أعجمه منشئه أوّلا ... وزاده النّاسخ إعجاما
أسقط من إجماله جملة ... وزاد في التفصيل أقساما
وغيّر الألفاظ عن وضعها ... وصيّر الإيجاد إعداما
فليس في إصلاحه حيلة ... ترجى ولو قوبل أعواما
نثره: كتب إليّ شافعا في الولد، وأنا واجد عليه: من حلّ محلّ السيد نادرة الزمان، وسابق حلبة البيان، في رسوخ العلم، والسّمو في درجة الحلم، وأرضعته الحكم درّتها، وقلّدته المعارف دررها، وجلت عليه بدرها، وجلبت إليه بذرها، كان بالحنوّ والرأفة خليقا، وأن يهبّ نسيمه لدنا رفيقا، وأن يتعاهد بالعطف غرسا في زاكي تربته ظلي، وإلى محتده المنجب وفضله المنجب انتمى، فيلحفه من الرحمة جناحا، ويطلع عليه في ليل الوحشة المؤلمة من نور صفحه عن حفوته مصباحا، والذنب إذا لم يكن عقوقا ولا سوء أدب، وكان في المماليك والقيم المالية مغتفر عند الأكابر مثله من ذوي الرتب، وقد بلغ في الاعتراف غاية المدى، واندمل الجرح الذي أصابته المدى، البون واضح في المقاييس، بين المرؤوس والرئيس، وشتّان بين الزيف والجوهر النفيس. ومع أن الولد كمد فهو للنفس ريحانة، وفي فصّ خاتم الإنسان جمانة، وقد نال منه هذا الإمضاء، والصارم يتخذ فيزيد منه المضاء، وهو يرتجي كل ساعة أن يفد عليه البشير برضاك فيستأنف جهورا، وينقلب إلى أهله مسرورا، والله يبقيك والوزارة ترفل منك في مظهر حلل، ويريك في نفسك وبنيك غاية الأمل.
مولده: التاسع لذي الحجة عام تسعة وتسعين وستمائة، وهو الآن على حاله الموصوفة.
ومن الكتاب والشعراء
سهل بن طلحة
من أهل غرناطة، يكنى أبا الحسن.
حاله: كان ظريفا، عنده مشاركة في الطّلب. مدح ولي العهد أبا عبد الله بن الغالب بالله بشعر وسط، فمن ذلك قوله من قصيدة أولها: [الكامل]
أنا للغرام وللهوى مدفوع ... فمتى السّلوّ ووصلها ممنوع؟
يقول أيضا منها بعد كثير:
يا حبّذا دار لزينب باللّوى ... حيث الفؤاد على الهوى مطبوع
يا حادي العيس التفت نحو اللّوى ... إني بسكان اللّوى مفجوع
وعج المطيّ بلعلع وبرامة «1» ... فهناك قلب للشّجيّ مروع
أطلال آرام وبيض خرّد ... هنّ الأهلّة بالجيوب طلوع
في ظبية من بينهنّ تصدّني ... حسنا ولي أبدا إليه نزوع
حوراء جائرة عليّ بحكمها ... ظلما وإنّي مذعن وسميع
تفنى الليالي والزمان وأنقضي ... كمدا ولا نبأ لها مسموع
يا «2» ليت! هل دهر يعود بوصلها ... فيكون للعيش الخصيب رجوع؟
وتعود أيام السّرور كمثل ما ... قد عاد روح حياتها والروع؟
فقدوم مولانا الأمير محمد «3» ... خير الملوك ومن له التّرفيع
وفاته: كان حيّا سنة اثنتين وخمسين وستمائة.
سالم بن صالح بن علي بن صالح بن محمد الهمداني «4»
من أهل مالقة، يكنى أبا عمرو، ويعرف بابن سالم.
حاله: قال الأستاذ أبو جعفر بن الزّبير: كان أديبا مقيّدا، كتب بخطّه كثيرا، وانتسخ أجزاء عدّة، واجتهد وأكثر، وكان متبذّلا في لباسه، متواضعا، مقتصدا، مليح المجالسة، حسن العشرة، جليل الأخلاق، فاضل الطبع.
