وأنشد في هذا الغرض الفقيه أبو عبد الله بن جزي رحمه الله «1» : [الطويل]
ألم تر أنّ المجد أقوت معالمه ... فأطنابه قد قوّضت دعائمه
هوى من سماء المعلوات شهابها ... وخانت جواد المكرمات قوائمه
وثلّت من الفخر المشيد عروشه ... وفلّت من العزّ المنيع صوارمه
وعطّل من حلي البلاغة قسّها ... وعرّي من جود الأنامل حاتمه «2»
أجل إنه الخطب الذي جلّ وقعه ... وثلّم غرب الدين والعلم هاجمه
وإلّا فما للنوم طار مطاره ... وما للزيم الحزن قصّت قوادمه
وما لصباح الأنس أظلم نوره ... وما لمحيّا الدهر قطّب باسمه
وما لدموع العين فضّت كأنها ... فواقع زهر والجفون كمائمه «3»
قضى الله في قطب الرياسة أن قضى ... فشتّت ذاك الشّمل من هو ناظمه
ومن قارع الأيام سبعين حجّة ... ستنبو عراره «4» ويندقّ قائمه
وفي مثلها أعيا النطاسيّ «5» طبّه ... وضلّ طريق الحزم في الرأي حازمه
تساوى جواد في رداه وباخل ... فلا الجود واقيه ولا البخل عاصمه
وما نفعت ربّ الجياد كرامه ... ولا منعت منه الغنيّ كرائمه
وكلّ تلاق فالفراق أمامه ... وكلّ طلوع فالغروب ملازمه
وكيف مجال العقل في غير منفذ ... إذا كان باني مصنع هو هادمه
ليبك «6» عليّا مستجير بعدله ... يصاخ لشكواه ويمنع ظالمه
ليبك «7» عليّا مائح «8» بحر علمه ... يروّى بأنواع المعارف هائمه
ليبك «9» عليّا مظهر فضل نصحه ... يحلّأ «10» عن ورد المآثم حائمه
ليبك «1» عليّا معتف «2» جود كفّه ... يواسيه في أمواله ويقاسمه
ليبك «3» عليّا ليله وهو قائم ... يكابده أو يومه وهو صائمه
ليبك «4» عليّا فضل كلّ بلاغة ... يخلّده في صفحة الطّرس راقمه
وشخص ضئيل الجسم يرهب نفثه ... ليوث الشّرى في خيسها وضراغمه «5»
تكفّل بالرزق المقدّر للورى ... إذا الله أعطى فهو للناس «6» قاسمه
يسدّده سهما وينضوه صارما ... ويشرعه رمحا فكلّ يلائمه
إذا سال من شقّيه سائل حبره «7» ... بما شاء منه سائل فهو عالمه
ليبك عليه الآن «8» من كان باكيا ... فتلك مغانيه خلت ومعالمه
تقلّد منه الملك عضب بلاغة ... يقدّ السلوقيّ المضاعف صارمه
وقلّده مثنى الوزارة فاكتفى ... بها ألمعيّ حازم الرأي عازمه
ففي يده وهو الزعيم بحقّها ... براعته «9» والمشرفيّ وخاتمه
سخيّ على العافين سهل قياده ... أبيّ على العادين صعب شكائمه
إذا ضلّت الآراء في ليل حادث ... رآها برأي يصدع الحقّ «10» ناجمه
وقام بأمر الملك «11» للدين حاميا ... فذلّ معاديه وضلّ مراغمه
وقد كان نيط العلم والحلم والتّقى ... به وهو ما نيطت عليه تمائمه
ودوّخ أعناق الليالي بهمّة ... يبيت ونجم الأفق فيها يزاحمه
وزاد على بعد المنال تواضعا ... أبى الله إلّا أن تتمّ مكارمه
سقيت الغوادي! أيّ علم وحكمة ... ودين متين ذلك القبر كاتمه
وما زلت «12» يستسقى بدعوتك الحيا ... وها هو يستسقى لقبرك ساجمه
بكت فقدك الكتّاب إذ كان شملهم ... يؤلّفه من روح «1» فضلك ناعمه
وطوّقتهم بالبرّ ثم سقيتهم ... نداك فكنت الروض ناحت حمائمه
ويبكيك مني ذاهب الصبر موجع ... توقّد «2» في جنبيه للحزن جاحمه
فتى نال منه الدهر إلّا وفاءه ... فما وهنت في حفظ عهد عزائمه
عليل الذي زرّت عليه جيوبه ... قريح الذي شدّت عليه حزائمه
فقد كنت ألقى الخطب منه بجنّة ... تعارض دوني بأسه وتصادمه
سأصبر مضطرّا وإن عظم الأسى ... أحارب حزني مرّة وأسالمه
وأهديك إذ عزّ اللقاء تحيّة ... وطيب ثناء كالعبير نواسمه
وأنشد القاضي أبو بكر «3» القرشي قوله في قصيدة في ذلك «4» : [الوافر]
هي الآجال «5» غايتها نفاد ... وفي الغايات تمتاز الجياد
وأنشد الفقيه الكاتب أبو بكر «6» القاسم بن الحكيم قوله من قصيدة:
[الطويل]
لينع الحجا والحلم من كان ناعيا ... ويرع العلا والعلم من كان راعيا
وأنشد الفقيه القاضي أبو بكر «7» بن جزي قصيدة أولها «8» : [الطويل]
أبثّكما والصبر للعهد ناكث ... حديثا أملّته عليّ الحوادث
قصائد مطولات يخرج استقصاؤها عن الغرض، فكان هذا التأبين غريبا لم يتقدّم به عهد بالحضرة لكونها دار ملك، والتجلّة في مثل هذا مقصورة على أولي الأمر، فمضى بسبيله، رحمه الله.
