بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 135

لا ترعني «1» بالجفا ثانية ... ما بقي في الجسم ما يحمله
فرق له، وعاد إلى حسن النظر فيه، إلى أن توفي تحت برّ وعناية، رحمه الله.
مولده: ولد بغرناطة ليلة الفطر في سنة عشر وستمائة.
وفاته: توفي بتونس، حرسها الله، في أحواز عام خمسة وثمانين وستمائة «2» .
علي بن عبد الرحمن بن موسى بن جودي القيسي «3»
الأديب الكاتب، يكنى أبا الحسن.
حاله: من أهل المعرفة بالعلوم القديمة، وأصله من عمل سرقسطة. وكان صديقا للوزير أبي الحسن بن هاني.
مشيخته: قرأ على الحكيم أبي بكر بن الصايغ، المعروف بابن باجة «4» . وكان خليع الرّسن فيما ذكر عنه.
شعره: من شعره: [الطويل]
خليليّ من نعمان، بالله عرّجا ... على الأيك من وادي العقيق فسلّما
وقولا له ما حال لبنى لعلّه ... إذا سمع النجوى بلبنى تكلّما
فعهدي به والظلّ ينفضّ دوحه ... وقد خضلت عيدانه فتنعّما
تباكره لبنى لإتيان موعد ... عزيز عليها أن يخان ويصرما
نبثّ حديثها فنبكي بعبرة ... فترسلها ماء ونرسلها دما


صفحه 136

ومن شعره قوله «1» : [الوافر]
أدر كأس المدام فقد تغنّى ... بفرع الأيك أورقها الصّدوح
وهبّ «2» على الرياض نسيم صبح ... يمرّ كما ونى «3» ساد طليح
وسال النّهر يشكو من حصاه ... جراحات كما أنّ الجريح
وقال: [الطويل]
سقى الله دهرا ضمّ شمل مودّة ... وجمّع إخوان الصفاء بلا وعد
بميناء تعلوها الرياح بليلة ... وتنظر منها الشمس بالأعين الرّمد
وفاته: توفي بغرناطة في حدود الثلاثين وخمسمائة «4» .
ومن الطارئين
عمر بن خلاف بن سليمان بن سلمة
من أهل شابش، يكنى أبا علي.
حاله: كان فقيها أديبا مكثرا، شهير المكان بجهته، مولعا بمكاتبة الأدباء وتقييد ما يصدر عنهم، مؤرّخا من أهل النباهة والعناية. ألّف كتابا سماه «نخبة الأعلاق، ونزهة الأحداق في الأدباء» ، وحلّى من ذكر فما قصّر عن السّداد. وله نظم ونثر وخطب، وبيعات ومراجعات تضمّنها الكثير من كتبه.
فمن شعره ما قاله يخاطب بعض إخوانه: [البسيط]
خذها إليك أبا إسحاق تذكرة ... من ذاكر لك في قرب وفي شحط
يرعى ذمامك، لا تنسى لوازمه ... ولا يمازجه بالسّهو والغلط
ولا يزال بحفظ العهد معتنيا ... ولا يعامل في البحران بالشطط
فأنت عندي أولى من أذمّة ر ... بحي ومن صفوتي في أرفع النّمط
قد طال شوقي للإعلام منك بما ... لديك إذ فيه لي تأنيس مغتبط
وقد تبّت بنكري في التغافل عن ... معهود ما كنت توليه لذي الشّحط


