بعد الشبيبة كبرة ووراءها ... هوم «1» ومن بعد الحياة حمام
ولحكمة ما أشرقت شهب الدّجا ... وتعاقب الإصباح والإظلام
دنياك يا هذا محلّة نقلة ... ومناخ ركب ما لديه مقام
هذا أمير المسلمين ومن به ... وجد السّماح وأعدم الإعدام «2»
سرّ الإمامة «3» والخلافة يوسف ... غيث الملوك وليثها الضّرغام
قصدته عادية الزمان فأقصدت ... والعزّ سام والخميس لهام
فجعت به الدنيا وكدّر شربها ... وشكى العراق مصابه والشام
أسفا على الخلق الجميل كأنه «4» ... بدر الدّجنّة قد جلاه تمام
أسفا على العمر الجديد كأنه ... غضّ «5» الحديقة زهره بسّام
أسفا على الخلق الرّضيّ كأنها «6» ... زهر الرّياض همى عليه غمام
أسفا على الوجه الذي مهما «7» بدا ... طاشت لنور جماله الأفهام
يا ناصر الثّغر الغريب وأهله ... والأرض ترجف والسماء قتام
يا صاحب الصّدمات «8» في جنح الدجا ... والناس في فرش النعيم نيام
يا حافظ الحرم الذي بظلاله ... ستر الأرامل واكتسى الأيتام
مولاي، هل لك للقصور زيارة ... بعد انتزاح الدار أو إلمام؟
مولاي، هل لك للعبيد تذكّر؟ ... حاشاك أن تنسى «9» لديك ذمام
يا واحد الآحاد والعلم الذي ... خفقت بعزّة نصره «10» الأعلام
وافاك أمر الله حين تكاملت ... فيك النّهى والجود والإقدام
ورحلت عنّا الرّكب خير خليفة ... أثنى عليك الله والإسلام
نعم الطريق سلكت كان رفيقه ... والزّاد فيه تهجّد وصيام
وكسفت يا شمس المحاسن ضحوة ... فاليوم كيل «11» والضياء ظلام
وسقاك «1» عيد الفطر كأس شهادة ... فيها من الأجل الوحيّ «2» مدام
وختمت عمرك بالصلاة فحبّذا ... عمل كريم سعيه وختام «3»
مولاي، كم هذا الرقاد؟ إلى متى ... بين الصّفائح والتّراب تنام؟
أعد التحيّة واحتسبها قربة ... إن كان يمكنك الغداة كلام
تبكي عليك مصانع شيّدتها «4» ... بيض كما تبكي الهديل حمام
تبكي عليك مساجد عمّرتها ... فالناس فيها سجّد وقيام
تبكي عليك خلائق أمّنتها ... بالسّلم وهي كأنها أنعام
عاملت وجه الله فيما رمته ... منها فلم يبعد عليك مرام
لو كنت تفدى أو تجار «5» من الرّدى ... بذلت نفوس من لدنك كرام
لو كنت تمنع بالصّوارم والقنا ... ما كان ركنك بالغلاب يرام
لكنه أمر الإله وما لنا ... إلّا رضى بالحكم واستسلام
والله قد كتب الفنا على الورى ... وقضاؤه جفّت به الأقلام
نم في جوار الله مسرورا بما ... قدّمت يوم تزلزل الأقدام
واعلم بأن سليل ملك «6» قد غدا ... في مستقرّ علاك وهو إمام
ستر «7» تكنّف منه من خلّفته ... ظلّ ظليل فهو ليس يضام
كنت الحسام وصرت في غمد الثّرى ... ولنصر ملكك سلّ منه حسام
خلّفت أمّة أحمد لمحمد ... فقضت بسعد الأمّة الأحكام
فهو الخليفة للورى في عهده ... ترعى العهود وتوصل الأرحام
أبقى رسومك كلّها محفوظة ... لم ينتثر منها عليك نظام
العدل والشّيم الكريمة والتّقى ... والدّار والألقاب والخدّام
حسبي بأن أغشى «8» ضريحك لائما ... وأقول والدمع السّفوح سجام
يا مدفن التّقوى ويا مثوى الهدى ... منّي عليك تحية وسلام
