عاينت «1» من بلد الجزيرة مكنسا «2» ... والبحر يمنع أن يصاد غزاله
كالشّكل في المرآة تبصره وقد ... قربت مسافته وعزّ مناله
ومن شعره قوله، رحمه الله: [الطويل]
تبسّم واستأثرت منه بقبلة ... فشمت أقاحا وارتشفت عقارا
ومرّ فأيدي الريح ترسل شعره ... كما ستر الليل البهيم نهارا
فيا لك ليلا بالكثيب قطعته ... كما رعت بالزّجر الغراب فطارا
تغصّ بنا زهر الكواكب غيرة ... فتقدح في فحم الظلام شرارا
ومن ذلك قوله «3» : [الطويل]
ولمّا رأيت الصّبح هبّ نسيمه ... دعاني داعيه إلى البين والشّتّ «4»
وقلت «5» : أخاف الشمس تفضح سرّنا ... فقالت: معاذ الله تفضحني أختي «6»
ومن الحكم وأبيات الأمثال قوله، رحمة الله عليه «7» : [البسيط]
منغّص العيش لا يأوي إلى دعة ... من كان ذا «8» بلد أو كان ذا ولد
والسّاكن النّفس من لم ترض همّته ... سكنى مكان ولم تسكن «9» إلى أحد
ومن شعره «10» :
ولا مثل يوم قد نعمنا بحسنه ... مذهّب أثناء المروج صقيل
إلى أن بدت شمس النهار تروعنا ... بسير صحيح واصفرار عليل
ولا توارت شمسه بحجابها ... وأذّن باقي نورها برحيل
وغابت فكان الأفق عند مغيبها ... كقلبي مسودّا «1» لفقد خليلي «2»
أتانا بها صفراء «3» يسطع نورها ... فمزّق سربال الدّجى بفتيل
فردّت علينا شمسنا وأصيلنا ... بمشبّه شمس في شبيه أصيل
ومن نثره قوله يخاطب بني أبي الوليد بن رشد، تعزية في أبيهم، واستفتحه بهذه الأبيات «4» : [الطويل]
ألا ليت شعري، هل لطالب غاية ... وصول وأحداث الزمان تعوقه؟
مضى علم العلم الذي ببيانه ... تبيّن خافيه وبان طريقه
أخلّاي «5» ، إني من دموعي بزاخر ... بعيد عن الشّطّين منه غريقه
وما كان ظنّي قبل «6» فقد أبيكم «7» ... بأنّ مصابا مثل هذا أطيقه
ولم أدر من أشقى الثلاثة بعده ... أأبناؤه «8» أم دهره أم صديقه؟
ومن شاهد الأحوال بعد «9» مماته ... تيقّن «10» أنّ الموت نحن نذوقه
رجوعا إلى الصّبر الجميل فحقّه ... علينا قضى أن لا توفّى «11» حقوقه
أعزّيكم في البعد عنه «12» فإنني ... أهنّيه قربا من جوار يروقه
فما كان فينا منه إلّا مكانه ... وفي العالم العلويّ كان رفيقه
إيه «13» عن المدامع، هلّا تلا انحدار الدّمعة انحدارها؟ والمطامع هل ثبت «14» على قطب مدارها؟ والفجائع أغير دار بني رشد دارها؟ فإنه حديث أتعاطاه مسكرا، وأستريح الله مفكرا، وأبثّه باعثا على الأشجان مذكرا، ولا أقول كفى، وقد ذهب الواخذ «15» الذي كنت تتلافى، ولا أستشعر صبرا، وقد حلّ نور العلم قبرا، بل أغرق
الأجفان بمائها، وأستدعي الأحزان بالشّهير من أسمائها، وأستوهب الأشجان غمرة غمائها. ثم أتهالك تهالك المجنون، وأستجير من الحياة بريب المنون، وأنافر السّلوة «1» منافرة وسواس الظّنون، ولا عتب، فإذا خامر الواله جزعه، فإلى نصرة المدامع مفزعه»
، وإذا ضعف احتماله، فإلى غمرة الإغماء مآله، ومن قال: إنّ «3» الصبر أولى، ولّيته من ذلك ما تولّى. أما أنا فأستعيد من هذا المقام وأستعفيه، وأنزّه نفس الوفاء عن الحلول فيه، فإنه متى بقي للصّبر مكان، ففي محلّ الحزن لقبول ما يقاومه إمكان، وقد خان الإخاء وجهل الوفاء، من رام قلبه السّلوّ، وألفت «4» عينه الإغفاء. هو الخطب الذي نقى «5» الهجود، وألزم أعين الثّقلين أن تجود «6» ، وبه أعظم الدهر المصاب، وفيه أخطأ سهم المنيّة حين أصاب. فحقّنا أن نتجاوز الجيوب إلى القلوب «7» ، وننقلب «8» إذا غالبنا الحزن بصفقة «9» المغلوب، وإذا كان الدهر السّالب فلا غضاضة على المستريح لأنه «10» المسلوب. أستغفر الله، فقد أتذكّر «11» من مفقودنا، رضي الله عنه حكمه، وأشاهد «12» بعين البصيرة شيمه «13» ، فأجدهما يكفّان من واكف الدمع ديمه، ويقولان: الوله عند مماسة المصاب «14» ، ومزاحمة الأوصاب، أمر إن وقع، فقد ضرّ فوق ما نفع، فإنه لا ألم الحزن شفاه، ولا حقّ المصيبة وفّاه، ولا الذّاهب الفائت استرجعه وتلافاه، فربما جنحت إلى الصّبر لا رغبة فيه، بل إيثارا لمقصده وتشيّعا لتصافيه، فأستروح رائحة السّلو، وأنحطّ قاب قوسين «15» أو أدنى عن سدرة ذلك العلو، وأقف بمقام الدّهش بين معنى الحزن
المستحكم ولفظ العزاء «1» المتلوّ. فأبكي بكاء النساء، وأصبر صبر الرؤساء، وأحرز «2» رزايا الفضلاء، بفضل «3» رزايا الأخسّاء، موازنة بين «4» هذا الوجود، وبخل يتعاقب على محل الجود «5» . فالدهر يسترجع ما وهب، كان الصّفر «6» أو الذّهب. وإذا تحقّق عدم ثباته، وعدم «7» استرجاعه لجميع هباته، كان «8» المتعرّض لكثيره، محلا لتأثيره.
فلا غرو أن دهمكم الرّزء، مورد «9» الفلك الدّابر «10» منه الجزء، فطالما بتّم ترضعكم الحكمة أخلافها، وتهبكم الخلافة آلافها، وتؤملكم «11» الأيام خلافها. وإذا صحيت «12» العقول، وضنّ بما لديه المعقول، وصارت الأذهان إلى حيث لا تتصوّر والألسنة «13» بحيث لا تقول، وردتم معينا، ووجدتم معينا، وافتضضتموها كمثل «14» اللؤلؤ المكنون صورا «15» عينا. أظننتم أن عين الله «16» تنام، أم رمتم أن يكون صرحا إلى إله موسى ذلك السّنام؟ لشدّ ما شيّدتم «17» البناء، وألزمتم اتّباع الأب الأبناء «18» ، حتى غرق الأول في الآخر، وصار السّلف على ضخامته أقلّ المفاخر. ومن علت في علاها1»
قدم ترقّيه، ولم يصب «20» بكماله عينا «21» يحفظ من عين العلن ويقيه، فكثيرا ما يأتيه محذوره من جهة توقّيه. هذا أبوكم، رضي الله عنه، حين استكمل، فعرف «22» الضّارّ والشّافي، وتعذّرت صفات كماله على الحرف النّافي، فيا «23» لله لفظة أواليها، وأتبعها زفرة تليها، لقد بحثت الأيام عن حتفها بظلفها، وسعت على قدمها إلى رغم أنفها، [حين أتلفت الواحد يزن مائة ألفها] «24» ، فمن لبثّ الوصل
ولرعي «1» الوسائل، وإلى من يلجأ في مشكلات المسائل؟ ومن المجيب إذا لم يكن المسؤول بأعلم من السّائل؟ اللهم صبّرنا على فقد الأنس بالعلم، وأدلنا من حفوف الوله بوقار الحلم، وأخلفه في بنيه وعامة أهليه، بشبيه ما أوليته في جوارك المقدس وتولّيه. وإليكم أيها الإخوة الأولياء، والعلية الذين عليهم قصرت العلياء، أعتذر من اتخاذ «2» الشيء من الكلام بنقصه «3» الأشياء. فقد خان في هذا الزمان «4» ، حتى اللسان، وفقد منه حتى الحسان «5» ، وليس لتأبين محمد صلى الله عليه وسلم، إلّا حسّان، فالعذر منفسح المجال، وإلى التقصير في حقّ رزئكم الكبير نصير «6» في الرّوية والارتجال.
ولذلك عدلت إلى الإيجاز، واعتقدت في «7» إرسال القول في هذا الموضع ضربا من المجاز، ومبلغ النفس عذرها مع العجز كالصّائر «8» للإعجاز. وأما حسن العزاء، على تعاقب هذه الأرزاء، فأمر لا أهبه بل أستجديه، ولا أذكركم به ونفس صبركم متوغلة فيه، فسواكم يلهم للإرشاد «9» ، ويذكّر بطرق الرشاد، جعل الله منكم لآبائكم خلفا، وأبقى منكم لأبنائكم سلفا، ولا أراكم «10» الوجود بعده تلفا. والسلام «11» .
