بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 282

كتّابه: تولّى كتابته كاتب أخيه وأبيه، شيخنا المذكور إلى حين وفاته. وقلّدني كتابة سرّه مثنّاة بمزيد قربه، مظفّرة برسم وزارته.
قضاته: تولّى «1» أحكام القضاء، قاضي أخيه الصّدر البقيّة، شيخنا أبو عبد الله محمد بن يحيى بن بكر «2» إلى يوم الوقيعة الكبرى بطريف، وفقد في مصافّه، وتحت لوائه «3» . وتولى «4» القضاء الفقيه المفتي البقيّة أبو عبد الله محمد بن عيّاش «5» ، من أهل مالقة أياما، ثم طلب الإعفاء، فأسعف عن أيام تقارب أسبوعا، وولّي مكانه الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد بن برطال من أهل مالقة، فسدّد الخطّة، وأجرى الأحكام، إلى الرابع من شهر ربيع الآخر عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة. وقدّم «6» عوضا عنه، الفقيه الشريف الصّدر الفاضل أبو القاسم محمد بن أحمد الحسيني السّبتي المولد والمنشأ «7» ، الطالع على أفق حضرته في أيام أخيه، النازع إلى إيالتهم النصرية، معدودا في مفاخر أيامها، مشارا إليه بالبنان عند اعتبار أعلامها؛ ثم عزله لغير جرمة تذكر، إلّا ما لا ينكر وقوعه، مما تجره تبعات الأحكام. وولّي الخطة شيخنا نسيج وحده الرّحلة البقية أبا البركات بن الحاج، شيخ الصّقع، وصدر الجلّة. واستمرّ قاضيا إلى ... «8» وأربعين وسبعمائة. ثم أعاد إليها القاضي المفوض هونه، الشريف الفاضل، أبا القاسم، إلى يوم وفاته.
رئيس الغزاة ويعسوب الجند الغربي:
تولّى ذلك لأول الأمر الشيخ أبو ثابت عامر بن عثمان بن إدريس بن عبد الحق، قريع دهره في النكراء والدهاء، المسلّم له في الرتبة، عتاقة ورأيا وثباتا، إلى أن نكبه، وقبض عليه وعلى إخوته، يوم السبت التاسع والعشرين من ربيع الأول، عام أحد وأربعين وسبعمائة. وأقام شيخا ورئيسا، دائلهم وابن عمّهم، المتلقّف لكرة عزّهم يحيى بن عمر بن رحّو، ولي ذلك بنفسه ونديمه ومبرز خصاله إلى تمام مدته.
من كان على عهده من الملوك:
وأولا بفاس دار الملك بالمغرب، السلطان المتناهي الجلالة، أبو الحسن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق. وجاز على عهده إلى الأندلس، إثر صلاة