أخفيت من حزني عليك وفي الحشا ... نار لها بين الضلوع ضرام
ولو انني أدّيت حقّك لم يكن ... لي بعد فقدك في الوجود مقام
وإذا الفتى أدّى الذي في وسعه ... وأتى بجهد ما عليه ملام
وكتبت في بعض المعاهد التي كان يأنس بها رحمة الله عليه «1»
: [السريع]
غبت فلا عين ولا مخبر ... ولا انتظار منك مرقوب
يا يوسف، أنت لنا يوسف ... وكلّنا في الحزن يعقوب
يوسف بن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة ابن نافع الفهري «2»
أوليته: كان عبد الرحمن أحد زعماء العرب بالأندلس، وكان ممن ثار منها من أصحاب بلج «3»
عصبيّة لقتله، فخرج عن الأندلس إلى إفريقية، وجدّه عقبة بن نافع، هو الذي اختطّ قيروانها أيام معاوية بن أبي سفيان. قال عيسى بن أحمد: وهرب ابنه يوسف هذا من إفريقية إلى الأندلس مغاضبا له، أيام بشر بن صفوان الكلبي، فهوى الأندلس واستوطنها، فساد بها ثم تأمّر فيها.
حاله: كان شريفا جليلا، حازما عاقلا، اجتمع عليه أهل الأندلس من أجل أنه قرشي، بعد موت أميرهم ثوابة بن سلامة، ورضي به الخيار من مضر واليمن، فدانت له الأندلس تسع سنين وتسعة أشهر، وكان آخر الأمراء «4»
بالأندلس، وعنه انتقل سلطانها إلى بني أمية. وأشرك الصّميل «5»
بن حاتم في أمره، فتركت لذلك نسبة الأمر له، وكانت الحرب التي لم يعرف بالمشرق والمغرب أشدّ جلادا ولا أصبر رجالا منها، واعتزلها يوسف تحرّفا، وقام بأمرها الصّميل، وانهزم اليمانيون واستلحموا ملحمة عظيمة، واستوسق الأمر ليوسف. وغزا جلّيقية فعظم في عدوّها
أثره. ولما تمّ له الأمر طرقه ما تقدم به الإلماع، من عبور صقر بني أمية عبد الرحمن الداخل في خبر طويل. والتقى بظاهر قرطبة سنة ثمان وثلاثين ومائة في ذي الحجة، وانهزم يوسف بن عبد الرحمن والصّميل، ولحقا بإلبيرة. وأتبعهما عبد الرحمن بن معاوية، فنازله، وقد تحصن بمعقل إلبيرة حصن غرناطة، وترددت بينهما الرّسل في طلب المهادنة والبقاء على الصلح. وتخلّى يوسف عن الدعوة، واستقرّ سكناه بقرطبة، وذلك في صفر سنة تسع وثلاثين ومائة، وأقبل معه في عسكره إلى قرطبة. وذكر أنه تمثّل عند دخوله عسكر عبد الرحمن ببيت جرور ابن ابنة النعمان «1»
: [الطويل]
فبتنا «2» نسوس الأمر «3»
والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف
فتبّا لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلّب ساعات بنا وتصرّف
واستقرّ بقرطبة دهرا، ثم بدا له في الخلاف. ولحق بأحواز طليطلة، وأعاد عهد الفتنة، فاغتاله مملوكان له، وقتلاه، رحمه الله، في سنة اثنتين وأربعين ومائة. وأخبار يوسف بن عبد الرحمن معروفة، وهو محسوب من الأمراء الأصلاء بغرناطة، إذ كانت له قبل الإمارة بها ضياع يتردّد إليها.
ومن غير الأصليين
يحيى بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد ابن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي عزفة اللخمي
الرئيس أبو زكريا وأبو عمرو ابن الرئيس أبي طالب ابن الرئيس أبي القاسم. كنّاه أبوه أبا عمرو، وغلبت عليه الكنية المعروفة.
