شعره: قال أبو القاسم الغافقي: من شعره قوله في هاشم بن كعب التميمي، من أنجد الفرسان، قتل في يوم خمسة من أنجاد المولّدين: [الطويل]
هجرت القوافي والظّباء «1» الأوانسا ... وودّعت لذّاتي نعم واللواعسا
ورعت فؤادي بالمشيب عن الصّبا ... وأصبحت عن عهد الغواية يائسا
أبا خالد، ما زلت مذ كنت يافعا ... لكل سنات للمكارم «2» لابسا
فما حملت أنثى كمثلك سيّدا ... ولا حملت خيل كمثلك فارسا
قاسم بن محمد بن الجد العمري
يكنى أبا القاسم، ويعرف بالورسيدي، من أهل ألمريّة، وتكرر وروده على غرناطة.
حاله: قال شيخنا أبو البركات: كان حسن الأخلاق، سليم الصدر، بعيدا عن إذاية الناس بيده أو لسانه بالجملة، له خطّ لا بأس به، ومعرفة بالعدد، وسلك الطريقة الزّمامية، وله حظ من قرض الشعر. وجرى ذكره في الإكليل بما نصه: من أئمة أهل الزمان، خليق برعي الذّمام، ذو حظ كما تفتّح زهر الكمام، وأخلاق أعذب من ماء الغمام. كان ببلده محاسبا، في لجة الأعمال راسبا، صحيح العمل، يلبس الطّروس من براعته أسنى الحلل.
شعره: قال يمدح المقام السلطاني «3» : [الطويل]
أرى أوجه الأيام قد أشرقت بشرا ... فقل لي، رعاك الله، ما هذه البشرى؟
وما بال أنفاس الخزامى تعطّرت ... فأرّجت الأرجاء من نفحها عطرا؟
ونقّبت الشمس المنيرة وجهها ... قصورا عن الوجه الذي أخجل البدرا
وما زالت الأغصان «4» في أريحيّة ... كما عطفت أعطافها تنثني شكرا
فما ذاك إلّا أن بدا وجه يوسف «5» ... فأربت على الآيات آياته الكبرى
خليفة ربّ العالمين الذي به ... تمهّدت الأرجاء وامتلأت بشرا
وجرّت على أعلى المجرّة ساحبا ... ذيول العلى فاستكمل النّهي والأمرا
وقام بأمر الله يقضي ويقتضي ال ... فتوح التي تبقي له في العلى ذكرا
وأربى على كل الملوك وفاتهم ... بسيرته الحسنى التي قد علت قدرا
وهي طويلة. ومن شعره أيضا قوله: [مخلع البسيط]
من أين أقبلت يا نسيم ... جادت بساحاتك الغيوم
ولا عدمناه سروا «1» ... حلّ به عندنا النعيم
بلّغ سلامي أهيل ودّي ... بلّغك الله ما تروم
قل لهم صبّكم مشوق ... أنحله وجده القديم
لطالما يسهر الليالي ... وطيّ أضلاعه جحيم
هبوا رضاكم لذي غرام ... ما زال قدما بكم يهيم
إن غبتم عن سواد عيني ... فحبّكم في الحشا مقيم
لو «2» ساعد السّعد أن أراكم ... لما اشتكى قلبي السّقيم
يا حادي العيس نحو أرض ... بنيقة قدرها عظيم
إذا أتيت اللّوى وسلفا ... وبان للناظر الحطيم
ولاح بالأبرقين بدر ... بسيره تهتدي النجوم
فقل: غريب ثوى بقرب ... في بحر أوزاره يعوم
قد أثقلت ظهره الخطايا ... وشجبت ذكره الرسوم
إن أعمل الحزم لارتحال ... أقعده ذنبه العظيم
لهفي هذا الشباب ولّى ... والقلب في غيّه مقيم
يا ربّ، عفوا لذي اجترام ... لا تهتك السّتر يا حليم
ما لي شفيع سوى رجائي ... وحسن ظني أيا كريم
فلا تكلني إلى ذنوبي ... وارحمني الله «3» يا رحيم
وفاته: توفي في وقيعة الطاعون عام خمسين وسبعمائة.
ومن المحدّثين والفقهاء والطلبة النجباء
قاسم بن أحمد بن محمد بن عمران الحضرمي
من أهل سبتة.
