول على شفا
لهفي على زمن تقضّى بالحمى ... وعلى محلّ بالأجيرع قد عفا
أترى يعود الشّمل كيف عهدته ... ويصير بعد فراقه متألّقا؟
لله درّك يا سلا من بلدة ... من لم يعاين مثل حسنك ما اشتفا
قد حزت برّا ثم بحرا طاميا ... وبذاك زدت ملاحة وتزخرفا
فإذا رأيت بها القطائع خلتها ... طيرا يحوم على الورود مرفرفا
والجاذفين على الرّكيم كأنهم ... قوم قد اتخذوا إماما مسرفا
جعل الصّلاة لهم ركوعا كلها ... وأتى ليشرع في السجود مخفّفا
والموج يأتي كالجبال عبابه ... فتظنّه فوق المنازل مشرفا
حتى إذا ما الموج أبصر حدّه ... غضّ العنان عن السّرى وتوقّفا
فكأنّه جيش تعاظم كثرة ... قد جاء مزدحما يبايع يوسفا
ملك به ترضى الخلافة والعلا ... وبه تجدّد في الرّئاسة ما عفا
من لم يزل يسبي الفوارس في الوغى ... إن سلّ في يوم الكريهة مرهفا
ألفت محبّته القلوب لأنه ... ملك لنا بالجود أضحى متحفا
ألقى إليه الأمر والده الذي ... عن كل خطب في الورى ما استنكفا
يعقوب الملك الهمام المجتبى ... الماجد الأوفى الرحيم الأرأفا
يهواه من دون البنين كأنما ... يعقوب يعقوب ويوسف يوسفا


صفحه 14

طوبى لمن في الناس قبّل كفّه ... والويل منه لمن غدا متوقّفا
أعطاك ربّك وارتضاك لخلقه ... فاقتل بسيفك من أبى وتخلّفا
وامدد يمينك للوفود فكلهم ... لليوم عاد مؤمّلا متشوّفا
فاليوم لا تخشى النّعاج ذئابها ... ويعود من يسطو بها متعطّفا
صلح الزمان فلا عدوّ يتّقى ... لم يخش خلق في علاك تخوّفا
لم لا وعدلك للبريّة شامل؟ ... طبعا وغيرك لا يزال تكلّفا
يا من سررت بملكه وعلائه ... اليوم أعلم أنّ دهري أنصفا
فإذا ملكت فكن وفيّا حازما ... واعلم بأنّ الملك يصلح بالوفا
وأفض بذلك «1» للوجود وكن لهم ... كهفا وكن ببعيدهم مستعطفا
فالجود يصلح ما تعلّم في العلا ... وسواه يفسد في الخلافة ما صفا
إنّ البريّة في يديك زمامها ... فاحذر فديتك أن تكون معنّفا
يا من تسربل بالمكارم والعلا ... ما زال حاسدكم يزيد تأسّفا
خذها إليك قصيدة من شاعر ... في نظم فخرك كيف شاء «2» تصرّفا
خضع الكلام له فصار كعبده ... ما شاء يصنع ناظما ومؤلّفا
لا زالت الأمجاد تخدم مجدكم ... ما زارت الحجّاج مروة والصّفا
ومن شعره في رثاء الأمير أبي مالك: [الكامل]
سهم المنيّة أين منه فرار ... من في البريّة من رجاه يجار
حكم الزمان على الخلائق بالفنا ... فالدار لا يبقى بها ديّار
عش ما تشاء فإنّ غايتك الرّدى ... يبلى الزمان وتذهب الأعمار
فاحذر مسالمة الزمان وأمنه ... إنّ الزمان بأهله غدّار
وانظر إلى الأمراء قد سكنوا الثرى ... وعليهم كأس المنون تدار
تركوا القصور لغيرهم وترحّلوا ... ومن اللّحود عليهم أستار
قد وسّدوا بعد الحرير جنادلا ... ومن اللحود عليهم أستار
منعوا القباب «3» وأسكنوا بطن الثّرى ... حكمت بذاك عليهم الأقدار


