صبورا، حليما، جميل العشرة جوادا، سمحا، كثير الصّدقة، دروبا على العمل، صلبا في الحق.
رحلته وولايته ومنشأ أمره: رحل إلى الأندلس سنة سبع وخمسمائة، فأخذ بقرطبة ومرسية وغيرهما، ثم عاد إلى سبتة، فأجلسه أهلها للمناظرة عليه في «المدوّنة» ، وهو ابن ثلاثين سنة أو ينيف عليها، ثم جلس للشورى. ثم ولّي القضاء، فسار في ذلك حسن السّيرة مشكور الطريقة، وبنى الزيادة الغربية في الجامع الأعظم.
وبنى بجبل الميناء الرابية الشهيرة، وعظم صيته. ثم نقل إلى غرناطة في أول صفر سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، فتقلّد خطّة القضاء بها. ثم ولّي قضاء سبتة ثانية. ولمّا ظهر أمر الموحّدين بادر بالمسابقة إلى الدخول في طاعتهم، ورحل إلى لقاء أميرهم بمدينة سلا، فأجزل صلته، وأوجب برّه، إلى أن اضطربت أمور الموحدين عام ثلاثة وأربعين وخمسمائة، وحدث على من كان بقصبتها منهم ما هو معلوم من التغلب عليهم واستئصالهم، ثم من رجوع أمورهم، فالتاثت حاله، ولحق بمراكش مشرّدا به عن وطنه، فكانت بها وفاته.
مشيخته: ورتبهم ولده حسبما نقل من فهرسته على الحروف؛ فمنهم أحمد بن محمد بن بقي، وأحمد بن سعيد بن مستقر، وأحمد بن محمد بن مكحول، وأحمد بن محمد السّلفي، الشيخ أبو الطاهر، وأحمد بن محمد بن غلبون بن الحصّار، وأحمد بن محمد بن عبد العزيز المرحي، إلى غيرهم من جملة سبعة عشر رجلا، والحسن بن محمد الصّدفي بن سكّرة، والحسين بن محمد الغساني، والحسين بن عبد الأعلى السفاقسي، والحسن بن علي بن طريف، وخلف بن إبراهيم بن النحاس، وخلف بن خلف الأنصاري بن الأنقر، وخلف بن يوسف بن فرتون، ومحمد بن عيسى التجيبي القاضي، ومحمد بن علي بن حمدين القاضي، ومحمد بن أحمد التجيبي القرطبي القاضي ابن الحاج، ومحمد بن أحمد بن رشد، ومحمد بن سليمان النّفزي ابن أخت غانم. وأجازه محمد بن الوليد الطّرطوشي، ومحمد بن علي بن عمر المازري، ومحمد بن عبد الله المعافري القاضي ابن العربي، ومحمد بن عبد الرحمن بن شبرين القاضي، ومحمد بن علي الأزدي الخطيب الطّليطلي، ومحمد بن علي الشاطبي بن الصقيل، إلى غيرهم من جملة أحد وثلاثين شيخا، وعبد الله بن محمد الخشني، وعبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي، وعبد الله بن محمد بن أيوب الفهري، وعبد الرحمن بن محمد السبتي ابن العجوز، وعبد الرحمن بن محمد بن بقي، وعلي بن أحمد الأنصاري ابن الباذش، وعلي بن عبد الرحمن التجيبي ابن الأخضر، من جملة من سبعة وعشرين، وغالب بن عطية
المحاربي، وسراج بن عبد الملك بن سراج أبو الحسن، وسفيان بن العاصي الأسدي، من جملة خمسة من الأشياخ في هذا الحرف، وشريح بن محمد الرعيني الإشبيلي، وهشام بن أحمد القرطبي أبو الوليد بن العواد، وهشام بن أحمد الهلالي الغرناطي، ويونس بن محمد بن مغيث بن الصفار، ويوسف بن موسى الكلبي، سمع منه أرجوزته، ويوسف بن عبد العزيز بن عتريس الطليطلي.
