مال موفور، وأن لا يسمع من مكشوف في مستور، وأن يسلك السّنن المحمود، وينزّه عقوبته من الإفراط وعفوه من تعطيل الحدود. وإذا انتهت إليه قصّة مشكلة أخّرها إلى غده، فهو على العقاب أقدر منه على ردّه، فقد يتبيّن في وقت ما لا يتبيّن في وقت، والمعاجلة بالعقوبة من المقت، وأن يتغمّد هفوات ذوي الهيئات، وأن يستشعر الإشفاق، ويخلغ التّكبّر فإنه من ملابس أهل النفاق، وليحسن لعباد الله اعتقاده، ولا يرفض زمام العدل ولا مقاده، وأن يعاقب المجرم قدر زلّته، ولا يعتزّ عند ذلّته، وليعلم أنّ الشيطان أغواه، وزيّن له مثواه، فيشفق من عثاره، وسوء آثاره، وليشكر الله على ما وهبه من العافية، وأكسبه من ملابسها الضّافية، ويذكره جلّ وتعالى «1» في جميع أحواله، ويفكّر في الحشر وأهواله، ويتذكّر وعدا ينجز فيه ووعيدا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
«2» . والأمير أيّده الله، وليّ له ما عدل وأقسط، وبرىء منه إن جار وقسط. فمن قرأه فليقف عند حدّه ورسمه، وليعرف له حقّ قطع الشّرّ وحسمه، ومن وافقه من شريف أو مشروف، وخالفه في شيء «3» منكر أو أمر بمعروف، فقد تعرّض من العقاب لما يذيقه وبال خبله، وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
«4» . وكتب في كذا.
وفاته: بمرّاكش ليلة الأحد لثمان بقين من محرم من عام تسعة «5» وعشرين وخمسمائة، ألفي قتيلا ببيت من بيوت فندق لبيب «6» أحد فنادقها، وقد ذبح وعبث به، وما شعر به إلّا بعد ثلاث «7» ليال من مقتله.
ومن المقرئين والعلماء
فرج بن قاسم بن أحمد بن لب التغلبي «8»
من أهل غرناطة، يكنى أبا سعيد.
حاله: هذا»
الرجل من أهل الخير والطهارة، والزّكا «2» والديانة، وحسن الخلق. رأس بنفسه، وحلّي بفضل ذاته، وبرّز بمزية إدراكه وحفظه، فأصبح حامل لواء التحصيل عليه «3» بدار الشّورى، وإليه مرجع الفتوى ببلده، لغزارة حفظه، وقيامه على الفقه، واضطلاعه بالمسائل، إلى المعرفة بالعربية واللغة، والمران «4» في التوثيق، والقيام على القراءات، والتّبريز في التفسير، والمشاركة في الأصلين والفرائض والأدب. جيد الخط، ينظم وينثر. قعد ببلده للتدريس على وفور المسجد. ثم استقلّ بعد، وولّي الخطابة بالمسجد الأعظم، وأقرأ بالمدرسة النّصرية، في ثامن وعشرين من رجب عام أربعة وخمسين وسبعمائة، معظّما عند الخاصة والعامة، مقرونا اسمه بالتسويد. وهو الآن بالحالة الموصوفة.
مشيخته: قرأ على الخطيب المقرئ «5» ، شيخنا أبي الحسن القيجاطي، والخطيب الصالح الفاضل أبي إسحاق بن أبي العاصي، والقاضي العدل المحدث العالم أبي عبد الله بن بكر، ولازم الشيخ الفقيه أبا عبد الله البيّاني، وأخذ العربية عن شيخ العصر أبي عبد الله بن الفخار، وروى عن الشيخ الرحال الراوية أبي عبد الله محمد بن جابر بن محمد القيسي الوادي آشي، وغيرهم.
