بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 150

وفاته: توفي في الكائنة بغرناطة سنة سبع وخمسين وخمسمائة. خرج منها يريد وادي آش، فلم يصل إليها، وفقد فلم يوقع له على خبر.
علي بن عبد الله بن يحيى بن زكريا الأنصاري
يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن زكريا.
أوّليّته: قد مرّ في ذكر أبيه وعمّه.
حاله: هذا الرجل فاضل، سكون، من أهل السذاجة والسلامة والعفاف والصيانة، معمّ مخول في الخير، طاهر النشأة، جانح للعدالة. قعد للعلاج، وبرز في صناعة الطب على فتا من سنّه، واستيم إليه بمهم من نبيه العمل وخطّته، متصف بالإجادة والبيان.
مشيخته: قرأ العربية والفقه وغيرهما من المبادىء على مشيخة وقته، والطب على الوزير أبي يزيد خالد بن خالد من أهل غرناطة، وقعد معه.
شعره: ينتحل من الشعر ما عينه في الشّرود أو غير ذلك فراره، كقوله:
[الرمل]
صعّدت نار فؤادي أدمعي ... فلذا ما جفّ قلبي فانفطر
لو أباح الله لي وصل إلى «1» ... صدع للقلب مني وانجبر
أصل دائي منك لحظ فاتر ... وأشدّ اللّحظ منه «2» ما فتر
كيف أرجو منه برءا وغدت ... قهوة للحسن «3» تسقيه درر؟
فانظر قوله الأنبل من شعره: [الطويل]
ولي همّة من دونها كلّ همّة ... أموت بها عطشان أو يخلص الشّرب
يعزّ على الكريم ورود ماء ... يكدّره شوب ويطرقه نهب
وإني وإن أضحى لودّك موضع ... من القلب أضحى دون موضعه الخلب
فتمنعني نفسي لأيمان أروا ... حهم لا «4» على شرب يؤنّقه قشب


صفحه 151

غفر الله له على قشب، وتجاوز عنه، فلقد دفع منه فضحها.
وهو بحاله الموصوفة.
ومن الطارئين والغرباء
علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن علي بن أحمد الخشني
من أهل مالقة، من قرية يعشيش من عمل ملتماس، من شرقيها، يكنى أبا الحسن. ودخل غرناطة ومدح أمراءها، وتردّد إليها.
حاله: من «عائد الصلة» : من صدور أهل الدين والفضل، والخير والصلاح والنزاهة، والاقتصاد والانقباض، تحرّف بصناعة التّوثيق بمالقة، جاريا على شاكلة مثله من الاقتصاد، والتبلّغ باليسير، ومصابرة الحاجة، مكبّا على المطالعة والنظر، مجانبا للناس، بعيدا عن الرّيب، مؤثرا للزهد في الدنيا. ولّي الخطابة بالمسجد الأعظم من قصبة مالقة في عام وفاته.
مشيخته: قرأ على الأستاذ الصالح الخطيب أبي جعفر بن الزيات، والأستاذ المقرئ رحلة الوقت أبي عبد الله بن الكمّاد.
شعره: وشعره آخذ بطرف من الإجادة في بعض المقاصد، فمن ذلك قوله:
[الوافر]
أرى لك في الهوى نظرا مريبا ... كأنّ عليك عذلا «1» أو رقيبا
ولست بخائف في الحب شيئا ... على نفسي مخافتي المشيبا
يريني كل ما تهواه نفسي ... قبيحا مالئا عيني عنيبا
أنا منه ابن قيس لا يراح ... فذق مرّ التأسف مستطيبا
إذا ما كنت تبكي فقد حبّ ... فما مثل الشباب به حبيبا
وقال في مذهب المدح من المطولات: [الكامل]
الآن تطلب ودّها ووصالها ... من بعد ما شغلت بهجرك بالها
وقد استحالت فيك سيماء «2» الصّبا ... حالا يروع مثلها أمثالها
وأتيتها متلبسا بروائع ... نكر بفودك أصبحت عذّالها