علي «1» بن موسى بن عبد الملك بن سعيد بن خلف ابن سعيد بن محمد بن عبد الله بن سعيد «2» بن الحسن ابن عثمان «3» بن عبد الله بن سعد بن عمار بن ياسر ابن كنانة بن قيس بن الحصين بن لوذم «4» بن ثعلب ابن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن نام بن عبس «5» واسمه زيد بن مالك بن أدد بن زيد العنسي المذحجي «6»
من أهل قلعة يحصب «7» ، غرناطي، قلعي «8» ، سكن تونس، يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن سعيد.
أوليته: قد تقرر من كرم أوليته وذكر بيته ما ينظر في محله.
حاله: هذا الرجل وسطى عقد بيته، وعلم أهله، ودرّة قومه، المصنّف الأديب، الرحال، الطّرفة، الإخباري، العجيب الشأن في التجول في الأوطان، ومداخلة الأعيان، والتمتع بالخزائن العلمية، وتقييد الفوائد المشرقية والمغربية.
مشيخته: أخذ عن أعلام إشبيلية كأبي علي الشّلوبين، وأبي الحسن الدباج، وأبي الحسن بن عصفور وغيرهم.
تواليفه: وتواليفه كثيرة، منها المرقصات والمطربات «1» ، عزيز الوجود، والمقتطف أغرب وأعجب، والطالع السعيد في تاريخ بيته وبلده، والموضوعان الغريبان المتعددا الأسفار، وهما «المغرب في حلى المغرب» ، «والمشرق في حلى المشرق» ، وغير ذلك مما لم يتصل إلينا، فلقد حدّثني الوزير أبو بكر بن الحكيم، أنه تخلف كتابا يسمى «المرزمة» ، يشتمل على وقر بعير، لا يعلم ما فيه من الفوائد الأدبية والإخبارية إلّا الله.
شعره: قال: تعاطى نظم الشعر في حدّ زمن الشبيبة، يعجب فيه من مثله، فيذكر أنه خرج مع والده، وقد مرّ في صحبته إلى إشبيلية، وفي صحبته سهل بن مالك، فجعل سهل يباحثه عن نظمه، إلى أن أنشده في صفة النهر والنسيم يردّده، والغصون تميل عليه «2» : [المنسرح]
كأنما النّهر صفحة كتبت ... أسطرها والنسيم ينشئها «3»
لمّا أبانت عن حسن منظرها ... مالت عليها الغصون تقرؤها «4»
فطرب أبو الحسن وأثنى عليه، ثم شدا. وناب عن أبيه في أعمال الجزيرة، ومازج الأدباء، ودوّن كثيرا من نظمه، وحفظ له في المدح: [الكامل]
يا أيها الملك الذي هباته ... وهباته شدّت عرى الإسلام
لمّا أسال نداه سلّ حسامه ... فأراك برقا في متون غمام
لله شيعتك التي ترك العدا ... أقداحهم بمواطئ الأقدام
طاروا بأجنحة السيوف إليهم ... مثل الحمام جلبن كل حمام
فهم سهام والجياد قسيّهم ... وعداهم هدف وسعدك رام
وقال: ومما نظمته بالحضرة في فرس كان لهم لوباني أغرّ أكحل بحلية «1» :
[الطويل]
وأجرد تبري أثرت به الثّرى ... وللفجر «2» في خصر الظلام وشاح
عجبت له وهو الأصيل بعرفه ... ظلام وبين الناظرين صباح
رحلته المشرقية، وفيها الكثير من نظمه، قال في «الطالع» : لما قدم الديار المصرية واشتهر، كان مما نظمه سلما لمعرفة الأدباء والظرفاء قوله، وقد رأى بساحلها وجوها لا يعرفها، وألسنا غير ما عهد «3» : [الكامل]
أصبحت أعترض الوجوه ولا أرى ... من «4» بينها وجها لمن أدريه
ويح الغريب توحّشت ألحاظه ... في عالم ليس له بشبيه
عودي على بدئي ضلالا بينهم ... حتى كأني من بقايا التّيه
ودخل القاهرة، فصنع له أدباؤها صنيعا في ظاهرها، وانتهت بهم الفرجة إلى روض نرجس، وكان فيهم أبو الحسن الجزّار «5» ، فجعل يدوس النرجس برجله، فقال أبو الحسن «6» : [السريع]
يا واطئ النرجس بالأرجل ... ما تستحي أن تطأ الأعين بالأرجل؟ «7»
فتهافتوا بهذا البيت وراموا إجازته.
