شعره: من ذلك قوله «1» : [الطويل]
لقد تهت عجبا بالتّجرّد والفقر ... فلم أندرج تحت الزمان ولا الدّهر
وجاءت لقلبي نفحة قدسيّة ... فغبت بها عن عالم الخلق والأمر
طويت بساط الكون والطّيّ نشره ... وما القصد إلّا الترك للطّيّ والنّشر
وغمّضت عين القلب عن غير مطلق «2» ... فألفيتني ذاك الملقّب بالغير
وصلت لمن لم تنفصل عنه لحظة ... ونزّهت من أعني من «3» الوصل والهجر
وما الوصف إلّا دونه غير أنني ... أريد به التشبيه «4» عن بعض ما أدري «5»
وذلك مثل الصوت أيقظ نائما ... فأبصر أمرا جلّ عن ضابط الحصر
نقلت «6» له الأسماء تبغي بيانه ... فكانت له الألفاظ سترا على ستر
ومن شعره أيضا قوله في الغرض المذكور «7» : [الكامل]
من لامني لو أنه قد أبصرا ... ما ذقته أضحى به متحيّرا
وغدا يقول لصحبه إن أنتم ... أنكرتم ما بي أتيتم منكرا
شذّت أمور القوم عن عاداتهم ... فلأجل ذاك يقال: سحر مفترى
ومن شعره القصيدة الشهيرة ولها حكاية «8» : [الطويل]
أرى طالبا منّا الزيادة لا الحسنى ... بفكر رمى سهما فعدّى به عدنا
وطالبنا مطلوبنا من وجودنا ... يغيب «9» به عنّا «10» لدى الصّعق إن عنّا
تركنا حظوظا من حضيض لحوطنا «11» ... إلى المقصد الأقصى إلى المقصد الأسنى
ولم نلف كون الكون إلّا توهّما ... وليس بشيء ثابت هاك «1» ألفينا
فرفض السّوا فرض علينا لأننا ... أناس بمحو الشّرك والشرك قد دنا
ولكنما «2» كيف السبيل لرفضه ... ورافضه المرفوض نحن وما كنّا؟
فيا قابلا بالوصل والوقفة التي ... حجبت بها اسمع وارعوي مثل ما أبنا
تبدّت لك الأوهام لمّا تداخلت ... عليك ونور العقل أورثك الشّجنا
وسمّت بأنوار فهمنا أصولها ... ومنبعها من أين كان فما سمنا
وقد تحجب الأنوار للعقل مثل ما ... تبعّد من إظلام نفس حوت ظعنا
وأنّى دجال في القضيّة يدّعي ... وأكمل من في الناس من «3» صدع الأمنا
فلو كان سرّ الله يلحق هكذا ... لقال لنا الجمهور: ها نحن ما خبنا
وكم دونه من فتنة وبليّة ... وكم بهمة من قبل ذلك قد جبنا
وكل مقام لا تقم فيه إنه ... حجاب فجدّ السّير واستنجد العونا
ولا تلتفت في السّير إذ كلّ ما «4» به ... سوى الله غير فاتخذ ذكره حصنا
ومهما ترى كل المراتب تجتلى ... عليك فحل عنها فعن مثلها حلنا
وقل: ليس لي في غير ذلك مطلب ... فلا صورة تجلى ولا طرفة تجنى
وسر نحو أعلام اليمين فإنها ... سبيل بها يمن فلا تترك اليمنا
أمامك هول فاستمع لوصيّتي ... عقال من العقل الذي منه قد تبنا
إمام «1» الورى بالمشكلات وقبلهم ... بأوهامه قد أهلك الخرّ والبنّاء
محجّتنا قطع الحجا وهو حجّنا ... وحجّتنا شلوه ها بها همنا
يثبّتنا عند الصعود لأنه ... يودّ لأنّا للصّعيد قد اخلدنا
تلوح لنا الأطواق منه ثلاثة ... كراء وهارب «2» ورؤية ما قلنا
ويظهر باسم «3» السّرّ والنفس مدبرا ... وعقلا وخيرا مقبلا عندما يدنى
ولوح إذا لاحت سطور كتابنا ... له فيه وهو النّون فالقلم الأدنى
وعرش وكرسيّ وبرج وكوكب ... وحشي لجسم الكل في وصفه حرنا
تمرّ خطوط الذهن عند التفاتنا ... أحاطته للقصوى «4» التي فيه أحضرنا
مقطّعه الأزمان «1» للدهر مثل ... يكيّف للأجسام من نحلة «2» أينا
أقام دوين الدهر مدرة ذاته ... ونحن ونفس الكل في بحره عمنا
وفتّق للأملاك جوهره الذي ... يشكّله سرّ الحروف فحرّفنا