صفحه 15

لم تنفع الجرد الجياد ولا القنا ... يوم الرّدى والعسكر الجرّار
في موت عبد الواحد الملك الرّضا ... لجميع أملاك الورى إنذار
أن ليس يبقى في الملوك مملّك ... إلّا أتته منيّة وبوار
ناديته والحزن خامر مهجتي ... والقلب فيه لوعة وأوار
يا من ببطن الأرض أصبح آفلا ... أتغيب في بطن الثّرى الأقمار؟
أين الذين عهدت صفو ودادهم ... هل فيهم بعد الرّدى لك جار؟
تركوك في بطن الثّرى وتشاغلوا ... بعلا سواك فهجرهم إنكار
لما وقفت بقبره مترحّما ... حان العزاء «1» وهاجني استعبار
فبكيت دمعا لو بكت بمثاله ... غرّ السّحائب «2» لم تكن أمطار
يا زائريه استغفروا لمليككم ... ملك الملوك فإنه غفّار
وفاته: توفي خنقا بسجن فاس بسعاية سعيت به، جناها تهوّره في وسط عام سبعة وتسعين وستمائة، وقد كان جعل له النّظر في أمور الحسبة ببلاد المغرب.
ومن العمّال
عبد العزيز بن عبد الله بن عبد العزيز الأسدي العراقي
من أهل وادي آش، نزل سلفه طرّش من أحوازها، وجدّه استوطنها، وذكروا أنه كان له بها سبعون غلاما. وجدّه للأمّ أبو الحسن بن عمر، شارح الموطّأ ومسلم، ومصنّف غير ذلك. كذا نقلته عن أبي عبد الله العراقي، قريبه.
حاله: كان طبيبا، شاعرا مجيدا، حسن الخط، طريف العمل، مشاركا في معارف، تولّى أعمالا نبيهة.
شعره: نقلته من خطّه ما نصّه: [الوافر]
صرفت لخير صدر في الزمان ... عريق في أصالته عنان
كريم المنتمى من خير بيت ... سليل مجادة ورفيع شان
رحيب بان «3» فضل غير وان ... عن الأفضال في هذا الأوان


صفحه 16

ومن هذا؟ أذاك هو ابن عيسى ... محمد المعان على المعان؟
أبو عبد الإله «1» المنتمي من ... مساوي الفضل في سرو «2» العنان
ذراني في مجادته محبّا ... فهشّ لما به يحوي جناني «3»
فأنس ثم بشر بالأماني ... ورفع بعد تأنيس مكاني
وسرّ الله «4» ما أولى ليرأى «5» ... وليس كمن رآني فازدراني
ويوجب ذو الفضائل كلّ فضل ... بما فيها ترشّحت الأواني
وكم زهر رآه وسط روض ... وكم هاذ يدي بين الدّنان
بمالقة وبالأقطار أضحت ... معاليكم مشيّدة المباني
فأبدوا للإله «6» لسوف يأتي ... لكم منّي سوابق في الرّهان
قواف كم «7» من الحكم قواف ... محامد للسّماع وللعيان
يفوق نظيمها من كل معنى ... سلوك الدّرّ من حلي الحسان
متى خفّ ازدحام من همومي ... ورجّيت الأماني «8» مع أمان
شكرت الله ثم صفا فؤادي ... وأملي ما تحبّ على لساني «9»
فهأنذا ببرّكم غذائي ... ولي منكم على بعدي تدان
محبّك حيث كنت بلا سلوّ ... وضيفك في البعاد وفي التّوان
ثنائي ثابت يبقى بقائي «10» ... ومن بعدي على طول الزمان
وما تهب الأكفّ قراك فان ... وما تهب الطّروس فغير فان
هنيئا بالنّزاهة في سرور ... ومع من لا له في الفضل ثان
فلا زالت مسرّته توالي ... ولا زالت تزفّ لك التّهاني
وفاته: ببلدة وادي آش عام خمسة عشر وسبعمائة.