مشيخته: روى «5» عن الحافظ أبي عبد الله بن الفخّار، وأبي زيد «6» السهيلي، وأبي الحجاج بن الشيخ، وأبي جعفر بن حكم، وأبي بكر بن الجدّ، وأبي عبد الله بن زرقون، وأبي محمد بن عبيد الله. وشارك في كثير من شيوخه أبا محمد القرطبي، وكان يناهضه.
دخوله غرناطة: دخلها وأقام بها وأخذ عن شيوخها وتردّد إليها.
شعره: قال في رمح: [الوافر]
أنا الرّمح المعدّ إلى النوائب ... فصاحبني تجدني خير صاحب
لئن فخر اليراع بكتب خطّ ... فإنّ الخطّ «1» فخر بالكتائب
ومما كتب له ابن خميس قوله: [الوافر]
إلهي قد عصينا منك ربّا ... تعالى «2» أن يقابل بالمعاصي
فكيف خلوصنا من هول يوم ... تشيب لهوله سود النّواصي؟
وجلب شعرا كثيرا دون شهرته، وما ذكر به. وتوفي بمالقة ليلة الاثنين لثماني «3» عشرة ليلة خلت من رمضان المعظم سنة عشرين وستمائة «4» .
حرف الهاء من الملوك والأمراء
هشام بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر لدين الله بن محمد بن عبد الله «5»
أخو المرتضى المتقدم الذّكر «6» ، يكنى أبا بكر، ويلقّب بالمعتد بالله، الخليفة بقرطبة.
صفته: أبيض أصهب، إلى الأدمة، سبط الشعر، أخنس، خفيف العارض واللّحية، حسن الجسم، إلى قصر، أمّه أم ولد تسمّى عاتبا.
حاله: بويع له بالثّغر «7» ، فقرطبة أيام استقراره بحصن ألبنت «8» ، عند صاحبه عبد الله بن قاسم الفهري. قال ابن حيان، ثالبا إياه على عادته «9» : قلّد الأمر في سنّ الشيخوخة، وكان معروفا بالشّطارة في شبابه، وأقلع «10» فرجي فلاحه. وقال: دخل
قرطبة «1» في زيّ تقتحمه العين، وهنا وقلّة، عديم «2» رواء وبهجة، وعدد وعدّة، فوق فرس دون مراكب الملوك، بحلية مختصرة، سادلا سمل غفارة على ما تحتها من كسوة رثّة، قدّامه سبع جنائب «3» من خيل العامريين دون علم ولا مضطرد، يسير هونا والناس ينظرون إليه، ويصيحون بالدّعاء في وجهه. فدخل القصر، وقلّد حكما المعروف بالقزاز الأعمال والأمر، وأطلق يده في المال، وهو الذي يقول فيه الشاعر «4» : [مخلع البسيط]
هبك كما تدّعي وزيرا ... وزير من أنت يا وزير؟
والله ما للأمير معنى ... فكيف من وزّر «5» الأمير؟
وضعف «6» أمره، وآثر الناس الوثوب على وزيره، فأوقع به طائفة من الجند، وثارت العامة بهشام فخلع في خبر طويل، ودخل غرناطة مع أخيه المرتضى، ولحق يوم هزيمته بظاهرها، بحصن ألبنت إلى أن بويع له بقرطبة يوم الأحد لخمس بقين من ربيع الآخر سنة ثماني عشرة وأربعمائة.
محنته: ثارت العامة به بقرطبة كما تقدم، ملتفّة على أمية بن عبد الرحمن بن هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر، يوم الثلاثاء الثاني عشر لذي حجة من سنة اثنتين وأربعمائة، بسوء تدبير وزيره، وبادر الاعتصام بعلية القصر، وأنزل منها إلى ساباط الجامع بالأمان، فيمن تألّف إليه من ولده وحريمه، فحدّث بعض سدنة الجامع أنّ أوّل ما سأل الشيوخ، إحضار كسيرة من خبز يسدّ جوع طفيلة له كان قد احتضنها، ساترا لها بكمه من قرّ ليلته تلك، كانت تشكو الجوع ذاهلة عما أحاط به، فأبكى من كلّمه اعتبارا بعادية الدهر. وأخرج إلى حصن ابن الشرف إلى أن هلك.
وفاته: في صفر ثمان وعشرين وأربعمائة «7» . وسنّه نحو أربع «8» وستين سنة.
وكان آخر ملوك «9» بني أمية بالأندلس.