يفرّق مجموع القضيّة ظاهرا ... ويجمع فرقا من تداخله فزنا
وعدّد شيئا لم يكن غير واحد ... بألفاظ أسمائها شتّت المعنى
ويعرج والمعراج منه ذواته ... لتطويره العلويّ بالوسم أسرينا
ليفلل «3» سفليّا ويوهم أنه ... لسفليّه المجهول بالذات أسبطنا
يقدّر خصلا بعد وصل لذاته ... وفرض مسافات يجدّ لها الذّهنا
يحلّ لها طور المغبّة شكله ... وإن لمعت فيه فيلحقه المفنا
ويلحقه بالشّرط من مثنويّة ... يلوح بها وهو الملوّح والمبنى
فنحن كدود القزّ يحصرنا الذي ... صنعنا بدفع الحصر سجنا لنا منّا
فكم واقف أردى وكم سائر هذا ... وكم حكمة أبدى وكم مملق أغنى!
وتيّم أرباب الهرامس كلّهم ... وحسبك من سقراط أسكنه الدّنا
وجرّد أمثال العوالم كلها ... وأبدى لأفلاطون في المثل الحسنا
وهام أرسطو أن «1» مشى من هيامه ... وبثّ الذي ألقى إليه وما ضنّا
فكان لذي القرنين عونا على الذي ... تبدّى به وهو الذي طليه «2» العينا
ويفحص عن أسباب ما قد سمعتم ... وبالبحث غطّى العين إذ ردّه عينا
وذوّق للحلّاج طعم اتّحاده ... فقال لنا: من لا يحبّط به معنى
فقال له ارجع عن مقالك قال: لا ... شربت مداما كلّ من ذاقها غنّى
وأنطق للشّبليّ بالوحدة التي ... أشار بها لمّا محا عنده الكونا
أقام لذات الصّغريين «3» لنا حولا «4» ... يخاطب بالتّوحيد إذ ردّه خدنا
وكان خطا بابين ذاتين من يكن ... فقيرا يرى البحر فيه قد عمنا
فأصمت للحسنيّ تجريد خلقه ... مع الأمر إذ «5» صحّت فصاحته لكنا
تثنّى قضيب البان من سكر خمره ... وكان كمثل العمر لكنه ثنّى
وقد شذّ بالشّوذيّ عن ثوبه فلم ... يمل نحو أحواز ولا سكن الدّنا
وأصبح فيه السّهرورديّ حائرا ... يصيخ لما يلقى الوجود له أذنا
بعمر علي «1» بن الفارض الناظم الذي ... تجرّد للأسفار إذ سهّل الحزنا
ولابن قسيّ خلع نعلي «2» وجوب ... وليس أخا طلب من المجد قد تبنا
أقام على ساق المسرّة نحله ... لمن زمن الأسرار فاستمطر المزنا
ولاح سنا برق من القرب للسّنا ... لنجل ابن سينا للذي «3» ظنّ ما ظنّا
وقد قلّد الطّوسي بما قد ذكرته ... ولكنه نحو التصوف قد حنّا
ولابن طفيل وابن رشد تيقّظ ... رسالة يقظان «4» اقتضت فتحه الجفنا
كسا لشعيب ثوب جمع لذاته ... فجرّ على حسّاده الذّيل والودنا
وقد «5» طوّق الطائي بسبط كنانه ... بدسكرة الخلّاع إذ ذبّنا «6» الوهنا
تسمّى برفع الروح صبرا ولم ... يبل ما يهزّ «1» في المقام ولا قرنا
وباح به نجل الحرائيّ «2» عندما ... رأى كتمه ضعفا وتلويحه غينا
وللأمويّ النظم والنثر في الذي ... ذكرنا وإعراب كما عنه أعربنا
وأظهر منه الغافقيّ لما خفى ... وكشّف عن أطواره الغيم والدّجنا
وبيّن أسرار العبودية التي ... عن اعرابها لم ترفع اللّبس واللّحنا
كشفنا غطاء من تداخل سرّها ... فأصبح ظهرا ما رأيتم له بطنا
هوانا لدين «3» الحقّ من قد تولّهت ... إلى قربة «4» ألبابنا وله هدنا
فمن كان يبغي السّير للجانب الذي ... تقدّس لازبا فلا تأخذوا «5» عنّا
وهذه القصيدة غريبة المنزع، وإن لم تخل عن شذوذ من جهة اللّسان، وضعف في الصناعة، أشار فيها إلى مراتب الأعلام من أهل هذه الطريقة، وكأنها مبنية على كلام شيخه الذي خاطبه به عند لقائه حسبما قدمنا، إذ الحسنى الجنّة، والزيادة مقام النظر، فقوله: أرى طالبا منّا الزّيادة لا الحسنى، إشارة إلى ذلك، والله أعلم.