صفحه 17

عبد القادر بن عبد الله ابن عبد الملك بن سوّار المحاربي
حاله: هذا الرجل دمث الأخلاق، سكون، وقور. خدم أبوه بغرناطة كاتبا للغزاة، منوّها به، مشهورا بكرم وظرف. وانتقل إلى العدوة، ونشأ ابنه المذكور بها، وارتسم بخدمة ولي العهد الأمير أبي زيّان، وورد على الأندلس في وسط عام سبعة وخمسين وسبعمائة في بعض خدمه، وأقام بغرناطة أياما يحاضر محاضرة يتأنّس به من أجلها الطالب، وينتظم بها مع أولي الخصوصية من أهل طريقه، وينقل حكايات مستطرفة؛ فمن ذلك أن الشيخ عبد الرحمن بن حسن القروي الفاسي كان مع أبي القاسم الزياني بجامع القرويين ليلة سبع وعشرين من رمضان، فدخل عليهم ابن عبدون المكناسي، فتلقاه الزياني وتأيّده، وتوجهوا إلى الثّريّا بالقرويين وقد أوقدت، وهي تحتوي على نحو ألف كاس من الزجاج، فأنشد الزياني: [السريع]
انظر إلى ناريّة نورها ... يصدع بالّألاء حجب الغسق
فقال ابن عبدون: [السريع]
كأنّها في شكلها زهرة ... انتظم النور بها فاتّسق
وحكيت القصة للأديب الشهير أبي الحكم مالك بن المرحّل، فقال: لو حضرت أنا لقلت: [السريع]
أعيذها من شرّ ما يتّقى ... من فجأة العين بربّ الفلق
واستنشد من شعره في الثامن والعشرين لربيع الآخر من العام بقصر نجد، فقال من حكايات: إن السلطان أمير المسلمين وجد يوما على رجل أمر بتنكيله، ثم عطف عليه في الحال وأحسن إليه، وكان حاضرا مجلسه أبو الحسن المزدغي، رحمه الله، فأنشده بديهة: [البسيط]
لا تونسنّك من عثمن سطوته ... وإن تطاير من أثوابه الشرر
فإنّ سطوته والله يكلأه ... كالبرق والرّعد يأتي بعده المطر
قال المترجم به: فحدّثني بذلك والدي، فتعقّبتها عليه عام تسعة وعشرين وسبعمائة، لموجب جرّ ذلك بقولي: [البسيط]
لا تيأسن من رجا كهف الملوك أبي ... سعيد المرتجى للنّفع والضّرر
الإحاطة في أخبار غرناطة/ ج 4/م 2


صفحه 18

وإن بدا منه سخط أو رأيت له ... من سطوة أقبلت ترميك بالشّرر
فإنما شيء مثل الرّعد يتبعه ... برق ومن بعده ينهل المطر
وأنشدني لبعض الأحداث من طلبة فاس، يخاطب صاحبنا الفقيه الكاتب أبا عبد الله بن جزي، وقد توعده على مطل باستنساخ كتاب كان يتناول له، وهو بديع:
[الطويل]
إذا ما أتت أبطال قيس وعامر ... وأقيال عبس من بغام «1» وقسور «2»
تصادمني وسط الفلا لا تهولني ... فكيف أبالي بابن جزء مصغّر؟
مولده: بفاس في العشر الأول لذي حجة عام تسعة وسبعمائة.
ومن الزهّاد والصلحاء وأولا الأصليون
عبد الأعلى بن معلا
يكنى أبا المعلى الإلبيري، من قرى القلعة «3» ، ونشأ بالحاضرة. وكان ينسب إلى خولان. ويذكر أنه أسلم على يدي رجل من خولان، فتولّاه وانتسب إليه، وخرج إلى إلبيرة، ونشأ بها، وشغف بكتب عبد الملك بن حبيب، ولم يكن أحد في عصره يشبهه في فضله وزهده وورعه، وتواضعه وانقباضه، وتستّره؛ أرسل إليه حسين بن عبد العزيز، أخو هاشم بن عبد العزيز، وهو بإلبيرة يرغب إليه في أن يشهد جنازة ابنة توفيت له، كان يشغف بها، فتعذّر عليه إذ خشي الشّهرة. وقال لبعض جلسائه: ما علمت أن حسينا يعرفني، وعمل على الخروج من إلبيرة، وتهيّأ للخروج للحج، فحج، فلمّا كان منصرفه ونزل في بعض السّواحل، وجد هنالك مركبين يشحنان، فرغب كل من أصحاب المركبين أن يركب عنده، وتنافسا في ذلك، حتى خشي أن تقع الفتنة بينهم، فاهتم لذلك، ثم اصطلح أرباب