ومن ترجمة الأعيان والكبرا والأماثل والوزرا
هاشم بن أبي رجاء الإلبيري
الوزير، يكنى أبا خالد.
حاله: كان من عظماء أهل إلبيرة وحليتهم، وهو الذي عاد الفقيه الزاهد أبا إسحاق بن مسعود الإلبيري «1» في مرضه، وعذله على رداءة مسكنه، وقال له: لو سكنت دارا خيرا من هذه لكانت أولى لك، فأجابه، رحمه الله، بقوله «2» : [مخلع البسيط]
قالوا: ألا تستجيد بيتا ... تعجب من حسنه البيوت؟
فقلت: ما ذاكم صواب ... حفش «3» كثير لمن يموت
لولا شتاء ولفح قيظ ... وخوف لصّ وحفظ قوت
ونسوة يبتغين كنّا «4» ... بنيت بنيان عنكبوت
وأيّ معنى لحسن مغنى ... ليس لسكّانه ثبوت
ما وعظ «5» القبر لو عقلنا ... موعظة الناطق «6» الصموت
يومي إلى ممتطي الحنايا ... ما لك عن مضجعي عميت؟
نسيت يومي وطول نومي ... وسوف تنسى كما نسيت
وسدت يا هادمي قصورا ... نعمت فيهنّ كيف شيت
معتنقا للحسان فيها ... مستنشقا مسكها الفتيت
تسحب ذيل الصّبا وتلهو ... بآنسات يقلن هيت
فاذكر سهادي قبل التّنادي «1» ... واسهد له قبل أن يفوت
فعن قريب يكون ظعني ... سخطت يا صاح أم رضيت
حرف الياء الملوك والأمراء
يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر الأنصاري الخزرجي «2»
أمير المسلمين بالأندلس، أبو الحجّاج.
حاله وصفته: كان «3» أبيض أزهر، أيّدا، برّاق الثنايا، أنجل، رجل الشّعر أسوده، كثّ اللحية، تقع العين منه على بدر تمام، يفضل الناس بحسن المرأى وجمال الهيئة كما يفضلهم مقاما ورتبة، عذب اللسان، وافر العقل، عظيم الهيبة، إلى ثقوب الذهن، وبعد الغور، والتفطّن للمعاريض، والتّبريز في كثير من الصنائع العملية، مائلا إلى الهدنة، مزجيا للأمور، كلفا بالمباني والأثواب، جمّاعة للحلي والذّخيرة، مستميلا لمعاصريه من الملوك. تولّى الملك بعد أخيه بوادي السّقائين من ظاهر الخضراء، ضحوة يوم الأربعاء الثالث عشر من ذي الحجة عام ثلاثة «4» وثلاثين وسبعمائة، وسنّه إذ ذاك خمسة عشر عاما وثمانية أشهر. واستقلّ «5» بالملك، واضطلع بالأعباء، وتملّأ الهدنة ما شاء. وعظم مرانه لمباشرة الألقاب، ومطالعة الرسم، فجاء نسيج وحده، ثم عانى شدائد العدو، فكرم يوم الوقيعة العظمى بظاهر طريف موقعه «6» ، وحمد بعد في منازلة الطّاغية عند الجثوم على الجزيرة «7» صبره، وأجاز البحر في شأنها، فأفلت من مكيدة العدو التي تخطّاها أجله، وأوهن حبلها «8» سعده.
ولما نفذ فيها «9» القدر، وأشفت الأندلس، سدّد الله أمور «10» المسلمين بها على يده،
وراخى مخنّق الشّدة بسعيه، فعرفت الملوك رجاحته، وأثنت على قصده، إلى حين وفاته «1» .
أمه: أم ولد تسمى بهارا، طرف في الخير والصون والرجاحة.
ولده: كان له ثلاثة من الولد، كبيرهم محمد أمير المسلمين من بعده، وتلوه أخوه إسماعيل «2» المستقر في كنفه، محجورا عليه التصرف إلى أعمال التدبير، وثالثهم اسمه قيس، شقيق إسماعيل.