شعره: من شعره في غرض النسيب قوله «6» : [الطويل]
خذوا للهوى من قلبي اليوم ما أبقى ... فما زال قلبي «7» للهوى كلّه رقّا «8»
دعوا القلب يصلى في لظى الوجد ناره ... فنار الهوى الكبرى وقلبي هو الأشقى «9»
سلوا اليوم أهل الوجد ماذا به لقوا ... فكلّ الذي يلقون بعض الذي ألقى
فإن كان عبد يسأل «1» العتق مالكا «2» ... فلا أبتغي من مالكي في الهوى عتقا
بدعوى الهوى يدعو أناس وكلهم ... إذا سئلوا طرق الهوى جهلوا الطّرقا
فطرق الهوى شتى ولكنّ أهله ... يحوزون «3» في يوم الرّهان بها سبقا «4»
فكم «5» جمعت طرق الهوى بين أهله «6» ... وكم أظهرت عند السّرى «7» بينهم فرقا
بسيما «8» الهوى تسمو معارف أهله ... فحيث ترى سيما الهوى فاعرف الصدقا
فمن زفرة تزجي سحائب زفرة «9» ... إذا زفرة ترقى فلا عبرة ترقا «10»
إذا سكتوا عن وجدهم أعربت «11» بهم «12» ... بواطن أحوال وما عرفت نطقا
ومن منظومه في وداع شهر رمضان المعظم قوله «13» : [الطويل]
أأزمعت يا شهر الصيام رحيلا ... وقاربت يا بدر التمام «14» أفولا؟
أجدّك قد جدّت بك الآن رحلة ... رويدك أمسك للوداع قليلا
نزلت فأزمعت الرحيل كلما «15» ... نويت رحيلا إذ نويت نزولا
وما ذاك إلّا أنّ أهلك قد مضوا ... تفانوا فأبصرت الديار طلولا
وقفت بها من بعدهم فعل ناد «1» ... لربع خلا يبكي عليه خليلا
لقد كنت «2» في الأوقات ناشئة التّقى «3» ... أشدّ به وطأ «4» وأقوم قيلا
ولما انجلى وجه الهدى فيك مسفرا ... سدلت على وجه الضّلال سدولا
متى ارتاد مرتاد مقيلا لعثرة ... أتاك فألفى للعثار مقيلا
وناديت فينا صحبة الخير أقبلوا ... بإقبالكم حزتم لديّ قبولا
لقد كنت لما واصلوك ببرّهم ... حفيّا بهم برّا لهم ووصولا
أقاموا لدين الله فيك شعائرا ... هدتهم إلى دار السلام سبيلا
فكم أطلقوا فيها أعنّة جدّهم ... وكم أرسلوا فيها الدموع همولا
دموعا أثارت سحّها ريح زفرة ... فسالت وخدّت في الخدود مسيلا
لديك أيا شهر الهدى قصّروا المدى ... فكم لك في شأو الفضائل طولا
دلائل تشريف لديك كثيرة ... كفى بكتاب الله فيك دليلا
ومن الصوفية والصلحاء
فضل بن محمد بن علي بن فضيلة المعافري
يكنى أبا الحسن، من أهل الشرق الأندلسي، أبو الحسن الولي الصالح الصوفي.
حاله: كان وليّا فاضلا، زاهدا، على سنن الفضلاء، وأخلاق الأولياء، غزير العلم، كثير العمل، دائم الاعتبار، مشهور الكرامة، مستجاب الدعوة، صوفيّا محققا، انتهت إليه الرئاسة في ذلك على عهده. يدلّ على ذلك كلامه على أغراض القوم، وكشفه عن رموزهم وإشاراتهم، أديبا بليغا، كاتبا مرسلا، لا يشقّ غباره في ذلك.
قائما على تجويد كتاب الله، عالي الرواية، أسنّ وتناهى وازدلف إلى التّسعين، ممتّعا بجوارحه، وولّي الخطابة والإمامة بالمسجد الأعظم، أقرأ به مدة كبيرة.
قال ابن الزبير في «صلته» : كان جليلا في ذاته وخلقه ودينه، معدوم النظير في ذلك، مشاركا في فنون من العلم، أديبا بارعا، كاتبا بليغا، فصيح القلم، متقدما في ذلك، متصوّفا، سنيّا، ورعا، معدوم القرين في ذلك، متواضعا، مقتصدا في شؤونه
كلها، جاريا في خلقه وأفعاله وأحواله على سنن السلف، أحفظ الناس للسانه وجوارحه وأصدقائه، وأسلمهم عينا ومشهدا، وأشدّهم تمسكا بهدي السلف الصالح، مؤثرا للخمول، سريع العبرة، شديد الخوف لله سبحانه، تاليا لكتاب الله، كثير الصوم، خفيف القدم في حوائج أصحابه، مشاركا لهم بأقصى ما يمكنه. له تقاييد جوابية عما كان يسأل عنه في الفن الذي كان يؤثره، محررا ما يلزم التقييد به من كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، غير منافر لمذهب الأشعرية، مالكي المذهب، له اختيارات يسيرة لا يفتى بها، ولا تتعدّى علمه.