حاله: من خطّ صاحبنا القاضي أبي الحسن بن الحسن، قال: كان شيخنا يتّقد ذكاء، رحل عن سبتة إلى الحجاز فقضى الفريضة، وتطور في البلاد المشرقية نحوا من أربعة عشر عاما، وأخذ بها عن جلّة من العلماء. وورد على غرناطة في حدود عام ثمانية عشر وسبعمائة، فأخذ عن بعض أشياخها، وعاد إلى بلده، وكان على خزانة الكتب به، وكان يقرئ القرآن به. قال: وأنشدني، لما لقيته، بيتا واحدا يحتوي على حروف المعجم، وهو: [السريع]
قد ضمّ نصر وشكا بثّه ... مذ سخطت عضّ على الإبط
مشيخته: أخذ بالمشرق عن جماعة، منهم شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي طالب الدمشقي الحجار، والشيخ المحدّث أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد الشيرازي ابن جميل، قرأ عليه كتاب ابن الحاجب وحدّثه به عن مؤلفه، وقرأ على الشيخين المقرئين الجليلين؛ أبي عبد الله محمد بن عبد الخالق، المعروف بابن الضائع، وأبي عبد الله بن يعقوب الجراش المقدسي، جملة من الكتب الحديثية وغيرها، وسمع عليهما كتاب «الشاطبية» وحدّثاه بها معا عن المقرئ أبي الحسن على كمال الدين بن شجاع العباسي الضرير، عن صهره، مؤلفها.
تواليفه: قال: له في القراءات تقييد حسن سماه «الشافي، في اختصار التيسير الكافي» .
وفاته: توفي أيام الطاعون «1» العام ببلده.
قاسم بن خضر بن محمد العامري
يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن خضر، هكذا دون تعريف. يعرف سلفه ببني عمرون، من أهل ألمرية.
حاله: من خط شيخنا أبي البركات: كان هذا الشيخ من وجوه ألمرية، وممن تصرف سلفه في خطّة القضاء بها. وهو أقدم خطيب أدركته بسنّي بجامعها الأعظم.
وكان شيخا عفيفا من رجال الجد، ضيق العطن، سريع الغضب، غيورا على تلك الخطة، لا يحلى بعينه أحد. لما مات رفيقه في الصلاة والخطبة، الشيخ الشهير عند العامة، ثالث اثنين، الخراسي والنطية، أبو عبد الله بن الضايع، فكلّ من عرض عليه أن يكون معه أباه، فقال أهل البلد: فما العمل؟ فقال: يكتب إلى أبي القاسم ابن الحاج إلى سبتة، ليأتي إلى أرض سلفه، ويكون رفيقي في الصلاة والخطبة، يعني عمّي، فكتب إليه بذلك، فكانت المسألة عند الآخر أهون من أن يجيب عن «1» الكتاب، ولو بالإباية، فبقي الأمر إلى أن قدّم معه الشيخ الصالح الخطيب المصقع أبو الحسن بن فرحون البلفيقي، فلم يجد فيه قادحا إلّا كونه ليس من أهل البلد، فبقي مرافقا له إلى حين وفاته.
غريبة: قال الشيخ: أخبرتني جدّتي عائشة بنت يحيى بن خليل، قالت: كان الرجل الصالح أبو جعفر بن مكنون، خال قاسم بن خضر هذا، فرآه يلعب مع الصبيان في أزقة ألمرية، فقال له: من يكون خطيب ألمرية يلعب، فبقيت في حفظه إلى أن ولّي الخطابة.
وفاته: توفي في صفر من عام ثلاثة وسبعمائة، وكانت جنازته مشهودة.
حرف السين
سوّار بن حمدون بن عبدة بن زهير بن ديسم بن قديدة ابن هنيدة «2»
وكان علما من أعلام العرب، وصاحب لواء قيس بالأندلس، ونزل جدّه بقرية قربسانة من إقليم البلاط من قرى غرناطة، وبها أنسل ولده، ولم يزالوا أعلاما، إلى أن ظهر سوّار هذا منهم في الفتنة.
حاله وبعض آثاره وحروبه:
قال أبو القاسم: كان سوّار هذا بعيد الصيت، رفيع الذكر، شجاعا، محبّا في الظهور، حامي العرب وناصرهم. وكان له أربعة من الإخوة، مثله في الشجاعة، حضروا معه في الحروب في الفتنة، وهو الذي بنى المدينة الحمراء بالليل، والشّمع
تزهر لعرب الفحص، وبنى مدينة وادي آش لبني سامي، وبنى مدينة منتيشة لبني عطاف، وبنى مدينة بسطة لبني قحطبة وبني مسيرة، وبنى كورة جيّان للعرب. ولولا أن الله منّ على العرب بسوّار ونصره لما أبقى العجم والمولدون منهم أحدا. وأنسل سوّار عبد العزيز المقتول بمنتشافر، وعبد الرؤوف وعبد الملك.