صفحه 283

يوم الجمعة تاسع عشر «1» صفر، من عام أحد وأربعين وسبعمائة، بعد أن أوقع بأسطول الروم، المستدعى من أقطارهم، وقيعة كبيرة شهيرة، استولى فيها من المتاع والسلاح والأجفان، على ما قدم «2» به العهد، واستقر بالخضراء في جيوش «3» وافرة، وكان جوازه، في مائة وأربعين جفنا غزويا. وبادر إلى لقائه، واجتمع به في وجوه الأندلسيين وأعيان طبقاتهم بظاهر الجزيرة الخضراء، في اليوم الموفي عشرين من الشهر المذكور «4» . ونازل إثر انقضاء المولد النّبوي، مدينة طريف، ونصب عليها المجانيق، وأخذ بمخنّقها، واستحثّ من بها من المحصورين طاغية الروم «5» ، فبادر يقتاد «6» جيشا يجرّ «7» الشّجر والمدر. وكانت المناجزة يوم الاثنين السابع لجمادى الأولى من العام. ومحّص «8» المسلمون بوقيعة هائلة، أتت «9» على النفوس والأموال والكراع، وهلك فيها بمضرب الملك جملة من العقائل الكرام، فعظمت الأحدوثة، وجلّت المصيبة، وأسرع اللّحاق بالمغرب مفلولا في سبيل الله، محتسبا يروم الكرّة.
وكان ما هو معلوم من إمعانه في حدود الشّرق، عند إحكام المهادنة بالأندلس، وتوغّله في بلاد إفريقية، وجريان حكم الله عليه بالهزيمة، ظاهر القيروان التي لم ينتشله الدهر بعدها، وعلقت آمال الخلق بولده، مستحق الملك، من بين سائر إخوته، وهلك على تفئة لحاقه «10» بأحواز مراكش، ليلة الأربعاء السادس والعشرين لربيع الأول عام اثنين وخمسين وسبعمائة، فاختار الله له ما عنده «11» ، بعد أن بلغ من بعد الصيت، وتعظيم الملوك له، وشهرة الذكر، ما لم يبلغه سواه.
ونحن نجلب دليلا على فضله، والإشادة بفخره، نسخة العقد الذي تضمن هديته إلى صاحب الديار المصرية، صحبة الرّبعة الكريمة بخطه، وذلك قبّة من مائة بنيقة، وفيها أربعة أبواب، وقبّة أخرى من ستة وثلاثين بنيقة؛ داخلها حلة محلوقة ووجهها حرير أبيض، وركيزها أبنوس وعاج مرصع، والأهار فضة مذهبة، والشرائط حرير. وضربت القبّتان بالصفصيف، وحلّ فيها جميع الهدية. وصفّفت جميع الدواب


صفحه 284

بجهازاتها أمام القبة، من الخيل ثلاثمائة، وخمسة وثلاثون من البغل بين ذكور وأناث، ومن الجمال سبعمائة، إلا أنها لم تصفّف، بل أعدّت لحمل الهدية، ومن البزاة الأحرار أربعة وثلاثون، ومن أحجار الياقوت مائتان وخمسة وعشرون، ومن قطب الزمرد مائة وثمانية وعشرون، ومن حبوب الجوهر الفاخر أكثره، ثلاثة آلاف وأربعة وستون. ومن أحجار الزبرجد ثمانية وعشرون، ومن المهنّدات بحلية الذهب عشرة، ومن أزواج مهاميز الذهب عشرة، ومن أزواج الأركب عشرة؛ واحد كله ذهب، وثلاثة كلها فضة، وستة من حبحبة مذهبة على الحديد، واثنان من اللضمات من ذهب، وشاشية مذهبة، وحلل: ثلاث عشرة، وعشر كلل ومخاد حلة. وتوق ذهب:
مائتان، واشتراق ذهب: عشرون. وقدود: ستة وأربعون. وفرش جلّة. وعشر علامات معشّشة. وعشر وقايات مذهّبة. وثلاثون من وجوه اللّحف حرير وذهب.
ومائتان من المحررات الملونة الرفيعة المختمة. وحيطيان أحدهما حلة والآخر طوق.
وثلاثة وعشرون شّقة من الرهاز. واثنان من هنابل الحلة. وعشرة براقع للخيل، منها ثمانية من الحلة. ومن أسلة الخيل ثلاثون، وثلاثة طنافس من الحرير. وهنابل حرير:
اثنان. وعشرة هنابل من الحرير والصوف. وهنابل وانشريشية وزمورية: مائة وسبعة.
وأربعة آلاف من الجلد التركي والأغماتي. ومن درق اللّمط المثمنة مائتان. ومن الأكسية المحررة أربعة وعشرون. ومن البرانس المحررة ثمانية. ومن الأحارم ما بين محررة وصوف عشرون. ومن أزواج المحفف خمسون. وعشر لزمات من الفضة.
وست عشرة شقة من الملف. وأما أزودة الحجاج فأعطى للحرة المكرمة أخته، أعزّها الله، ثلاثة آلاف دنير من الذهب، ومائتي كسوة برسم العرب. ولمن سافر معها ستمائة وسبعين. ولأبي إسحاق بن أبي يحيى ثلاثمائة من الذهب وكسوة رفيعة.
ولعريفه يحيى السويدي ألف دنير من الذهب. إلى العدد الكثير من الذهب العين برسم الوصفان والخدام، ولرسوم التحبيس على قراء الرابعة الكريمة، ستة عشر ألفا وخمسمائة دنير. انتهى.
وكان هذا السلطان، رحمه الله، ممّن دوّخ الأقطار، وجاهد الكفار، ووطئ بالأساطيل خدود البحار، والتمس ما عند الله من الثواب، وأعلق يده من نسخ كتابه بأوثق الأسباب، إلى أن «1» استوسق الأمر لولده، أمير المؤمنين بالمغرب وما إليه، فارس المكني بأبي عنان، الملقب «2» بالمتوكل على الله. فقام بالأمر أحمد قيام.


