بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا، اللهمّ انفعنا بالكتاب والحكمة، وارحمنا بالهداية والعصمة، وأوزعنا شكر ما أوليت من النّعمة. ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيّئ لنا من أمرنا رشدا.
تواليفه: مما أكمله وقرىء عليه؛ كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» ستة أجزاء. وكتاب «إكمال المعلم في شرح مسلم» تسعة وعشرون جزءا. وكتاب «المستنبطة على الكتب المدوّنة والمختلطة» عشرة أجزاء. وكتاب «ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك» خمسة أسفار، ولم يسمعه. وكتاب «الإعلام بحدود قواعد الإسلام» . وكتاب «الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع» سفر. وكتاب «الرّائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد» . وكتاب خطبه، سفر.
وكتاب المعجم في شيوخ أبي سكّرة. وكتاب الغنية في شيوخه، جزء. ومما تركه في المبيضة كتاب «مشارق الأنوار على صحيح الآثار» ستة أجزاء ضخمة، وهو كتاب جليل. وفيه يقول الشاعر: [الطويل]
مشارق أنوار تبدّت بسبتة ... ومن عجب كون المشارق بالغرب
وكتاب «نظم البرهان على صحّة جزم الأذان» جزء. وكتاب «مسألة الأهل المشترط بينهم التزاور» جزء. ومما لم يكمله «المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان» .
وكتاب «الفنون الستّة في أخبار سبتة» . وكتاب «غنية الكاتب وبغية الطالب» في الصدور والتّرسيل. وكتاب «الأجوبة المحبّرة، على الأسئلة المتخيّرة» وجدت منها يسيرا فضممته إلى ما وجدته في بطائقه وعند أصحابه. يقول هذا ولده من معان شاذة في أنواع شتى سئل عنها، رحمة الله عليه، فأجاب: جمعت ذلك في جزء.
وكتاب أجوبة القرطبيين وجدتها بطابق، فجمعتها مع أجوبة غيرهم. وأجوبته مما نزل في أيام قضائه، من نوازل الأحكام في سفر، وكتاب «سر السّراة في أدب القضاة» .
نبذ من أخباره: وأولا في ثناء الأعلام عليه؛ قال ولده: أخبرني ابن عمي الزاهد أن القاضي أبا عبد الله بن حمدين كان يقول له وقت رحلته إليه: وحتى، يا أبا الفضل، إن كنت تركت بالمغرب مثلك. وقال: وأخبرني أن أبا الحسين بن سراج قال له، وقد أراد الرحلة إلى بعض الأشياخ: فهو أحوج إليك منك إليه.
وقال: إن الفقيه أبا محمد بن أبي جعفر قال له: ما وصل إلينا من المغرب مثل عياض، وأمثال ذلك كثير، ومن دعابته، قال بعض أصحابنا: صنعت أبياتا تغزلت فيها، والتفت إلى أبيك، رضي الله عنه، ثم اجتمع بي، فاستنشدني إياها،
الإحاطة في أخبار غرناطة/ ج 4/م 13
فوجمت، فعزم عليّ فأنشدت: [الطويل]
أيا مكثرا صدى ولم آت جفوة ... وما أنا عن فعل الجفاء براض
سأشكو الذي توليه من سوء عشرة ... إلى حكم الدنيا وأعدل قاض
ولا حكم بينك أرتضي قضاياه ... في الدنيا سوى ابن عياض
قال: فلمّا فرغت حسّن، وقال: متى عرفتني قوادا يا فلان، على طريق المداعبة. وأخباره حسنة وفضائله جمة.
مولده: بسبتة حسبما نقل من خطّه في النصف من شعبان عام ستة وسبعين وأربعمائة.
وفاته: توفي بمراكش ليلة الجمعة نصف الليلة التاسعة من جمادى الآخرة من عام أربعة وأربعين وخمسمائة، ودفن بها في باب إيلان من داخل السّور.
عقيل بن عطية بن أبي أحمد جعفر بن محمد ابن عطية القضاعي «1»
من أهل طرطوشة، يكنى أبا المجد «2» .
حاله: كان فقيها متطرّفا في فنون من العلم، متقنا لما يتناوله من ذلك، حسن التهدّي، من بيت طلب. وقد تقدّم ذكر جدّه الأستاذ. ولّي عقيل قضاء غرناطة وسجلماسة.