مبدأ أمره وحروبه وشعره:
قال أحمد بن عيسى، بعد اختصار، في صدر هذه السنة، يعني سنة خمس وسبعين ومائتين: ثار «1» سوّار بن حمدون بناحية البراجلة من كورة إلبيرة، وانضوت إليه العرب، قام على تفئة مهلك يحيى بن صقالة «2» أميرهم، قتيل المسالمة والمولّدين، فطلب بثأره، وكثرت أتباعه، واعتزت العرب به، وقصد بجمعه إلى منت شاقر «3» ، وبه من عدوّه المذكورين نحو من ستة آلاف رجل «4» نازلهم حتى قهرهم، وطاف على حصونهم فافتتحها، وقتل وغنم، وتنادوا لقتاله في جموع عظيمة، عليها جعد بن عبد الغافر، عامل الأمير عبد الله، وبرز إليهم فيمن برز، وناشبهم الحرب، فانهزموا فقتل منهم خلق حرزوا بسبعة آلاف، وأسر جعد، ومنّ عليه وأطلقه. وكانت وقيعته الأولى هذه تعرف بوقيعة جعد. وغلظ، واستند إلى حصن غرناطة، بالقرب من مدينة إلبيرة. وكانت العرب يتألبون على المولّدين، إلى أن عزل الأمير جعدا عن الكورة إرضاء لسوّار، فأظهر عند ذلك الطاعة، وغزا الحصون الراجعة إلى ابن حفصون فأوقع بهم، فهاجمهم، واجتمعت عليه كلمتهم، فقصدوه وحصروه بغرناطة في نحو عشرين ألفا، وبرز إليهم في عدده القليل من عبيده، ورجال بيوتات العرب من أهل إلبيرة، ورجعوا من جبل الفخّار على تعبئة، يريدون الباب الشرقي من غرناطة، وكادهم لما التحمت الحرب وشبّ ضرامها، بما دبّره من انسلاله في لخمة من فرسانه، حتى استدبرهم، فحمل بشعاره، فانذعروا وانفضّوا، فتوهّم حماتهم أن مددا جاءهم من ورائهم، فولّوا منهزمين، وأعمل سوّار وأصحابه السيوف فيهم إلى باب إلبيرة، فيقال: إن قتلاهم في هذه الوقيعة الثانية كانوا اثني عشر ألفا، وهي الوقيعة المعروفة بوقعة المدينة، ولاذ المولّدون بعد هذا بعمر بن حفصون واستدعوه،
فوافاهم في جيش عظيم، ودخل إلبيرة، وناهض سوّارا، وعنده رجالات عرب الكور الثلاث؛ إلبيرة وجيّان، وريّه، واشتدّ القتال، وجال جيش ابن حفصون جولة جرح فيها جراحات صعبة، وكاد سوّار يأتي عليه لولا رجال صدقوه الكرّ واستنقذوه، وتمّت عليه الهزيمة، فانقلب على عقبه، ونالت الحضرة معرّته، فأغرم أهلها الذين استجلبوه ما تشعّث من عسكره، واستعمل عليهم قائده حفص بن المرّة، وانصرف، ونجح سوّار بما تهيّأ له على أعدائه، فاعتلت همّته، وأجلّته العرب، وعلا في الناس ذكره، وقال الأشعار الجزلة فيما تهيّأ له على المولدين، وأكثر الافتخار بنفسه، فشهر، من قوله في ذلك «1» : [الكامل]
صرم الغواني، يا هنيد، مودّتي ... إذ شاب مفرق لمّتي وقذالي
وصددن عنّي، يا هنيد، وطالما ... علقت حبال وصالهنّ حبالي «2»
وهي طويلة، أكثر فيها الفخر، وألمّ بالمعنى.
وفاته: ولما انصرف عمر بن حفصون وترك قائده بإلبيرة، جهّز معه طائفة من خيله، وأقرّه لمغاورة سوّار ودرك النيل لديه، وأعمل حفص جهده وطلب غرّته، فأمكنه الله منه، وأنه دنا إليه يوما، وقد أكمن أكثر خيله، وظهر له مستغيرا بجانب من حصنه، فخرج سوّار مبادرا من غرناطة لأول الصّيحة في نفر قليل، لم يحترس من الحيلة التي يحذرها أهل الحزم، فأصحر لعدوه، وخرجت الكمائن من حوله، فقتل وجيء بجثّته إلى إلبيرة، فذكر أن الثّكالى من نسائهم قطّعن لحمه مرقا، وأكلنه حنقا لما نالهنّ من الثّكل. وكان قتل سوّار في سنة سبع وسبعين ومائتين، وقتلت العرب بقتل سوّار، وكلّ حدّها بما نزل بها.
سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر لدين الله الخليفة بقرطبة «3»
المكنى بأبي أيوب، الملقب من الألقاب الملوكية بالمستعين بالله.
أوّليّته: معروفة.
حاله: كان أديبا شاعرا، مجموع خلال فاضلة، أصيل الرأي، راجح العقل، ثبتا. ولي الخلافة غلابا، وقعصا، ومنازعة، وأوقع بأهل قرطبة وقائع أبادتهم.
وخلع ثم عادت دولته، وجرت له وعليه الهزائم، على قصر أمد خلافته، لقيام البربر بدعوته، وتدويخ البلاد باسمه، في أخبار فيها عبرة، دخل في بعض حركاتها وهو لاتها المبيرة، إلى أن طحنته رحى الفتنة، وشيكا عن دنيا غير هنيّة، وصبابة ليست بسنيّة.
شعره: من شعره يعارض المقطوعة الشهيرة المنسوبة للرشيد «1» : [الكامل]
عجبا يهاب اللّيث حدّ سناني ... وأهاب لحظ فواتر الأجفان
فأقارع «2» الأهوال لا متهيّبا ... منها سوى الإعراض والهجران
وتملّكت نفسي ثلاث كالدّمى ... زهر الوجوه نواعم الأبدان
ككواكب الظّلماء لحن لناظري ... من فوق أغصان على كثبان
هذي الهلال وتلك أخت «3» المشتري ... حسنا، وهذي أخت غصن البان
حاكمت فيهنّ السّلوّ إلى الهوى ... فقضى بسلطان على سلطاني «4»
فأبحن من قلبي الحمى وتركنني ... في عزّ ملكي كالأسير العاني «5»
لا تعذلوا ملكا تذلّل للهوى «6» ... ذلّ الهوى عزّ وملك ثان
مقتله: قتله علي بن حمّود، المتقدم الذكر، متولّي الأمر بعده، صبرا بيده، بدم هشام المؤيد، وقال لما زحف إليه: لا يقتل الزّلطان إلّا الزّلطان، يعني السّلطان، إذ كان بربري اللسان، وذلك في أخريات المحرم من سنة سبع وأربعمائة.
سليمان بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان «1»
يكنى أبا أيوب.
حاله: كان شهما جريئا، أنوفا شجاعا، ديّنا فاضلا. ولما توفي أبوه بقصر قرطبة، وهشام وأبو أيوب هذا غائبان، وكّل ابنه عبد الله المعروف بالبلنسي، وقال:
من سبق إليك من أخويك، فارم إليه بالخاتم، فإن سبق إليك هشام، فله فضل دينه وعفافه واجتماع الكلمة عليه، فإن سبق إليك سليمان، فله فضل دينه ونجدته، وحبّ الشاميين له. فقدم هشام من ماردة، وتولّى الخلافة قبل سليمان. واتصل ذلك بسليمان، فأخذ لنفسه البيعة بطليطلة، وما اتصل بها، ودعا إلى نفسه، وواضع أخاه الحرب غير ما مرة، تجري عليه في كلها الهزائم، إلى أن تبرّم بنفسه، وأجاز البحر عن عهد إلى ستين ألفا بذلت له، واستقرّ بأهله وولده ببلاد البربر. ولما صار الأمر للحكم بن هشام، عاد إلى الأندلس سنة اثنتين وثمانين ومائة، وكان اللقاء في شوال منها، فانهزم سليمان، ثم عاد للّقاء فانهزم. وفي سنة أربع وثمانين «2» حشد واحتلّ بجيّان ثم بإلبيرة، والتقى بها معه الحكم، ودام القتال أياما حتى همّ الحكم بالهزيمة، ثم انهزم سليمان وقتل في المعركة بشر كثير، وأفلت سليمان إلى جهة ماردة. وبالتقاء الحكم وعمّه سليمان بإلبيرة وأحوازها استحقّا الذكر هنا على الشرط المعروف.
وفاته: وبعث الحكم أصبغ بن عبد الله في طلب سليمان، فأسره وأتاه به، فأمر بقتله، وبعث برأسه إلى قرطبة. قتل في سنة خمس وثمانين بعدها «3» .
سعيد بن سليمان بن جودي السّعدي «4»
حاله: كان سعيد بن سليمان صديق سوّار، فغصبت العرب الإمارة به بعده، وعلقت به، فقام بأمرها وضمّ نشرها، وكان شجاعا بطلا، فارسا مجرّبا، قد تصرف