محنته: امتحن، رحمه الله، بالتّغريب عن وطنه، لبغي بعض حسدته عليه، فأسكن بمرسية مدّة طويلة، إلى أن هلك بألمرية الأمير أبو عبد الله محمد بن يوسف بن هود، آخر جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وستمائة. فسرّح أبو الحسن بن سهل إلى بلده في رمضان من هذه السنة.
ومن شعره في ذلك الحال مما يدلّ على بعد شأوه ورفعة همته، قوله «12» :
[الطويل]
أدافع همّي «13» عن جوانب همّتي ... وتأبى هموم العافين عن «14» الدّفع
وألتمس العتبى وحيدا وعاتبي «1» ... وصرف الليالي والحوادث في جمع
وإنّي من حزمي وعزمي «2» وهمتي ... وما رزقته النّفس من كرم الطّبع
لفي منصب تعلو السماء سماته ... فتثبت «3» نورا في كواكبها السّبع
غلا صرف دهري إذ علا فإذا به ... تراب لنعلي أو غبار على شسعي «4»
تدرّعت بالصبر الجميل وأجلبت ... صروف الليالي كي تمزّق لي درعي «5»
فما ملأت قلبي ولا قبضت يدي ... ولا نحتت أصلي ولا هصرت فرعي «6»
فإن عرضت لي لا يفوه بها فمي ... وإن زحفت لي لا يضيق بها ذرعي «7»
وفي هذه الأبيات تأنيث السّبعة الكواكب، وحكمها التّذكير، وذلك إما لتأويل بعد أو غفلة، فلينظره. قال أبو الحسن الرعيني: ودخلت عليه بمرسية، وبين يديه شمّامة زهر، فأنشدني لنفسه «8» : [الطويل]
وحامل طيب لم يطيّب بطيبه ... ولكنه عند الحقيقة طيب
تألّف من أغصان آس وزهرة «9» ... فمن صفتيه زاهر ورطيب
تعانقت الأغصان فيه كما التقى ... حبيب على طول النّوى وحبيب
وإن الذي أدناه دون «10» فراقه ... إليّ كبير «11» في الوجود عجيب
مناسبة للبين كان انتسابها ... وكلّ غريب للغريب نسيب
فبالأمس في إسحاره «12» وبداره ... وباليوم في دار الغريب غريب
تواليفه: صنّف في العربية كتابا مفيدا، رتّب الكلام فيه على أبواب كتاب سيبويه. وله تعاليق جليلة على كتاب المستصفى في أصول الفقه، وديوان شعر كبير.
وكلامه الهزلي ظريف شهير.
مولده: عام تسعة وخمسين وخمسمائة.
وفاته: توفي بغرناطة منتصف ذي قعدة سنة تسع وثلاثين وستمائة. وزعم ابن الأبّار»
أن وفاته كانت سنة أربعين وستمائة، وليس بصحيح «2» . ودفن بمقبرة شقستر. قال ابن عبد الملك «3» : وكان كريم النفس، [فاضل الطبع، نزيه الهمّة] «4» ، حصيف الرأي، شريف الطباع، وجيها، مبرورا، معظّما عند الخاصة والعامة.
من رثاه: ممن كتب إلى بنيه يعزّيهم في مصابهم بفقده، ويحضّهم على الصبر من بعده، تلميذه الكاتب الرئيس أبو عبد الله بن الجنّان «5» : [الطويل]
دعوني وتسكاب الدموع السّوافك «6» ... فدعوى «7» جميل الصّبر دعوة آفك
أصبر جميل في قبيح حوادث ... خلعن على الأنوار ثوب الحوالك
تنكّرت الدنيا على الدّين ضلّة ... ومن شيمة الدنيا تنكّر فارك
فصبّحنا «8» حكم الردى بردائه ... فتلك وهذا «9» هالك في المهالك «10»
عفا طلل منها ومنه فأصبحا «1» ... شريكي عنان في بلا متدارك «2»
فلا بهجة تبدي «3» مسرّة ناظر ... ولا حجّة تهدي محجّة «4» سالك
وما انتظم الأمران إلّا ليؤذنا ... بأمر دها سير النجوم السّوابك «5»
وإنّ لمنشور الوجود انتظاره «6» ... بكفّي فناء للفناء مواشك «7»
أما قد علمنا والعقول شواهد ... بأنّ انقراض العلم أصل المهالك
إذا أهلك «8» الله العلوم وأهلها ... فما الله للدهر الجهول ببارك «9»
هل العلم إلّا الرّوح والخلق جثّة ... وما الجسم بعد الروح بالمتماسك
وما راعني في عالم الكون حادث ... سوى حادث في عالم ذي مدارك
لذلك ما أبكي كأني متمّم «10» ... أتمّم ما أبقى الأسى «11» بعد مالك