مشيخته: روى «3» عن أبي القاسم بن بشكوال. قرأ عليه وسمع، وتناول من يده، وأجاز له. وقفت على ذلك بخطّه.
شعره: أنشد له في «الذيل» «4» قوله مما نظمه لجماعة من السّادة: [الوافر]
ملوك دون بابكم وقوف ... سطت بهم الحوادث والصّروف
أذلّهم الزمان وكان قدما ... لهم راع وحولهم يطوف
غدوا عبرا لمعتبر فسحقا ... لدنيا أمرها أمر سخيف
وطال وحقّ مجدك ما تبدّوا ... وحولهم الغواضب والسيوف
أسود يقدمون أسود حرب ... وخلفهم العساكر والصفوف
أتى بهم الزمان إليك قصدا ... حيارى فيه يعجزهم رغيف
فعطفا أيها المولى عليهم ... وقاك السوء باريك اللطيف
فرحمة سيّد قد ذلّ فرض ... يقول به النّبي الهادي الشريف
وما يرعى الكرام سوى كريم ... وأنت الماجد النّدي العطوف
تواليفه: قال الأستاذ: وقفت على تأليف سماه «فصل المقال، في الموازنة بين الأعمال» تكلّم فيه مع أبي عبد الله الحميدي وشيخه أبي محمد بن حزم، فأجاد فيه وأحسن وأتى بكل بديع، وشرح المقامات الحريرية.
وفاته: في صفر سنة ثمان وستمائة.
ومن الكتّاب والشعراء
عاصم بن زيد بن يحيى بن حنظلة بن علقمة بن عدي بن محمد التميمي ثم العبادي الجاهلي «1»
يكنى أبا المخشي «2» ، من أهل إلبيرة.
حاله: كان شاعرا مجيدا، شهير المكان، بعيد الصّيت على عهده. قال أبو القاسم: كان من أعلام الجند ومقدميهم. وقال الرّازي: دخل والده زيد بن يحيى من المشرق إلى الأندلس، واختطّ بكورة جند دمشق، وشهر ابنه عاصم هذا بالشّعر، إذ كان غزير القول، حسن المعاني، كثير النادر، سبط اللفظ، فاغتدى شاعر الأندلس، ومادح بني أمية، المخلّف فيهم قوافي شعر «3» المديح الشاردة، وقد كان في لسانه بذاءة زائدة، يتسرّع به إلى من لم يوافقه من الناس، فيقذع هجوهم، ويقذف نساءهم ويهتك حرمهم. وكان أفّاكا نهابا، لا يعدم متظلّما منه، وداعيا عليه، وذاكرا له بالسوء، وهو مستهزئ بذلك، جار على غلوائه.
محنته: قال «1» : وكان مع ذلك منقطعا إلى سليمان ابن الأمير عبد الرحمن بن معاوية، كثير المدح له، على أنه ما أخلى الأمير هشاما من مدحه، وهو مع ذلك لا يسأل سخيمته وحقده عليه؛ لانحطاطه في شعب سليمان أخيه، وبينهما من التنافس والمشاحة ما لا شيء فوقه. وروي «2» أن الذي هاج غضب هشام عليه، أن قال له الساعي عليه: قد عرّض بك بقوله في مديح أخيك سليمان في شعر له فيه منه «3» :
[الوافر]
وليس كمثل من إن سيل عرفا «4» ... يقلّب مقلة فيها اعورار «5»
وكان هشام أحول، فاغتاظ لذلك. وركب فيه من المثلة وركبه، وحقد عليه، إلى أن استدعاه إلى مدينة ماردة، وهشام يومئذ واليها في حياة الأمير أبيه، فخرج إليه أبو المخشي من قرطبة، طامعا في نائله، غير مرتاب بباطنه، فلمّا دخل عليه قال له:
يا أبا المخشي، إن المرأة الصالحة التي هجوت ابنها فقذفتها، فأفحشت سبّها، قد أخلصت دعاءها لله في أن ينتقم لها منك، فاستجاب لها، وسلّطني وتأذّن بالاقتصاص لها على يدي منك، ثم أمر به فقطع لسانه، وسمّلت عيناه، وعولج من جراحه، فاستقل منها، وعاش زمنا ممثّلا به. فأما لسانه، فانجبر بعيد وقت إلّا قليلا، واقتدر على الكلام إلّا تلعثما كان يعترضه، واستمرّ العمى، فعظم عليه مصابه، فكثرت في شكواه أشعاره. قال: ويذكر أن قصة أبي المخشي في نبات لسانه، لما بلغت مالك بن أنس، أشار إليها في فتواه في التأنّي بديّة اللسان طمعا في نبتها، وقال:
يتأنّى بالحكم عاما، فإن نبت أو شيء منه، عمل في ديّته بحسب ذلك، فقد بلغني أن رجلا بالأندلس نبت لسانه أو أكثره بعدما قطع، فأمكنه الكلام.