صفحه 285

وجرت بين هذا السلطان وبينه المخاطبات والمراسلات. وسفّرني «1» إليه لأول الأمر، معزّيا «2» بأبيه، ومهنّئا بما صار إليه من ملكه، واستصحبت إليه كتابا من إنشائي، نجليه بحول الله، تجميما لمن يقف على هذه الأخبار، وإن اقتحمتها ثبج الإكثار، وهو:
المقام الذي رسخت منه في مقامي الصّبر والشكر قدم، فلا يغيره وجود لا يروعه عدم، وصدقت منه في كتاب المجد عزمة لم يختلجها وهن ولا ندم، حتى تصرفت بحكم معاليه، أيام دهره ولياليه، هو ولدان وهذه خدم. مقام محل أخينا الذي إن جاشت النوائب، وسعها صدره، أو عظمت المواهب، ترفع عنها قدره، أو أظلمت الكروب جلاها بدره. أو تألبت الخطوب هزمها صبره، أو أظلّت سحائب النعم أسدرها حمد الله وشكره، أو عرضت عقود الحمد في أسواق المجد أغلاها فجره، أو راقت حلل الصنائع طرّزها ذكره، أو طبّقت سيوف الناس أغمدها صفحه، وسلّها قهره. السلطان الكذا أبقاه الله ضاحك السعد كلما بكت عين، مجموع الشّمل كلما أزف بين، واري الزّند إذا اقتضى دين، محمي الذّمار بانفساح الأعمار كلما أغار على الأحياء حين. ولا زال يقيد منه شكر الله نعما ما في وعدها ليّ ولا في قولها مين، ويلبس منها حللا تقواه في عواتقها زين. مساهمة في كل خطب غمّ، أو فضل من الله عمّ، ومقاسمة في كل ما ألمّ. وتهنئة بالملك الذي خلص وتمّ، فلان.
أما بعد حمد الله الذي جعل الصّبر في الحوادث حصنا منيعا، والشكر يستدعي المزيد من النعم سريعا، فمتى أعملت للصبر دعوة كان بها الأجر سميعا، ومتى رفعت من الشكر رقعة كان المزيد عليها توقيعا، والصلاة على سيدنا ومولانا محمد رسوله الذي بوّأنا من السعادة جنابا مريعا، وبين له حدود أوامره ونواهيه فطوبى لمن كان مطيعا، وكان لنا في الدنيا هاديا ونجده في الآخرة شفيعا، والرضا عن آله وصحبه الذين كانوا على العداة قيظا وللعفاة ربيعا، فحلّوا من الاقتداء به فيما ساء وسرّ وأحلى وأمرّ مقاما رفيعا. وخفض عليهم مضاضة فقده، مثابرتهم على ضمّ شمل المسلمين من بعده، اقتداء بقوله سبحانه: واعتصموا بحبل الله جميعا. والدّعاء لمقامكم الأسمى بالنصر الذي يشكر منه الجياد والبيض الحداد صنيعا، وتشرح منه ألسن الأقلام تهذيبا وتقريعا، والصبر الذي زرافات الأجر قطيعا فقطيعا. فإنا كتبناه