صفحه 137

وقد عفا رسم عرفان الإخاء بما ... أوليت من كثرة الإهمال والغلط
اجبر «1» أخي وهيه وارجع لصالح ما ... عوّدت في الكتب من مستحسن الخطط
وجد ببسط انبساط أنت تبذله ... فإنّ أقبح شيء قبض منبسط
وخذ «2» سلاما كعرف المسك نفحته ... من ذي ولاء بذاك المجد مغتبط
وفي مفاتحة بعض الأدباء: [الطويل]
أبا جعفر، وافتك في صفحة الطّرس ... عقيلة ودّ لم تشنها يد اللّمس
لها حلل الإخلاص زيّا وحليها ... عطر ثنا عرف روض الربى ينبس «3»
وموجبها ما قد فشا من محامد ... حباك بها الرحمن ذو العرش والكرسي
وغرّ علوم حزتها ومعارف ... غلوت بها فحي على البدر والشّمس
فإن رزقت منك القبول تشرّفت ... وفازت بتحصيل المسرّة والأنس
خطابك يا قاضي العدالة بغيتي ... وروحي وريحاني وقصوى منى نفسي
اقتضبتها أعلى الله قدرك، كما أسنى في سماء المعارف والأدب التالد والطارف بدرك، عن ودّ ملك زمامي، وفضل في سبيل المنافسة في خطبة ودادك غاية اهتمامي، وقد تقرّر لديّ من محاسنك وإحسانك بالسماع، ما أوجب عليّ مخاطبتك عند تعذّر المشافهة بألسنة اليراع، فانقدت بزمام ذلك الواجب، وقصدت أداءه على أصحّ المذاهب، راجيا من تجاوزك وإغضائك، ما يليق بباهر علائك، وفي جوابك هو الشفاء، ولدى خطابك يلقى الاعتناء والاحتفاء، والله يطلع منك السّار، ويصل لك المبار. وقال يخاطب السلطان: [الطويل]
إلى الحضرة العلياء «4» يستبق العبد ... وفي القرب منها والدّنوّ هو القصد
إلى حضرة الولي الإمارية التي ... تبلّج فيها العدل وابتسم السّعد
وفيها وجود المرء «5» للدين والدّنا ... وقد خصّها بالرحمة الصّمد الفرد
وفاته: كان حيّا في سنة خمس وستمائة.


صفحه 138

علي بن أحمد بن محمد بن يوسف بن عمر الغساني «1»
من أهل قرية أرينتيرة من قرى سند مدينة وادي آش، يكنى أبا الحسن.
حاله: كان من جلّة الطلبة ونبهائهم وأذكيائهم وصلحائهم. عنده معرفة بالفقه، ومشاركة في الحديث، ومعرفة بالنحو والأدب، وحسن نظم ونثر، من أحسن الناس نظما للوثائق، وأتقنهم لها، وأعرفهم بنقدها، وأقصدهم لمعانيها، يستعين على ذلك بأدب وكتابة، فيأتي بأشياء عجيبة.
مشيخته: روى عن الراوية أبي العباس الخروبي، والمقرئ أبي الحسن طاهر بن يوسف بن فتح الأنصاري، والقاضي أبي محمد بن عبد الرحيم الخزرجي.
تواليفه: ألّف كتابا في شرح المسند الصحيح لمسلم بن الحجاج في أسفار كثيرة، أجاد فيها كل الإجادة. وله كتاب سماه ب «الوسيلة في الأسماء الحسنى» . ونظم في شمائل النبيّ، عليه أفضل الصلاة والسلام.
شعره: له شعر في الزهد وغيره، فمنه قوله: [مجزوء الرجز]
أيا كريما لم يضع ... لديك عبد أمّلك
بالباب من أنت له ... وودّ أن لو كان لك
عبد له أسئلة ... وليستحي أن يسألك
أفواههم تسأله ... ولم تحسّن عملك
ألست «2» أنت خنته ... أمانة قد حمّلك؟
ولم تكن تشكر ما ... من فضله قد خوّلك؟
وكلّما أهملته ... من حقّه ما أهملك
إنّا كما قالوا سوى ... أنك أعلى من ملك
تلك التي تؤنسني ... وترتجي من فضّلك «3»
بشراي إن نال الرّضا ... بها فقد «4» توسّلك