شعره: قال: مما كتبته من خطّه «1» : [المتقارب]
أعوذ بربّي من شرّ ما ... يخاف من الإنس والجنّه
وأسأله رحمة تقتضي ... عوارف توصل بالجنّه
فما للخلائق «2» من ناره ... سوى فضل رحماه من جنّه
ومن شعره، قال: أنشدنيه غير واحد من أصحابنا، فوا رحمة الله عليه: [الوافر]
أذات الخلّ «3» ، كم ذا تنتضيها ... عليّ سيوف عينيك انتضاء «4»
بمطلك لي مواعد أقتضيها ... من التّوريد واللّعس اقتضاء «5»
فقضّي وعد مطلك وانجزيه ... «خيار الناس أحسنهم قضاء «6» »
قال: ومما كتبته من خطه «7» : [البسيط]
يا من تحمّل عنّي غير مكترث ... لكنه للضّنى والسّقم أوصى بي «8»
تركتني مستهام القلب ذا حرق «9» ... أخا جوى وتباريح وأوصاب
أراقب النّجم في جنح الدّجى ولها «10» ... كأنّني «11» راصد للنجم أو صابي «12»
وما وجدت لذيذ النوم بعدكم ... إلّا جنى حنظل في الطعم أو صاب
ومن ذلك قوله رحمه الله «1» : [البسيط]
الله يعلم أنّي منذ لم أركم ... كطائر خانه ريش الجناحين
فلو قدرت ركبت الريح «2» نحوكم ... فإنّ «3» بعدكم عنّي جنى حيني «4»
قال: وكتبت من خطّه «5» : [الكامل]
يا راحلين وبالفؤاد تحمّلوا ... أترى لكم قبل الممات قفول؟
أمّا الفؤاد فعندكم أنباؤه ... ولواعج تنتابه وغليل
أترى «6» لكم علم بمنتزح الكرى ... عن جفن صبّ ليله موصول؟
أودى بعزمة «7» صبره ولبابه ... طرف أحمّ «8» ومبسم مصقول
ما ضرّكم وأضنّكم بتحية ... يحيى بها عند الوداع قتيل
إن الخليل «9» بلحظه أو لفظه ... أو عطفه أو وقفه لبخيل
ومما نسبه إليه الفتح وغيره، ومن العجب إغفال ولده إياه، قوله يصف الزّرع والشقائق فيه «10» : [السريع]
انظر إلى الزّرع وخاماته ... تحكي وقد «11» ماست أمام الرياح
كتيبة خضراء «12» مهزومة ... شقائق النّعمان فيها جراح
نثره: وهو كثير. فمن خطبه، وكان لا يخطب إلّا بإنشائه:
الحمد لله الذي سبق كل شيء قدما، ووسع كل شيء رحمة وعلما ونعما، وهدى أولياءه طريقا نهجا أمما، وأنزل على عبده الكتاب، ولم يجعل له عوجا قيّما، لينذر بأسا شديدا من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أنّ لهم أجرا حسنا، ماكثين فيه أبدا. أحمده على مواهبه، وهو أحقّ من حمد، وأسأله أن يجعلنا أجمع، ممن حظي برضاه وسعد، وأستعينه على طاعته، فهو أعزّ من استعين واستنجد، وأستهديه توفيقا، فإنّ من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده، لا شريك له، شهادة فاتحة لأقفال قلوبنا، راجحة بأثقال ذنوبنا، منزّهة له عن التّشبيه والتمثيل بنا، وأنه تعالى جدّ ربّنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أنزل عليه الفرقان، وبعثه بالهدى والإيمان، وأغزى بدعوته دعوة أولياء الشيطان، وأبعدهم مقاعد عن السمع، فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا.
أيها السامع، قد أيقظك صرف القدر من سنة الهوى وتيّاراته، ووعظك كتاب الله بزواجره وعظاته، فتأمّل حدوده، وتدبّر محكم آياته، واتل ما أوحي إليك من كتاب ربّك لا مبدّل لكلماته، ولن تجد من دونه ملتحدا. أين الذين عتوا على الله، وتعظّموا واستطالوا على عباده وتحكّموا، وظنّوا أنه لن يقدر عليهم حتى اصطلموا.
وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا. غرّهم الأمل وكواذب الظّنون، وذهلوا عن طوارق القبر وريب المنون، وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون، حتى إذا رأوا ما يوعدون، فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا. فهذّبوا، رحمكم الله، سراركم بتقوى الله واخلصوا، واشكروا نعمته، وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها، واحذروا نقمته واتقوه. ولا تعصوا، واعتبروا بوعيده. قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (135)
«1» وانهضوا لطاعته الهمم العاجزة، واركضوا في ميدان التّقوى، وحوزوا قصب خصله العابرة، وادخروا ما يخلصكم يوم المحاسبة والمناجزة، وانتظروا قوله: وَيَوْمَ «2» نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (47)
«3» وذلك يوم تذهل فيه الألباب، وترجف القلوب رجفا، وتبدّل الأرض وتنسف الجبال نسفا، ولا يقبل الله فيه من الظالمين عدلا ولا صرفا. وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً
«4» وعرضوا على ربّك صفّا، لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة،
بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا، اللهمّ انفعنا بالكتاب والحكمة، وارحمنا بالهداية والعصمة، وأوزعنا شكر ما أوليت من النّعمة. ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيّئ لنا من أمرنا رشدا.