صفحه 286

إليكم، كتب الله لكم من حظوظ الخير أوفرها عددا، وأقطعكم من خطط السّعد أبعدها مدا. وأتبعكم من كتائب العز أطولها يدا، وخوّلكم من بسطة الملك ما لا يبيد أبدا، وألهمكم من الصبر لما تقدّمونه فتجدونه غدا. من حمراء غرناطة، حرسها الله، وعندنا من الاعتداد في الله أسباب وثيقة، وأنساب صدق في بحبوحة الخلوص عريقة، ومن الثناء عليكم حدائق روض لا تحاكيها حديقة، ومن المساهمة لكم في شتّى الأحوال مقاصد لا تلتبس منها طريقة، ومن السّرور بما سناه الله لكم نعم بشكر الله عزّ وجلّ خليقة.
وإلى هذا، أيّدكم الله بنصره، وحكم لمقامكم بشدّ أزره، وإعلاء أمره، فإنّنا ورد علينا الخبر الذي قبض وبسط، وجار وأقسط، وبخس ووفى، وأمرض وشفى، وأضحى وظلّل، وتجهّم وتهلّل، وأمرّ وأحلى وأساء ثم أحسن، وبشّر بعد ما أحزن، خبر وفاة والدكم، محلّ أبينا، السلطان العظيم القدر، الكبير الخطر، قدّس الله طاهر تربته، وكرّم لحده، كما أحيا بكم معالم مجده. فيا له من سهم رمى أغراض القلوب فأثبتها، وطرق مجتمعات الآمال فشتّتها. ونعى إلى المجد إنسان عينه وعين إنسانه، وإلى الملك هيولى أركانه، وإلى الدين ترجمة ديوانه، وإلى الفضل عميد إيوانه.
حادث نبّه العيون من سنة غرورها، وذكّر النفوس بهم أمورها. وأشرق المحاجر بماء دموعها، وأضرم الجوانح بنار ولوعها. وبيّن أن سراب الآمال سراب، وأنّ الذي فوق التّراب تراب. فمن تأمل الدنيا وطباعها، والأيام وإسراعها، والحوادث وقراعها، بدا له الحقّ من المين، واستغنى عن الأثر بالعين. فشأنها أن لا تفترّ عن سهم تسدّده إلى غرض، وصحّة تعقبها بمرض، وجوهر ترميه بعرض. وداء للموت قديم، وقربه لا يبقي عليه أديم، وكأسه يشربها موسر وعديم. دبّت إلى كسرى الفرس عقاربه، فلم تمنعه أساورته ولا مرازبه. وقصر قيصر على حكمه فكدّرت مشاربه، وأتبر سيف بن ذي يزن عمدانه فلم ترعه مضاربه، وأردى تبّعا فلم يكن في أتباعه من يحاربه. لم تدافع عنهم الجنود المجنّدة، ولا الصّفاح المهنّدة، ولا الدّروع المحكمة، ولا النّياب المعلمة. ولا الجياد الجرد المسوّمة، ولا الرّماح المثقّفة المقومة. كلّ قدّم على ما قدّم. وجّد إلى ما أعدّ. جعلنا الله ممن يسّر لسفره زادا، وقدّم بين يديه رباطا شافعا لديه وجهادا. ووثّر لنفسه بمناصحة الله والمؤمنين في أعلى عليين مهادا، وطوّق المسلمين عدلا وفضلا وإمدادا. غير أن هذا الفاجىء الذي فجع، ومنع القلوب أن تقرّ والعين أن تهجع، غمرته البشرى، وغلبته المسرّة الكبرى، وعارضته من بقائكم الآية المحكمة الأخرى، فاضمحلّ من بعد الرّسوخ، وصار ليله في حكم المنسوخ.
ما كان من استخلاصكم الملك الذي أنتم أهله، واحتيازكم المجد الذي أشرق بكم