صفحه 139

علي بن محمد بن «1» علي بن هيضم الرّعيني
من أهل إشبيلية، يكنى أبا الحسن.
حاله: الكاتب البليغ المحدّث الراوية. قال الأستاذ: كان من أهل العلم والمشاركة، وغلبت عليه الكتابة السلطانية واعتمدها صناعة. وكتب لجلّة من ملوك الأندلس والعدوة. وكان انفصاله من الأندلس قبل سنة أربعين وستمائة.
قلت: وكتب للسلطان المتوكل على الله أبي عبد الله بن هود «2» ، ثم للسلطان المتوكل الغالب بالله أبي عبد الله بن نصر «3» . وسكن بغرناطة مدة مديدة. ثم رحل إلى مراكش، فكتب عن أمير سبتة، وعن ملوك الموحدين بمراكش. ونمت حاله ونبهت رتبته، واستقلّ بالإنشاء بعد شيخه أبي زيد الفازازي، وكان محدّثا عارفا بالرواية، متعدد المشيخة، فاضلا، ديّنا، مشاركا في كثير من المعارف، حسن الخط، جيد الكتابة، متوسط الشعر. قلت: هذا الرجل له مشيخة في أصل ابن الخطيب، طويلة اختصرتها.
شعره ونثره: من ذلك ما جمع فيه بين النظم والنثر: [الكامل]
وافى الكتاب وقد تقلّد جيده ... ما أنت تحسن نظمه وتجيده
من كلّ معنى ضمن لفظه في حلى ... خطّ يزيل طلى الطرّوس فريده
أبا المطرّف، دعوة من خالص ... لعلاك غابت ودّه وشهيده
أنت الوحيد بلاغة وبراعة ... ولك البيان طريفه وتليده
فانثر فأنت «4» بديعه وعماده ... وانظم فأنت «5» حبيبه ووليده
إيه، أيها السيد الذي جلّت سيادته، وحلّت صميم الفؤاد سعادته، ودامت بها ينفع الناس عادته. ألقى إلى كتاب كريم خطّته تلك اليمنى التي اليمن فيها تخطّه، ونسّقت جواهر بيانه التي راق بها سمطه، فلا تسلوا عن ابتهاجي بأعاجيبه، وانتهاجي لأساليبه، وشدّة كلفي بالتماح وسيمه، وجدّة شغفي باسترواح نسيمه. فإنه قدم وأنس


صفحه 140

النّفس راحل، واستعاده وروض الفكر ماحل، فجاده لا جرم أنه بما حوى من حدق النّوى، وروى من طرق الهوى، وبكى الربيع المحيل، وشكى من صابح الرّحيل، هيّج لواعج الأشواق وأثارها، وحرّك للنفس حوارها، فحنّت، واستوهبت العين مدارها فما ضنّت. فجاشت لوعة أسكنت، وتلاشت سلوة عنت، وكفّ دمع كفّ، وثقل عذل حفّ، واشتدّ الحنين، وامتدّ الأنين، وعلا النحيب، وعرا الوجيب، والتقى الصّبّ والحين، وهدى المحب قدر ما جناه البين، وطالما أعمل في احتمال المشاق عزيمه، وشدّ لاجتياب الآفاق حيازيمه: [المنسرح]
وادع مثوى المقام معتزما ... فلا «1» يرى للغرام ملتزما
وأزمع البين «2» عن أحبّته ... والبين عن داره التي رئما
وما درى أنه بعزمته ... قد «3» أشعل البين في الحشا ضرما
وهل جرى ذاك في تصوّره؟ ... فربما أحدث الهوى لمما
إلهي، ألا نوى مشيئته «4» ... شملا من العيش كان منتظما؟
وعاذل قال لي يعنّتني ... لا تبد فيما فعلته ندما
ما حيلة في يدي فأعملها ... عدل من الله كلّ ما حكما
أما أنّ القلب لو فهم حقيقة البين قبل وقوعه، وعلم قدر ما يشبّ من الرّوع في روعه، لبالغ في اجتنابه، واعتقد المعفي عنه من قبيل المعتنى به، ولحا الله الأطماع، فإنها تستدرج المرء وتغرّه، وتغريه بما يسرّه، ما زالت تقتل في الغارب والذّروة، وتخيل بالترغيب والثّروة، حتى أنأت عن الأحباب والحبايب، ورمت بالغريب أقصى المغارب. فيا لوحشة ألوت بإيناسه، وبالغربة أحلّت في غير وطنه وناسه، ويا عجبا للأيام وإساءتها، وقرب مسرّتها عن مساءتها، كأنها لم تتحف بوصال، ولم تسعف باتصال، ولم تمتّع بشباب، ولم تفتح لقضاء أوطار النفس كل باب: [الخفيف]
عجبا للزمان عقّ وعاقا ... وعدمنا مسرّة ووفاقا
أين أيامه وأين ليال ... كلآل تلألؤأ واتّساقا؟
كم نعمنا بظلّها فكأنّا ... مرقها للصّبا علينا رماقا