وزراء دولته: تولّى وزارته لأول أمره، كبير الأكرة ونبيه الدهّاقين «3» ، من منتجعي المدر بحضرته، أبو إسحاق بن عبد البر، لمخيّلة طمع نشأت لمقيمي الدولة فيما بيده، سدّا لحال بها على عوز طريقه إلى حضرته، إلى ثالث شهر المحرم من العام. وأنف الخاصة والنبهاء رياسته، فطلبوا من السلطان إعاضته، فعدل عنه إلى خاصة دولتهم الحاجب أبي النعيم رضوان «4» ، مظنّة التّسديد، ومحطّ الإنفاق، فاتصل نظره مستبدا عليه، في تنفيذ الأمور، وتقديم الولاة والعمال، وجواب المخاطبات، وتدبير الرعايا، وقود الجيوش. ثم نكبه «5» ، وأحاط به مكروها، مجهول السبب، ليلة الأحد الثاني والعشرين لرجب عام «6» أربعين وسبعمائة.
وتولّى الوزارة بعده، ابن عمة أبيه القائد «7» أبو الحسن علي بن مول بن يحيى بن مول الأمي، ابن عم وزير أخيه، رجل جهوري حازم؛ مؤثر للغلظة على الشّفقة «8» ، ولم ينشب أن كفّ استبداده، فانكدر نجم سعادتهم، والتأثث حاله، ولزمته شكاية سدكت فاستنقذته «9» . وأقام لرسم «10» الوزارة كاتبه شيخنا نسيج وحده أبا الحسن بن الجياب إلى أخريات شوال عام «11» تسعة وأربعين وسبعمائة. وهلك، رحمه الله، فأجري لي الرّسم، وعصّب لي تلك المثابة، مضاعف الجراية، معزّزة بولاية القيادة.
كتّابه: تولّى كتابته كاتب أخيه وأبيه، شيخنا المذكور إلى حين وفاته. وقلّدني كتابة سرّه مثنّاة بمزيد قربه، مظفّرة برسم وزارته.
قضاته: تولّى «1» أحكام القضاء، قاضي أخيه الصّدر البقيّة، شيخنا أبو عبد الله محمد بن يحيى بن بكر «2» إلى يوم الوقيعة الكبرى بطريف، وفقد في مصافّه، وتحت لوائه «3» . وتولى «4» القضاء الفقيه المفتي البقيّة أبو عبد الله محمد بن عيّاش «5» ، من أهل مالقة أياما، ثم طلب الإعفاء، فأسعف عن أيام تقارب أسبوعا، وولّي مكانه الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد بن برطال من أهل مالقة، فسدّد الخطّة، وأجرى الأحكام، إلى الرابع من شهر ربيع الآخر عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة. وقدّم «6» عوضا عنه، الفقيه الشريف الصّدر الفاضل أبو القاسم محمد بن أحمد الحسيني السّبتي المولد والمنشأ «7» ، الطالع على أفق حضرته في أيام أخيه، النازع إلى إيالتهم النصرية، معدودا في مفاخر أيامها، مشارا إليه بالبنان عند اعتبار أعلامها؛ ثم عزله لغير جرمة تذكر، إلّا ما لا ينكر وقوعه، مما تجره تبعات الأحكام. وولّي الخطة شيخنا نسيج وحده الرّحلة البقية أبا البركات بن الحاج، شيخ الصّقع، وصدر الجلّة. واستمرّ قاضيا إلى ... «8» وأربعين وسبعمائة. ثم أعاد إليها القاضي المفوض هونه، الشريف الفاضل، أبا القاسم، إلى يوم وفاته.
رئيس الغزاة ويعسوب الجند الغربي:
تولّى ذلك لأول الأمر الشيخ أبو ثابت عامر بن عثمان بن إدريس بن عبد الحق، قريع دهره في النكراء والدهاء، المسلّم له في الرتبة، عتاقة ورأيا وثباتا، إلى أن نكبه، وقبض عليه وعلى إخوته، يوم السبت التاسع والعشرين من ربيع الأول، عام أحد وأربعين وسبعمائة. وأقام شيخا ورئيسا، دائلهم وابن عمّهم، المتلقّف لكرة عزّهم يحيى بن عمر بن رحّو، ولي ذلك بنفسه ونديمه ومبرز خصاله إلى تمام مدته.
من كان على عهده من الملوك:
وأولا بفاس دار الملك بالمغرب، السلطان المتناهي الجلالة، أبو الحسن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق. وجاز على عهده إلى الأندلس، إثر صلاة