والغافقي الذي ختم به هو شيخنا أبو محمد، وهو مرسي الأصل غافقية، رحم الله جميعهم، ونفعنا بأولي الحظوة لديه.
نثره: وكلامه حسن، ومقاصده غريبة، رضي الله عنه، ونفع به. كتب إليه الشيخ الصوفي أبو علي بن تادررت، لمّا سافر ولم يودّعه، وكان قد قال له: أغيب عنكم أياما قلائل، وأعود إن شاء الله، فأبطأ عنه:
بسم الله الرحمن الرحيم، الله وحده فقط ليس إلّا وصلواته على ملائه المقرب الأعلى، وعلى سيدهم الخاتم محمد وآله الهداة، وسلامه الحقّ يخصّ العليم بسرّه، في عالم الفرق، ورحمته وبركاته. من أخيه حقيقة في العوالم الأول، لا في عالم العلم الحق، من حيث هو موضوعه بحسب الإضاءة، بمنزله من مدينة بني مدار عمرها الله وأرشدهم، وليس إلّا أني نعتبكم عرفا وعادة، لسفركم دون موادعة، بخلاف سيرتكم الأولى من المشرق الأقصى، إلى المغرب الأقصى، وأمّا بكون حقيقة الأمر الموحد، فلا عتب، بل نقرأ على الماهية سورة الإخلاص التي توحيدها المحض أحاط وأحصى. ثم وعدتم، أنكم ولا بدّ، لا تطول إقامتكم ببجاية كلأها الله، إلّا ليالي «1» قليلة العدد، تأخذون فيها كتبكم وتنفصلون قافلين في أسرع أمد. ثم ظهر غير ذلك من الإقامة إلى هذه المهلة التي نبا كما عندنا الزمان.
وقد ورد من أناس بالتّواتر أنكم ولا بدّ تصومون هنالك رمضان المعظم على الأمان، فقلنا: لحظ البشريّة الحيوانية، وعلمنا أن الأمر ليس سرا لأجل القضايا الحكمية الطّلبية، والمقادير العلمية السرّية. ولا تتحرك ذرّة إلّا بإذنه، ولا يسأل عما يفعل، وهم يسألون في دهره وزمنه، يمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده أمّ الكتاب.
ولكنّا أيضا نقرأ، والله لا يخلف الميعاد. وقد يكون غير الوفاء بالعهد في الخلف لمصالح فيها وعد الله، لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهرا من الحياة الدّنيا، والله يفعل ما يشاء. ولا تكن معترضا، فلا تلوم إلّا بحسب فرقنا الأول. وأما من حيث الكمالات الثواني والأول، فلا لوم ولا عتب، لرفع المثنوية، وإحالة الكثرة والإضافة، حتى ليس إلّا الوحدة العلمية المعنوية العليّة.
وبالجملة الله معكم، ولن يتركم أعمالكم، فإن ما يرفع العمد والعماد. قال الله:
ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
«2» ، وهو معكم أينما كنتم، والله عليم بما تصنعون.
والرّغبة إلى ذاتكم الكاملة الوجودية، ذات الكمالات العلمية القدسية، أن تعجلوا لي، إذ وأنتم مقيمون هنالك: [الطويل]
وأين يجد في عليّين غرفة ... وإن شغلتم عن نسخها «3»