شعره: قالوا: وبلغ الأمير عبد الرحمن بن معاوية صنيع ابنه هشام بمادحهم أبي المخشي، فساءه وكتب إليه يعنّفه، وأوصل أبا المخشي إليه عند استيلائه بعد حين، فاعتذر إليه ورقّ له، وأنشده بعض ما أحدثه بعد، فكان لا يبين الإنشاد، فينشد له صبيّ كان قد علّمه ودرّبه، فأنشده قصيدته التي وصف فيها عماه وأولها «6» :
[الرمل]
خضعت أمّ بناتي للعدى ... إذ قضى الله بأمر فمضى «1»
ورأت أعمى ضريرا إنما ... مشيه في الأرض لمس بالعصا
فبكت «2» وجدا وقالت قولة ... وهي حرّى «3» بلغت منّي المدى
ففؤادي قرح «4» من قولها: ... ما من الأدواء داء كالعمى «5»
وإذا نال العمى ذا بصر ... كان حيّا مثل ميت قد ثوى «6»
وكأنّ الناعم «7» المسرور لم ... يك مسرورا إذا لاقى «8» الرّدى
عانى بالقرب وهنا طرب ... بيّن لجّ في الحمى
................ .... «9» ... كيف يعتاد الصّبا من لا يرى
أبصرت مستبدلا من طرفه ... قائدا «10» يسعى به حيث سعى
بالعصا إن لم يقده قائد «11» ... وسؤال الناس يمشي إن مشى
وإذا ركب دنوا كان «12» لهم ... هوجلا في المهمه الخرق الصّوى «13»
لم يزل في كلّ مخشيّ الرّدى «14» ... يصطلي الحرب ويجتاب الدّجى
امتطيناها سمانا بدنا ... فتركناها نضاء بالفنا
وذريني «15» قد تجاورت بها ... مهمها فقرا إلى أهل النّدى
قاصدا خير مناف كلها ... ومناف خير من فوق الثّرى
وهي طويلة. ومن شعره في الوقيعة بأبي الأسود الفهري «1» ، وكانت عظيمة من أعظم فتوحات الأمير عبد الرحمن «2» : [الكامل]
ماذا تسائل «3» عن مواقع معشر ... أودى بهم «4» طلب الذي لم يقدر
رشد الخليفة إذا غووا فرماهم ... بالموبذيّ الجهم «5» والمتأزّر
فغدا «6» سليمان السّماح عليهم ... كالليث لا يلوي على متعذّر
غاداهم «7» متقنّعا في مأزق ... بالموت مرتجس العوارض ممطر «8»
أما سليمان السماح فإنه ... جلّى الدّجى وأقام ميل الأصعر
وهو الذي ورث النّدى أهل النّدى ... ومحا مغبّة «9» يوم وادي الأحمر
بعدا لقتلى بالمجانص «10» أصبحت ... جيفا تلوح عظامها لم تقبر
فالليل فيها للذئاب فرائس «11» ... ونهارها وقف لنهش «12» الأنسر
أفناهم سيف مبير صارم «13» ... في قسطلونة بل «14» بوادي الأحمر
فلتركبنّك «15» ما هربت مخافة ... منه فقع يا ابن اللّقيطة أو طر
وفاته: قال ابن حيان: قرأت بخطّ عبادة الشاعر، قال: عمّر أبو المخشي بعد محنته الشنعاء حتى لحق دولة الأمير عبد الرحمن «1» ، فوالى بين مديح أربعة أمراء «2» ، ما بينه وبين جدّه عبد الرحمن بن معاوية الأمير الداخل. وتوفي بعد ذلك قريبا من تاريخ الثمانين والمائة «3» ، وبعد عليه لحاق دولة الأمير عبد الرحمن لهذا التاريخ.