صفحه 152

بيض تخيّل للنفوس نصولها ... سمرا تخوّل للنحور نصالها
مثل الأفاعي الرّقط تنفث في الحشا ... وأرى بفودك جثما أطالها
نار تضرّم في الفؤاد حريقها ... لكن تنير بمفرقيك ذبالها
جزعت لهذا الشّيب نفسي وهي ما ... زالت تهوّن كل صعب نالها
ولكم صدعت بنافذ من عزمتي ... همّا فلا «1» يهدي العليم ضلالها
صادمت من كرب الدّنا أشتاتها ... ما خفت غربتها ولا إقلالها
ولئن تقلّص عسرتي فيء الغنا ... عنّي فلي نفس تمدّ ظلالها
ما مزّقت ديباجتي غير امرئ ... عرضت عليه النفس قط سؤالها
ألقى الليالي غير هبّ صرفها ... والأسد غير مجنّب أغيالها
أمشي الهوينا والعداة تمرّ بي ... مرّا يطير عن الجياد نسالها
علمت لي الخلق الجميل محقّقا ... وتسيء فيّ على عم «2» أقوالها
تبغي انثناء، هل «3» سمعت بنسمة ... مرّت على نجد تهزّ جبالها؟
ولربما عرضت لعيني نظرة ... يرضى الحكيم غرامها وخبالها
من غادة سرق الصباح بهاءها ... والبدر في ليل التمام كمالها
تهوي المجرّة أن تكون نجومها ... من حليها وهلالها خلخالها
عرضت كما مرّت بعينك مطفل ... ترعى بناظرك الكحيل غرامها
ما نهنهت نفسي وإن ضمنت لها ... عبراتها يوم الوداع وصالها
من كان يأمل أن يقوم بمجلس ... حطّت به شهب السما أثقالها
محا أحاديث السّرى «4» أولي النّها ... نصّا ويضري في العلى أمثالها
ألقى هواه جانبا وسرى به ... وجنا تدوّي في الدجى إعمالها
ومنها في المدح:
ألبست دين الله حلّة أمن ... أضفت على إسرائه زلزالها «5»
أنتم بني نصر نصرتم ملّة ال ... إسلام حين شكت لكم عذّالها
كنتم لها أهلا ورحّبتم بها ... في الغربتين ومنتم إنزالها


صفحه 153

نزلت على سعد ليسعد جدّها ... وأوت إلى نصر لينصر آلها
أحرزتم يوم السّقيفة عودها ... دون الأنام وقودها وسكالها
لكن حبوتم من أجرتم منّة ... بخلافة الله التي يعنى لها
إذ تؤثرون سواكم قالت بذا ... آي الكتاب، فمن يردّ مقالها؟
حتى إذا عثرت ولم ينهض بها ... إلّاكم بادرتم إنشالها
آويتم خير البريّة كلّها ... ومغيثها ونجاتها وثمالها
من ألبس الشّرف الرفيع وضيعها ... وكسا معصفرة الحجا جهّالها
من أمّ في السّبع العلى أملاكها ... جبريلها في الغرب أو ميكالها
من أنقذ الغرقى وقد شمل الرّدى ... هذا الأنام خيارها وحثالها
من فاضت الخيرات من تلقائه ... كالصّبح فاض على الدّجى فأزالها
من فجّر العين الفرات بكفّه ... يرو الورى ورد القطا سلسالها
من لا يقاسي «1» بالرياح إذا سرت ... نشرا تقلّ من السحاب ثقالها
معنى وجود الكون علّة كونه ... نفس الحياة منفّسا أهوالها
دامت صلاة الله ديمة عارض ... يهمي عليه ندى الدّنا هطّالها
لمّا تحقّقت النبوّة أنها ... قد زلزلت منها الورى زلزالها
وتقاعست عن منعها أعمامها ... أمّت أئمّة نصرها أحوالها
فوثبتم مثل الليوث لنصرها ... والحرب تجنب خلفها أشبالها
وأدرتم منها زبونا أصبحت ... ترمي رؤوس الملحدين ثقالها
بدر وما بدر وردّم قلبها ... بجنادل الطاغوت تملأ جالها
ولكم بأوطاس وقد حمي الوطي ... س على العدا يوم أطاح بحالها
فنزعتم أزواجها وسبيتم ... أولادها وسلبتم أموالها
وذهبتم بالمصطفى لدياركم ... وحيا سواكم ساقها وجمالها
فزتم به فوز المعلّى منحة ... أحرزتم دون الأنام منالها
يا أيها الملك الذي من ملكه ... جنت الملوك جمالها وجلالها
ما زال حزبك منهم يعلو على ... مرّ الدهور ويعتلي أجبالها
حتى حللت من المجادة ذروة ... ما حلّ غيرك في المجادة حالها
تحمي الهدى تهمي النّدى تولي الجدا ... وتقي الردى وتري العدا أوجالها