تواليفه: مما أكمله وقرىء عليه؛ كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» ستة أجزاء. وكتاب «إكمال المعلم في شرح مسلم» تسعة وعشرون جزءا. وكتاب «المستنبطة على الكتب المدوّنة والمختلطة» عشرة أجزاء. وكتاب «ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك» خمسة أسفار، ولم يسمعه. وكتاب «الإعلام بحدود قواعد الإسلام» . وكتاب «الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع» سفر. وكتاب «الرّائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد» . وكتاب خطبه، سفر.
وكتاب المعجم في شيوخ أبي سكّرة. وكتاب الغنية في شيوخه، جزء. ومما تركه في المبيضة كتاب «مشارق الأنوار على صحيح الآثار» ستة أجزاء ضخمة، وهو كتاب جليل. وفيه يقول الشاعر: [الطويل]
مشارق أنوار تبدّت بسبتة ... ومن عجب كون المشارق بالغرب
وكتاب «نظم البرهان على صحّة جزم الأذان» جزء. وكتاب «مسألة الأهل المشترط بينهم التزاور» جزء. ومما لم يكمله «المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان» .
وكتاب «الفنون الستّة في أخبار سبتة» . وكتاب «غنية الكاتب وبغية الطالب» في الصدور والتّرسيل. وكتاب «الأجوبة المحبّرة، على الأسئلة المتخيّرة» وجدت منها يسيرا فضممته إلى ما وجدته في بطائقه وعند أصحابه. يقول هذا ولده من معان شاذة في أنواع شتى سئل عنها، رحمة الله عليه، فأجاب: جمعت ذلك في جزء.
وكتاب أجوبة القرطبيين وجدتها بطابق، فجمعتها مع أجوبة غيرهم. وأجوبته مما نزل في أيام قضائه، من نوازل الأحكام في سفر، وكتاب «سر السّراة في أدب القضاة» .
نبذ من أخباره: وأولا في ثناء الأعلام عليه؛ قال ولده: أخبرني ابن عمي الزاهد أن القاضي أبا عبد الله بن حمدين كان يقول له وقت رحلته إليه: وحتى، يا أبا الفضل، إن كنت تركت بالمغرب مثلك. وقال: وأخبرني أن أبا الحسين بن سراج قال له، وقد أراد الرحلة إلى بعض الأشياخ: فهو أحوج إليك منك إليه.
وقال: إن الفقيه أبا محمد بن أبي جعفر قال له: ما وصل إلينا من المغرب مثل عياض، وأمثال ذلك كثير، ومن دعابته، قال بعض أصحابنا: صنعت أبياتا تغزلت فيها، والتفت إلى أبيك، رضي الله عنه، ثم اجتمع بي، فاستنشدني إياها،
الإحاطة في أخبار غرناطة/ ج 4/م 13
فوجمت، فعزم عليّ فأنشدت: [الطويل]
أيا مكثرا صدى ولم آت جفوة ... وما أنا عن فعل الجفاء براض
سأشكو الذي توليه من سوء عشرة ... إلى حكم الدنيا وأعدل قاض
ولا حكم بينك أرتضي قضاياه ... في الدنيا سوى ابن عياض
قال: فلمّا فرغت حسّن، وقال: متى عرفتني قوادا يا فلان، على طريق المداعبة. وأخباره حسنة وفضائله جمة.
مولده: بسبتة حسبما نقل من خطّه في النصف من شعبان عام ستة وسبعين وأربعمائة.
وفاته: توفي بمراكش ليلة الجمعة نصف الليلة التاسعة من جمادى الآخرة من عام أربعة وأربعين وخمسمائة، ودفن بها في باب إيلان من داخل السّور.
عقيل بن عطية بن أبي أحمد جعفر بن محمد ابن عطية القضاعي «1»
من أهل طرطوشة، يكنى أبا المجد «2» .
حاله: كان فقيها متطرّفا في فنون من العلم، متقنا لما يتناوله من ذلك، حسن التهدّي، من بيت طلب. وقد تقدّم ذكر جدّه الأستاذ. ولّي عقيل قضاء غرناطة وسجلماسة.
مشيخته: روى «3» عن أبي القاسم بن بشكوال. قرأ عليه وسمع، وتناول من يده، وأجاز له. وقفت على ذلك بخطّه.