فقال ابن أبي الأصبغ «8» : [السريع]
فقال «9» : دعني لم أزل محرجا ... على لحاظ الرّشا «10» الأكحل
وكان أمثل ما حضرهم، ثم أبوا أن يجيزه غيره، فقال «1» : [السريع]
قابل جفونا بجفون ولا ... تبتذل الأرفع بالأسفل
ثم استدعاه سيف الدين بن سابق، صاحب الأشغال السلطانية، إلى مجلس بضفة النيل، مبسوط بالورد، وقد قامت حوله شمامات نرجس، فقال في ذلك «2» :
[السريع]
من فضّل النّرجس فهو الذي ... يرضى بحكم الورد إذ يرأس
أما ترى الورد غدا قاعدا ... وقام في خدمته النّرجس؟
ووافق ذلك مماليك الترك، وقوفا في الخدمة على عادة المشارقة، فطرب الحاضرون، من حسود ومنصف. ولقي بمصر محيي الدين بن ندا واقد التركي «3» ، والإمام زهير الحجاري بهاء الدين، وبالقاهرة جمال الدين بن مطروح، وجمال الدين بن يغمور، وتعرف بكمال الدين بن العديم رسول سلطان حلب، فاستصحبه يتحف به الملك الناصر صاحب حلب، فلقي بحمص وبيت المقدس وحماه أعلاما جلّة، وله معهم أخبار يطول ذكرها، ودخل على السلطان «4» بحلب، وأنشده قصيدة أولها «5» : [الكامل]
جد لي بما ألقى الخيال من الكرى ... لا بدّ للطّيف الملمّ من الكرى «6»
فقال كمال الدين: هذا رجل عارف «7» مذ روى لمقصده من أول كلمة. ثم قال بعد أبيات:
الناصر الملك الذي عزماته ... أبدا تكون مع العساكر عسكرا
ما كان أنبا الفتح يلزم لامه ... والجمع من أعدائه متكسّرا
فعظم استظراف السلطان لهذه المقاصد، وأثنى عليه. ثم وصل فقال:
الدين أصلحه وعمّ صلاحه الدنيا ... وأصبح ناصرا ومظفّرا
فكأن كنيته غدت موضوعه ... من ربّه والوصف منه مقرّرا
وكأنما الأسماء قد عرضت على ... علياه قبل وجوده متخيّرا
فقال السلطان: كيف ترون؟ واستعاده. فقال عون الدين العجمي عميد المجلس وكاتب الإنشاء: استنباطه ما سمع الملوك بمثله يا خوند. ثم أنشد:
من آل أيوب الذين هم هم ... ورثوا الندى والبأس أكبر أكبرا
أهل الرياسة والسياسة والعلا ... بسيوفهم حلّوا الذّرى منحوا الذّرا «1»
سمّ العداة على حياء فيهم «2» ... لا تعجبوا فكذاك «3» آساد الشّرى
كادوا يقيلون العداة من الرّدى ... لو لم يمدّوا كالحجاب العثيرا
جعلوا خواتم سمرهم من قلب كل ... ل معاند عدّ «4» المثقّف خنصرا
وببيضهم قد توّجوا أعداءهم ... حتى لقد حلّوا لكيما تشكرا
لو لم يخافوا تيه سار «5» نحوهم ... وهبوا الكواكب والصّباح المسفرا
وهي طويلة. ثم استجلسه السلطان، وسأله عن بلاده ومقصده «6» بالرحلة، فأخبره أنه جمع كتابا في الحلى البلادية والحلى العبادية المختصّة بالمشرق، وأخبره أنه سمّاه «المشرق في حلى المشرق» . وجمع مثله فسمّاه «المغرب في حلى المغرب» . فقال: نعينك بما عندنا من الخزائن، ونوصلك إلى ما لا»
عندنا، مثل خزائن الموصل وبغداد، وتضيف «8» لنا المغرب. فخدم على عادتهم، وقال: أمر مولاي بذلك إنعام وتأنيس، ثم قال له السلطان مداعبا: إن شعراءنا ملقّبون بأسماء الطيور، وقد اخترت لك لقبا يليق بحسن صوتك وإيرادك للشعر، فإن كنت ترضى به، وإلّا لم يعلمه «9» غيرنا، وهو البلبل، فقال: قد رضي المملوك بذلك يا خوند.