صفحه 287

محلّه. وكيف بسهم أخطأ ذاتكم الشريفة، أن يقال فيه: أصمى وأجهز، والأمل بعد بقائكم أن يقال فيه: تعذّر أو أعوز. إنما الآمال ببقائكم للملإ منوطة، وسعادة الإسلام بحياتكم المتّصلة مشروطة.
ومنها: فأي ترح يبقى بعد هذا الفرح، وأي كسل ينشأ بعد هذا المرح. إن أفل البدر، فقد تبلّج الفجر، أو غاض النّيل فقد فاض البحر. وإن مال فلك الملك فقد عاد إلى مداره، وإن أذنب الدّهر فقد أحسن ما شاء في اعتذاره. إنما هذا الخطب وهنّ أعقبه ضوء النهار، وسطعت بعده أشعة الأنوار، وصمصامة أغمدت وسلّ من بعدها ذو الفقار.
ومنها: وإنّنا لما ... «1» عن حقّه ورصدنا طالعه في أفقه قابلنا الواقع بالتّسليم، والمنحة الرّادفة بالشكر العظيم، وأنسنا في غمام الهدنة ربّ هذا الإقليم. وقلنا استقرّ الحق ووضحت الطرق، وهوى الرّائد وصدق البرق، وتقرّرت القاعدة وارتفع الفرق، واستبشر بإبلال المغرب أخوه الشّرق. وثابت آمال أولي الجهاد إلى اقتحام فرضة المجاز، وأولي الحج إلى مرافقه ركب الحجاز، وآن للدنيا أن تلبس الحلى العجيبة بعد الابتزاز. والحمد لله الذي زيّن بكم أفق الملك، وكيّف بسعدكم نظم ذلك السّلك. وهنّأ الله إيالتكم العباد والبلاد، والحجّ والجهاد. وصدّق الظنون الذي في مقامكم الذي جاز في المكارم الآماد. بادرنا، أيّدكم الله، من برّكم إلى غرضين، وقمنا من حقّ عزائكم وهنائكم بواجبين مفترضين وشرعنا ومن لدينا أن نباشر بالنفوس هذين القصدين. إلّا أننا عاقنا عن ذلك ما اتصل بنا من العدوّ الذي بلينا بجواره، ورمينا بمصابرة تيّاره، وإلّا فهذا الغرض قد كنّا لا نرى فيه بإجراء الاستنابة، ولا نحظى غيرنا بزيارة تلك المثابة. فليصل الفضل جلالكم، ويقبل العذر كمالكم. وإذا كان الاستخلاف مما تحتمله العبادة، ولا ينكره عند الضرورة العرف والعادة، فأحرى الأخوة والودادة، والفضل والمجادة. فتخيرنا جهدنا، واصطفينا لباب اللّباب فيمن عنادنا، فعينّا فلانا.
واتصلت أيامه إلى آخر مدته.
وبمدينة «2» تلمسان: عبد الرحمن بن موسى بن عثمان بن يغمراسن بن زيّان، يكنى أبا تاشفين. وقد تقدم «3» ذكره، وهو الذي انقضى ملك بني زيّان على يده «4» .