ومن الأصليين من ترجمة المحدّثين الفقهاء والطلبة النجباء
عيسى بن محمد بن أبي عبد الله بن أبي زمنين المرّي
يكنى أبا الأصبغ، من أهل إلبيرة.
حاله: نبيه القدر، وروى عن شيوخ بلده.
حاله: توفي بعد الأربعمائة. قلت: قد اعتذرت، وتقدم الاعتذار في إثبات من أثبته من هذا البيت في هذا الاختصار من هذا النمط، فلينظر هنالك إن شاء الله.
عيسى بن محمد بن عيسى بن عمر بن سعادة الأموي
لوشي الأصل، غرناطي الاستيطان والقراءة، يكنى أبا موسى، الشيخ الطبيب بالدار السلطانية.
حاله: من «عائد الصلة» : بقية أهل العلم، ونسيج وحده في لين الجانب، وخفض الجناح، وحسن الخلق، وبذل التواضع، ممتع من معارف قديمة، بين طلب وتعليم، على حال تديّن والتزام سنّة، أقرأ الطّبّ، وخدم به الدار السلطانية، وولّي القضاء بلوشة بلده.
مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي عبد الله الرّقوطي المرسي ولازمه، وأخذ عن أبي الحجاج بن خلصون، وأدرك أمّة من صدور العلماء.
تواليفه: له تأليف كبير متعدد الأسفار سماه كتاب «القفل والمفتاح، في علاج الجسوم والأرواح» ، تضمّن كثيرا من العلم الطبي وما يتعلق به، رأيت أجزاء من مسودته بيد ولده.
وفاته: توفي بغرناطة ليلة السبت الخامس عشر لجمادى الآخرة عام ثمانية وعشرين وسبعمائة.
حرف الغين من الأعيان
غالب بن أبي بكر الحضرمي
من أهل غرناطة، يكنى أبا تمام، ويعرف بابن الأشقر.
حاله: كان قائدا جزلا مهيبا، مليح التجنّد، معروف الدّربة والثقافة، مشهور الفروسية، ظريف الشكل، رائق الرّكبة، حسن الشّيبة، صليب العود، مرهوب السطوة، ولّي قيادة العسكر زمانا طويلا، فوقع الإجماع على أهليته لذلك؛ تمييزا للطبقات، وانتهاضا بالخدمة، وإنفاذا للعزمة، ومعرفة بالعوائد، واقتدارا على السهر في تفقّد المسالح، واختبار المراصد، واختيار الحرس، وتنظيم المصاف، وإمساك السّيقة ممن يرجع إلى حصيف رأيه، ويركن إلى يمن حنكته، ويعترف بحقه. لقي الجند منه ضغطا لاضطلاعه باستخدامهم، وجعل العقاب من وراء تقصيرهم؛ فقد كان بعض نقبائه يحمل معه مقصّا لإيقاع المثلة بذقون مضيّعي المسلحة أو متهيّبي الملحمة. ولمّا أوقع بالسلطان أمير المسلمين أبي الوليد قرابته بباب داره بما هو مشهور، نمي عنه أنه اخترط سيفه. وكان ممن أثخن الوزير يومئذ جراحة لا يعلم؛ أحيرة وغلطا، أم تواطأ وقصدا، فقد كان من مرج الناس يومئذ، وإعمال بعضهم السلاح في بعض ما هو معلوم، فعزل عن الخطّة، وسئم خطة الخمول، ففقد مكانه من العناء، واضطر إليه.
وفاته: توفي بغرناطة عشية يوم الخميس الثاني والعشرين لشوال عام سبعة وعشرين وسبعمائة، ودفن قرب باب إلبيرة.
ومن المقربين
غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن عبد الرؤوف بن تمام ابن عبد الله بن تمام بن عطية بن خالد بن خفاف ابن أسلم بن مكتوم المحاربي، أبو بكر
حاله: كان من أهل العلم والعمل، مقرئا فاضلا، راوية، حجّ وروى، وكفّ بصره في آخر عمره.