صفحه 141

كم بغرناطة وحمص وصلنا ... باصطباح من السرور اغتباقا
في «1» ربى نجد تلك أو نهر هدي ... والأماني تجري إلينا استباقا
في رياض راقت وراق ولكن ... حين ندّ الحيا لها فأراقا
رقّ فيها النسيم فهو نسيب ... قد سبا رقّة نفوسا رفاقا
وثنا للغصون منها قدودا ... تتلاقى تصافحا واعتناقا
كلّما هبّ من صباه عليل ... وتداوى بها العليل أفاقا
حكم السّعد للأحبة فيه ... بكؤوس الوصال أن تنساقا
ثم كرّت للدهر عادة سوء ... شقّ فيها خطب النوى حين شاقا
شتّت الشمل بعد طول اجتماع ... وسقى للفراق «2» كأسا دهاقا
وأعاد الأوطان قفرا ولكن ... قد أعاد القطان فيها الرفاقا
ليت شعري والعيش تطويه بالفي ... فى «3» ، أشاما تبوءوا أم عراقا؟
يا حداة القلوب، رفقا بصبّ ... بلغت نفسه السياق اشتياقا
آه «4» من شجوة وآه لبين ... ألزم النّفس لوعة واحتراقا
هذه، يا سيدي، استراحة من فؤاد وقدته الفرقة والقطيعة، واستباحته لحمى الوقار بما لم تحظره الشريعة، فقديما تشوكيت الأحزان، وتبوكيت الأوطان، وحنّ المشتاق، وكنّ له من الوجد ما لا يطاق، فاستوقف الركب يشكو البلابل، واستوكف السحب لسقيا المنازل، وفدى الرّبع وإن زاده كربا، ومن له إن يلم لائما له تربا.
حسبه دموع تفيض مجاريها، ونجوم يسامرها ويسايرها: [الكامل]
ألف السهاد فشأنه إدمانه ... واستغرقت أحيانه أشجانه
وشكا جفاء «5» الطّيف إذ لم يأته ... هل ممكن من لم ينم إتيانه؟
واستعبدته صبابة وكذا الهوى ... في حكمه «6» أحراره عبدانه
كم رام كتمان المحبة جهده ... ودموعه يبدو بها كتمانه


صفحه 142

وإذا المحبّ طوى حديث غرامه ... كبا الضلوع وشت به أجفانه
وهي طويلة.
وفاته: بمراكش سحر ليلة الأربعاء الرابعة والعشرين من رمضان سنة ست «1» وستين وستمائة. ودفن عقب ظهره بجبانة الشيوخ مقاربا باب السادة أحد أبواب قصر مراكش. وكان الحفل في جنازته عظيما، لم يتخلّف كبير أحد.
علي بن محمد بن علي بن البنا «2»
من أهل وادي آش، يكنى أبا الحسن.
حاله: من «الإكليل الزاهر» ، قال فيه «3» : فاضل يروقك وقاره، وصقر بعد مطاره. قدم من بلده وادي آش «4» يروم اللحاق بكتّاب الإنشاء، وتوسل بنظم أنيق، وأدب «5» في نسب الإجادة عريق، تعرب براعته عن لسان ذليق، وطبع طليق، وذكاء بالأثرة خليق، وبيننا هو يلحم في ذلك الغرض ويسدي، ويعيد ويبدي، وقد كادت وسائله أن تنجح، وليلة «6» رجائه أن تصبح، اغتاله الحمام، وخانته الأيام، والبقاء لله والدّوام.
شعره: من شعره يخاطبني لما تقلدت الكتابة العليا «7» : [البسيط]
هو العلاء «8» جرى باليمن طائره ... فكان منك على الآمال ناصره
ولو جرى بك ممتدّا إلى أمل «9» ... لأعجز الشمس ما أمّت «10» عساكره
لقد حباه منيع العزّ خالقه ... بفاضل منك لا تحصى مآثره
فليزه فخرا فما خلق يعارضه ... ولا علاء «11» مدى الدنيا يفاخره
لله أوصافك الحسنى لقد عجزت ... من كلّ ذي لسن عنها خواطره
هيهات ليس عجيبا عجز ذي لسن ... عن وصف بحر رمى بالدّرّ زاخره