صفحه 154

قعدت شريعته بيمنك ليس من ... كدر يشين على العباد زلالها
يا سيّد السادات، يا ملك الملو ... ك وشمسها وصباحها وهلالها
يا بدرها، يا بحرها، أو غيثها ... أو ليثها أو حسنها وجمالها
خذها كما دارت بكأس سلافها ... حوراء تمزج باللّمى جريالها
تثني على السّحر المبين وشاحها ... وتدير من خمر الفتور جلالها
لمياء تبرز للعيون كشاطر ... والعقل يوجب حكمه إجلالها
وقفت وذو إحسانها من هاشم ... من سبط خير العالمين حيالها
يرجو رضاك وطالما أرضيتم ... آل النبيّ وكنتم أرسالها
كم من يد بيضا لدينا منكم ... شكرا «1» له وأولياه فعالها
آويتم، واسيتم، واليتم، ... أحللتمونا داركم وجلالها
وهجرتم لوصالنا أعداءنا ... ووصلتم لصلاتنا أوصالها
فصلوا حياءنا «2» ما استطعتم وصله ... تعطوا من اجزاء «3» الجزاء جزالها
وله تأليف غريب عكف عليه عمره في فضل مكّة، وكأنه يروم برهانا على وجوب كونها بالموضع الذي هي به، وفضله على سواه، وتكلم على حروف اسمها، من جهة تناسب أعداد الحروف، مما الناظر فيه مخير في نسبه إلى العرفان أو الهذيان.
وفاته: توفي بمالقة في أخريات صفر من عام خمسين وسبعمائة.
علي بن أحمد بن محمد بن يوسف بن مروان بن عمر الغساني
من أهل وادي آش، وروى وتردّد إلى غرناطة، يكنى أبا الحسن.
حاله: كان فقيها حافظا، يقظا، حسن النظر، أديبا، شاعرا مجيدا، كاتبا بليغا، فاضلا.
مشيخته: روى عن أبي إسحاق بن عبد الرحيم القيسي، وأبي الحسن طاهر بن يوسف، وأبي العباس الخرّوبي، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي محمد عبد المنعم بن الفرس الغرناطي، ومحمد بن علي بن مسرّة.


صفحه 155

وروى عنه أبو بكر بن عبد النور، وأبو جعفر بن الدلال، وأبو عبد الله بن أحمد المذحجي، وأبو سعيد الطّراز، وابن يوسف، وابن طارق، وأبو علي الحسن بن سمعان، وأبو القاسم بن الطّيلسان.
تواليفه: صنّف في شرح «الموطأ» مصنّفا سمّاه «نهج المسالك، للتفقه في مذهب مالك» في عشرة مجلدات. وشرح صحيح مسلم وسمّاه «اقتباس السراج، في شرح مسلم بن الحجاج» . وشرح تفريع ابن الجلاب وسمّاه «الترصيع، في شرح مسائل التفريع» . وصنّف في الآداب منظوماته ورسائله، وهي شهيرة، شاهدة بتبريزه وتقدّمه. وله نظم شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم، رسالة بديعة تشتمل على نظم ونثر، بعث بها إلى القبر الشريف. وله كتاب «الوسيلة إلى إصابة المعنى، في أسماء الله الحسنى» .
شعره: من شعره في «الوسيلة» ، وقد ضمّن كل قطعة أو قصيدة اسما من أسماء الله تعالى، فمنها قوله في اسم الله سبحانه: [الطويل]
قل الله نستفتح من اسمائه الحسنى ... بأعظمها لفظا وأعظمها معنى
هو الله فادع الله بالله تقترب ... لأقرب قربى من وريدك أو أدنى
وآمله مضطرّا وقف عند بابه ... وقوف عزيز لا يصدّ ولا يثنى
بباب إله أوسع الخلق رحمة ... فلله ما أولى أبرّ وما أحنى
وقدّم من الإخلاص ثم وسيلة ... تنل رتبة العلياء «1» والمقصد الأسنى
أمولاي، هل للخلق غيرك مفضل ... يصرّح عن ذكراه في اللفظ أو يكنى؟
ببابك مضطر شكا منك فقره ... لأكرم من أغنى فقيرا ومن أقنى
وللفضل والمعروف منك عوائد ... لها الحمد ما أدنى قطوفا وما أهنى
فمنها لك الإنعام دأبا خوالدا ... تفاني بها الأيام طرّا ولا يفنى
وفاته: توفي شهيدا في ربيع الآخر سنة تسع وستمائة.
علي بن صالح بن أبي الليث الأسعد بن الفرج بن يوسف «2»
طرطوشي، سكن دانية، يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن عزّ الناس «3» .