مشيخته: روى عن أبي تمام غالب بن حسن بن أحمد بن سيد بونة «1» ، وعن أبي العباس أحمد بن محمد بن شهيد، وأخذ أيضا عن أبي بكر بن محرم، وأجاز له أبو بكر بن المرابط، وقرأ على القاضي أبي القاسم بن يحيى بن ربيع، والقاضي أبي عيسى بن أبي السّداد المرسي، وغيرهم.
من أخباره: وكراماته شهيرة، فمنها أن رجلا استفتاه، فأفتاه بجواب لم يحصل له به الإقناع، فرأى في عالم النوم وإثر سؤاله إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول له: الحق ما قال لك فلان في المسألة. قال الحاكي: فبكّر إليه الرجل من الغد، فلمّا أقبل عليه بموضع إقرائه، قال له: ألم ترد أن تستفتي يا أبا فلان إلّا من رأس العين؟ فبهت الرجل. وأحواله شهيرة.
مولده: ولد عام سبعة وستمائة.
وفاته: في الثامن عشر من محرم عام تسعة وتسعين وستمائة. ودفن بمقبرة ربض البيّازين مع قومه من صلحاء الشّرق، وكانت جنازته مشهودة.
ومن العمال الأثرا
فلّوج العلج
مولى يحيى بن غانية «2» .
حاله: كان فلّوج شهما شجاعا، مهيبا حازما، نال من مولاه حظوة، واستعان به على أموره المهمة. وجرى على يده إغرام أهل قرطبة، وانطلقت على أموالهم يده، وأثرى وجمع مالا دبرا من الصامت والذخيرة عظيما.
نكبته: وكان يحيى بن غانية قد ولّاه حصن بني بشير، فثقّفه وحصّنه، ونقل إليه أمواله ومتاعه وذخيرته. ولمّا توفي مولاه لحق به وملك أمره واستعان بجماعة من النصارى، ثم بدا له لضعف رأيه وسوء تدبيره، أن ألقى بيده إلى ابن أخي مولاه إسحاق بن محمد بن غانية، فأناب ولحق به، معتذرا عن توقفه، فقبض عليه وصفّده، وعرض عليه العذاب، وأسكنه في تابوت، باطنه مسامير، لا يمكنه معها التصرف، وأجاعه بمرأى من الطعام بمطبخه، إلى أن مات جوعا وألما. وهو مع ذلك لا يطمعه في شيء من المال. وتخلّف بالحصن رجلا من جهة سرقسطة، يعرف بابن مالك، ويكنى أبا مروان، فلمّا ذاع خبر القبض عليه، بادر الموحدون الذين بلوشة، فتغلّبوا عليه، واستولوا على ما كان به من مال وذخيرة، ووجدوا فيه من أنواع الثياب والحلي والذّخيرة، كل خطير عظيم، وشدّوا على ابن مالك في طلب المال، فلم يجدوا عنده شيئا، إلى أن فدى نفسه منهم، بمال كبير، فمضى فلّوج على هذا السبيل.
ومن المقرئين والعلماء
قاسم بن عبد الله بن محمد الشّاط الأنصاري «1»
نزيل سبتة، وأصله من بلنسية، يكنى أبا القاسم. قال: والشّاط اسم لجدّي، وكان طوالا فجرى عليه الاسم.
حاله: نسيج وحده في إدراك النظر، ونفوذ الفكر، وجودة القريحة، وتسديد الفهم، إلى حسن الشمائل، وعلو الهمة، وفضل الخلق، والعكوف على العلم، والاقتصار على الآداب السّنية، والتحلي بالوقار والسكينة. أقرأ عمره بمدرسة سبتة الأصول والفرائض، متقدما، موصوفا بالأمانة. وكان موفور الحظ من الفقه، حسن المشاركة في العربية، كاتبا، مرسّلا، ريّان من الأدب، ذا مماسّة في الفنون، ونظر في العقليات، ضرورة لم يتزوج، ممن يتحلى بطهارة وعفاف.
وقال في «المؤتمن» : كان مع معارفه، عالي الهمة، نزيه النفس، ذا وقار وتؤدة في مشيه ومجلسه، يشاب وقاره بفكاهة نظيفة، لا تنهض إلى التأثير في وقاره، ظريف الملبس، يخضب رأسه بالحنّاء على كبره.