شعره: أنشد له في «الذيل» «4» قوله مما نظمه لجماعة من السّادة: [الوافر]
ملوك دون بابكم وقوف ... سطت بهم الحوادث والصّروف
أذلّهم الزمان وكان قدما ... لهم راع وحولهم يطوف
غدوا عبرا لمعتبر فسحقا ... لدنيا أمرها أمر سخيف
وطال وحقّ مجدك ما تبدّوا ... وحولهم الغواضب والسيوف
أسود يقدمون أسود حرب ... وخلفهم العساكر والصفوف
أتى بهم الزمان إليك قصدا ... حيارى فيه يعجزهم رغيف
فعطفا أيها المولى عليهم ... وقاك السوء باريك اللطيف
فرحمة سيّد قد ذلّ فرض ... يقول به النّبي الهادي الشريف
وما يرعى الكرام سوى كريم ... وأنت الماجد النّدي العطوف
تواليفه: قال الأستاذ: وقفت على تأليف سماه «فصل المقال، في الموازنة بين الأعمال» تكلّم فيه مع أبي عبد الله الحميدي وشيخه أبي محمد بن حزم، فأجاد فيه وأحسن وأتى بكل بديع، وشرح المقامات الحريرية.
وفاته: في صفر سنة ثمان وستمائة.
ومن الكتّاب والشعراء
عاصم بن زيد بن يحيى بن حنظلة بن علقمة بن عدي بن محمد التميمي ثم العبادي الجاهلي «1»
يكنى أبا المخشي «2» ، من أهل إلبيرة.
حاله: كان شاعرا مجيدا، شهير المكان، بعيد الصّيت على عهده. قال أبو القاسم: كان من أعلام الجند ومقدميهم. وقال الرّازي: دخل والده زيد بن يحيى من المشرق إلى الأندلس، واختطّ بكورة جند دمشق، وشهر ابنه عاصم هذا بالشّعر، إذ كان غزير القول، حسن المعاني، كثير النادر، سبط اللفظ، فاغتدى شاعر الأندلس، ومادح بني أمية، المخلّف فيهم قوافي شعر «3» المديح الشاردة، وقد كان في لسانه بذاءة زائدة، يتسرّع به إلى من لم يوافقه من الناس، فيقذع هجوهم، ويقذف نساءهم ويهتك حرمهم. وكان أفّاكا نهابا، لا يعدم متظلّما منه، وداعيا عليه، وذاكرا له بالسوء، وهو مستهزئ بذلك، جار على غلوائه.
محنته: قال «1» : وكان مع ذلك منقطعا إلى سليمان ابن الأمير عبد الرحمن بن معاوية، كثير المدح له، على أنه ما أخلى الأمير هشاما من مدحه، وهو مع ذلك لا يسأل سخيمته وحقده عليه؛ لانحطاطه في شعب سليمان أخيه، وبينهما من التنافس والمشاحة ما لا شيء فوقه. وروي «2» أن الذي هاج غضب هشام عليه، أن قال له الساعي عليه: قد عرّض بك بقوله في مديح أخيك سليمان في شعر له فيه منه «3» :
[الوافر]
وليس كمثل من إن سيل عرفا «4» ... يقلّب مقلة فيها اعورار «5»
وكان هشام أحول، فاغتاظ لذلك. وركب فيه من المثلة وركبه، وحقد عليه، إلى أن استدعاه إلى مدينة ماردة، وهشام يومئذ واليها في حياة الأمير أبيه، فخرج إليه أبو المخشي من قرطبة، طامعا في نائله، غير مرتاب بباطنه، فلمّا دخل عليه قال له:
يا أبا المخشي، إن المرأة الصالحة التي هجوت ابنها فقذفتها، فأفحشت سبّها، قد أخلصت دعاءها لله في أن ينتقم لها منك، فاستجاب لها، وسلّطني وتأذّن بالاقتصاص لها على يدي منك، ثم أمر به فقطع لسانه، وسمّلت عيناه، وعولج من جراحه، فاستقل منها، وعاش زمنا ممثّلا به. فأما لسانه، فانجبر بعيد وقت إلّا قليلا، واقتدر على الكلام إلّا تلعثما كان يعترضه، واستمرّ العمى، فعظم عليه مصابه، فكثرت في شكواه أشعاره. قال: ويذكر أن قصة أبي المخشي في نبات لسانه، لما بلغت مالك بن أنس، أشار إليها في فتواه في التأنّي بديّة اللسان طمعا في نبتها، وقال:
يتأنّى بالحكم عاما، فإن نبت أو شيء منه، عمل في ديّته بحسب ذلك، فقد بلغني أن رجلا بالأندلس نبت لسانه أو أكثره بعدما قطع، فأمكنه الكلام.
شعره: قالوا: وبلغ الأمير عبد الرحمن بن معاوية صنيع ابنه هشام بمادحهم أبي المخشي، فساءه وكتب إليه يعنّفه، وأوصل أبا المخشي إليه عند استيلائه بعد حين، فاعتذر إليه ورقّ له، وأنشده بعض ما أحدثه بعد، فكان لا يبين الإنشاد، فينشد له صبيّ كان قد علّمه ودرّبه، فأنشده قصيدته التي وصف فيها عماه وأولها «6» :