صفحه 156

حاله: كان «1» عالما بالفقه، حافظا لمسائله، متقدّما في علم الأصول، ثاقب الذهن، ذكي الفؤاد، بارع الاستنباط، مسدّد النظر، متوقّد الخاطر، فصيح العبارة، ذا حظّ من قرض الشعر «2» .
من روى عنه: روى «3» عنه أبو بكر أسامة بن سليمان، وسليمان بن محمد بن خلف، ويحيى بن عمر بن الفصيح.
دخوله غرناطة: قالوا «4» : واستخلصه الأمير أبو زكريا يحيى بن غانية «5» أيام إمارته ببلنسية لمشهور معرفته ونباهته، ثم سار معه إلى قرطبة «6» ، ولازمه إلى أن توفي أبو زكريا بن غانية بغرناطة سنة ثلاث وأربعين، فانتقل إلى شرق الأندلس، واستقرّ بدانية.
تواليفه: وله «7» مصنّفات منها «كتاب العزلة» ، ومنها «شرح معاني التحيّة» .
ولد بطرطوشة سنة ثمان وخمسمائة، وتوفي بدانية؛ قتل مظلوما بإذن ابن سعد الأمير في رمضان «8» سنة ست وستين وخمسمائة.
علي بن أبي جلّا المكناسي «9»
يكنى أبا الحسن.
حاله: كان «10» شيخا ذكيا، طيب النفس، مليح الحديث، حافظا للمسائل الفقهية، عارفا لها، قائما على كتاب المدوّنة، تفقّه بالشيخ أبي يوسف الجزولي،


صفحه 157

وعليه اجتهد في مسائل الكتاب. وكان مضطلعا بمشكلاته، حسن المذاكرة، مليح المجلس أنيسه، كثير الحكايات، إلّا أنه كان يحكي غرائب شاهدها تملّحا وأنسا، فينمّقها عليه الطلبة «1» ، وربما تعدّوا ذلك إلى الافتعال على وجه المزاح والمداعبة، حتى لجمعوا «2» من ذلك كثيرا في جزء سموه ب «السّلك «3» المحلّى، في أخبار ابن أبي جلّا» . فمن ذلك ما زعموا أنه حدّث بأنه كانت له هرّة، فدخل البيت يوما، فوجدها قد بلّت أحد «4» كفّيها، وجعلته في الدقيق حتى علق به، ونصبته بإزاء كوّة فأر في الجدار، ورفعت اليد الأخرى لصيده، فناداها باسمها، فردّت «5» رأسها، وجعلت إصبعها في «6» فمها على هيئة المشير بالصمت. وأشباه ذلك كثير.
وفاته: في حدود ستة «7» وأربعين وسبعمائة.
علي بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن علي ابن سمحون الهلالي
يكنى أبا الحسن.
حاله: كان شيخا جليلا، فقيها، عارفا، نبيلا، نبيها، ذا مروءة كاملة، وخلق حسن، من بيت حسب وعلم ودين. قال أبو القاسم الملّاحي: حدّثني صاحبنا الفقيه الخطيب أبو جعفر بن حسان، قال: كنت أجاوره في بعض أملاكي، وكان له ملك يلاصقني، أتمنى أن أكتسبه، فينتظم لي به ما هو مفترق، فوافقته ذات يوم في القرية، فسألته المعاوضة به، وخيّرته في مواضع في أرضي، فضحك مني، وقال لي: انظر في ذلك إن شاء الله. ثم إنه وجّه لي بعد ذلك بأيام يسيرة، بعقد يتضمن البيع وقبض الثمن مني، فخجلت منه، وراودته في أخذ الثمن، فأبى وقال لي: هذا قليل في حقّك، وكان قد لقي شيوخا أخذ عنهم، وكانت له كتب كثيرة.
وفاته: توفي بالمنكّب صبح اليوم السادس من رمضان عام ستة وتسعين وخمسمائة. ولست أحقق أهو القريب أو سلفه، وعلى كلا التقديرين، فالفضل حاصل.