مشيخته: قرأ بسبتة على الأستاذ الكبير أبي الحسن بن أبي الربيع وبه تأدب، وعلى أبي بكر بن مشليون، وعلى الحافظ أبي يعقوب المحاسبي، وعلى الطبيب أبي
عبد الله محمد بن علي بن أبي خالد العبدري الأبّدي، وعلى أبي الحسن البصري، وعلى خاليه أبي عبد الله محمد وأبي الحسن ابني الطرطاني. وأجازه أبو القاسم بن البرّاء، وأبو محمد بن أبي الدنيا، وأبو العباس بن علي الغماز، وأبو جعفر الطباع، وأبو بكر بن فارس، وأبو محمد الأنباري، وغيرهم. وأخذ عنه الجملة من أهل الأندلس من شيوخنا كالحكيم الأستاذ أبي زكريا بن هذيل، وشيخنا أبي الحسن بن الجياب، وشيخنا أبي البركات، والقاضي أبي بكر بن شبرين، وقاضي الجماعة أبي القاسم الحسني الشريف، والوزير أبي بكر بن ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الحكيم، والقاضي أبي القاسم بن سلمون، وغيرهم.
شعره: وكان يقرض أبياتا حسنة من الشعر، فمن ذلك قوله يذيّل أبياتا لأبي المطرّف بن عميرة وهي «1» : [الكامل]
فضل الجمال على الكمال بخدّه» ... والحقّ «3» لا يخفى على من وسّطه
عجبا له برهانه بشروطه ... معه فما مطلوبه «4» بالسّفسطه
علم التّباين في النفوس وإنها ... منها مفرّطة وغير مفرّطه «5»
فئة «6» رأت وجه الدّليل وفرقة ... أصغت إلى الشّبهات فهي مورّطه
فأراد جمعها معا في حكمة «7» ... هذي بمنتجة وذي بمغلّطه
ومن شعره قوله: [الكامل]
إني «8» سلكت من انقباضي مسلكا ... وجريت من صمتي على منهاج
وتركت أقوال البريّة جانبا ... كي لا أميّز مادحا من هاج
دخوله غرناطة: ورد على غرناطة عند تصيّر سبتة إلى الإيالة النّصرية مع الوفد من أهلها ببيعة بلدهم، فأخذ عنه بها الجملة، ثم انصرف إلى بلده. قال شيخنا أبو
البركات: وأنشدنا لنفسه: [الخفيف]
قلت يوما لمن تخذت هواه ... ملّة قد تبعتها وشريعه
لم تأبى «1» الوصال وهو مباح ... وتسوم المحبّ سوء القطيعه؟
قال: إني خشيت منك ملالا ... فتركت الوصال مدّ ذريعه
وأنشدنا: [الكامل]
وغزال أنس سلّ من ألحاظه ... سيفا أراق دم الفؤاد بسلّه
وبخدّه من ذاك «2» أعدل شاهد ... يقضي بأنّ الفتك بي «3» من فعله
ما لي أطالبه فيدحض حجّتي ... ودمي يطلّ وشاهدي من أهله؟
وأنشدنا الفقيه أبو القاسم الزقّاق، قال: أنشدنا الأستاذ أبو القاسم الشاط، وقد خرجنا معه مشيعين إياه في انصرافه عن غرناطة آئبا إلى بلده: [البسيط]
يا أهل غرناطة، إنّي أودّعكم ... ودمع عيني من جراكم جار
تركت قلبي غريبا في دياركم ... عساه يلقى لديكم حرمة الجار
تواليفه: منها «أنوار البروق، في تعقب مسائل القواعد والفروق» . و «غنية الرابض، في علم الفرائض» . و «تحرير الجواب، في توفير الثّواب» . و «فهرسة حافلة» . وكان مجلسه مألفا للصّدور من الطلبة، والنبلاء من العامة؛ حدّثني شيخنا القاضي الشريف أبو القاسم، قال: كان يجلس عند رجل خياط من أهل سبتة، يعرف بالأجعد من العامة، فأخذ يوما يتكلم عن مسألة، فقال متمثلا: كما تقول: الأجعد الخياط فعل كذا، ثم التفت معتذرا يتبسم وقال: أتمثل بك، فقال الأجعد بديهة: إذا يا سيدي، أعتق عليكم، إشارة إلى قول الفقهاء: العبد يعتق على سيّده إذا مثّل به، فاستظرف قوله.
مولده: في ذي قعدة من عام ثلاثة وأربعين وستمائة بمدينة سبتة.
وفاته: توفي بها في آخر عام ثلاثة وعشرين وسبعمائة، وقد استكمل الثمانين.