صفحه 288

تولّى الملك عام ثمانية عشر كما تقدم، وتهنّأه إلى أن تأكّدت الوحشة بينه وبين السلطان ملك المغرب، فتحرّك لمنازلته، وأخذ بكظمه «1» ، وحصره سنين ثلاثا، واقتحم عليه ملعب البلدة ليلة سبع وعشرين من رمضان عام سبعة «2» وثلاثين وسبعمائة. وفي غرّة شوال منها، دخل «3» البلد من أقطاره عنوة، ووقف هو وكبير ولده برحبة قصره، قد نزعا لام الحرب المانعة من عمل السلاح استعجالا للمنيّة ورغبة في الإجهاز، وقاما مقام الثّبات والصبر والاستجماع، إلى أن كوثرا وأثخنا، وعاجلتهما «4» منيّة العزّ قبل شدّ الوثاق، وإمكان الشّمات، واستولى على الملك «5» ملك المغرب. وفي ذلك قلت من الرّجز المسمى بقطع السلوك في الدول الإسلامية، مما يخص «6» ملوك تلمسان، ثم أميرها عبد الرحمن هذا «7» : [الرجز]
وحلّ فيها عابد الرحمن ... فاغترّ بالدنيا وبالزمان
وسار فيها مطلق العنان ... من مظهر سام إلى جنان
كم زخرفت «8» علياه من بنيان ... آثاره تنبي عن العيان
وصرف العزم إلى بجايه ... فعظمت في قومها النّكايه
حتى ما إذا مدّة الملك انقضت ... وأوجه الأيام عنهم أعرضت
وحقّ حقّ الدهر فيها ووجب ... وكتب الله عليها ما كتب
حثّ إليها السير ملك المغرب ... يا لك من ممارس مجرّب
فغلب القوم بغير عهد ... بعد حصار دائم وجهد
فأقفرت من ملكهم أوطانه ... سبحان من لا ينقضي سلطانه
ثم نشأت لهم بارقة، لم تكد تقد حتى خبت «9» ، عندما جرت على السلطان أبي الحسن الهزيمة بالقيروان؛ وانبتّ عن أرضه، وصرفت البيعة في الأقطار إلى ولده، وارتحل إلى طلب منصور ابن أخيه، المنتزي «10» بمدينة فاس، فدخلوا تلمسان، وقبضوا على القائم بأمرها، وقدّموا على أنفسهم عثمان بن يحيى بن عبد الرحمن بن يغمراسن، المتقدم الذكر في رسم عثمان، وذلك في الثامن والعشرين لجمادى الآخرة


صفحه 289

من عام تسعة وأربعين وسبعمائة. واستمرت أيامه أثناء الفتنة وارتاش، وأقام رسم الإمرة، وجدّد ملك قومه. واستمرت حاله إلى أن أوقع بهم ملك «1» المغرب، أمير المسلمين أبو عنان الوقيعة المصطلمة «2» التي خضدت الشوكة، واستأصلت الشّأفة.
وتحصّل عثمان في قبضته. ثم ألحقت النكبة به أخاه «3» ، فكانت سبيلهما في القتل صبرا عبرة، وذلك في وسط ربيع الأول من عام التاريخ.
وبتونس: الأمير أبو يحيى أبو بكر ابن الأمير أبي زكريا ابن الأمير أبي إسحاق ابن الأمير أبي زكريا «4» ، إلى أن هلك. وولي الأمر «5» ولده عمر، ثم ولده أحمد، ثم عاد الأمر إلى عمر. ثم استولى ملك المغرب السلطان أبو الحسن على ملكهم. ثم ضمّ نشرهم بعد نكبته وخروجه عن وطنهم على أبي إسحاق بن أبي بكر.
ومن ملوك النصارى بقشتالة: ألفنش «6» بن هرنده بن دون جانجه بن ألفنش المستولي على قرطبة، ابن هرنده المستولي على إشبيلية، إلى عدد جمّ. وكان «7» طاغية مرهوبا، وملكا مجدودا. هبّت له الريح، وعظمت به إلى المسلمين النكاية.
وتملّك الخضراء بعد أن أوقع بالمسلمين الوقيعة الكبرى «8» العظمى بطريف. ثم نازل جبل الفتح، وكاد يستولي «9» على هذه الجزيرة، لولا أن الله تداركها بجميل صنعه وخفيّ لطفه، لا إله إلّا هو. فهلك بظاهره في محلّته حتف أنفه ليلة عاشوراء من عام أحد وخمسين وسبعمائة، فتنفس المخنّق، وانجلت الغمّة، وانسدل السّتر. كنت منفردا بالسلطان، رحمه الله، وقد غلب اليأس، وتوقّعت الفضيحة، أؤنسه بعجائب الفرج بعد الشدة، وأقوي بصيرته في التماس لطف الله، وهو يرى الفرج بعيدا، ويتوقع من الأمر عظيما. وورد الخبر بمهلكه، فاستحالت الحال إلى ضدها من السّرور والاستبشار، والحمد لله على نعمه. وفي ذلك قلت «10» : [الطويل]
ألا حدّثاني «11» فهي أم الغرائب ... وما حاضر في وصفها مثل غائب