حاله: كان قيّما على طريقة أصحاب الحديث، رواية وضبطا وتقييدا وتخريجا، مع براعة خط، وطرف ضبط، شاعرا مجيدا مطبوعا، ذا فكاهة وحسن مجالسة. رأس بسبتة، بعد إجازته البحر من الأندلس والاحتلال بفاس، نائبا عن ملك المغرب السلطان أبي سعيد بن عبد الحق، لأمر متّ به إليه قبل استقلاله، ليس هذا موضع ذكره. ثم استبدّ بها مخالفا عليه، لأمر يطول شرحه، أجرى فيه موفّى الجانب من الخلع، باسلا مقداما، سكون الطائر، مثقّفا بخلال رئاسته، ضاما لأطرافها. ونازله
جيش المغرب، وبيد أميره ولده أبو القاسم مرتهنا، فأتيح له ظفر أجلى ليلة غربيات المحلّة، والأثر فيها، واستخلاص ولده.
مشيخته: أخذ عن جماعة من أهل بلده وغيرهم، قراءة وسماعا وإجازة. فممن أخذ عنه من أهل بلده سبتة، أبو إسحاق الغافقي، وأبو عبد الله بن رشيد، وأبو الظفر المنورقي، وأبو القاسم البلفيقي، وأبو علي الحسن بن طاهر الحسيني، وأبو إسحاق التّلمساني، وأبو محمد عبد الله بن أبي القاسم الأنصاري، وأبو القاسم بن الشّاط.
وبغرناطة لما قدم عليها، مغرّبا عن وطنه، عند تصيّره إلى الإيالة النّصرية من أيديهم، وسكناه بها، عن أبي محمد عبد المنعم بن سماك، وأبي جعفر بن الزبير، وأبي محمد بن المؤذن، وأبي الحسن بن مستقور، وغيرهم. ومن أهل ألمرية أبو عبد الله محمد بن الصايغ، وأبو عبد الله بن شعيب. ومن أهل مالقة الولي أبو عبد الله بن الطّنجالي، وأبو محمد الباهلي، وأبو الحسن بن منظور، وأبو الحسن بن مصامد.
ومن أهل الخضراء، أبو جعفر بن خميس. ومن أهل بلّش أبو عبد الله بن الكماد.
ومن أهل أرجبة «1»
أبو زكريا البرشاني. ومن أهل بجاية أبو علي ناصر الدين المشدالي، وأبو عبد الله بن غربوز. ومن أهل فاس أبو عبد الله المومناني. ومن أهل تيزى أبو عبد الله محمد القيسي. وكتب له بالإجازة طائفة كبيرة من أهل المشرق، منهم قطب الدين القسطلاني.
شعره: قال لي شيخنا أبو البركات: سألته، وأنا معه واقف بسور قصبة سبتة، أن يجيزني ويكتب لي من شعره، فكتب لي قطيعات منها في تهنئة السلطان أبي الجيوش يوم ولايته: [الكامل]
الآن عاد إلى الإمامة نورها ... وارتاح منبرها وهشّ سريرها
وبدا لنا من بعد طول قطوبها ... منها التهلّل واستبان سرورها
وضعت أزمّتها بكفّ خليفة ... هو أصلها الأولى بها ونصيرها
من معشر عرفت بطون أكفّهم ... بذل النّدى واللّاثمين ظهورها
خرصانهم ووجوههم في ظلمة ال ... نّقع المثار نجومها وبدورها
وسع الرعايا منه عدله ... لم يزل إليه قلوبهم ويصورها «2»
حتى اغتدت بالحب فيه صدورها ... ملأى وأخلص في الولاء ضميرها
رام العداة لمجده كيدا فلم ... تنجح مساعتها وساء مصيرها
وكذاك فعل الله فيمن كاده ... جهلا وغرّته المنى وغرورها
مولاي، إنّا عصبة معروفة ... بالحبّ فيك صغيرها وكبيرها
جئنا نقضّي من حقوقك واجبا ... نسدي المدائح «1» تارة ونبيرها
ولقد خدمت مقامكم من قبلها ... بفرائد حسنا يعزّ نظيرها
فاجذب بضبعي من حضيض مزارتي ... من «2» عرّست وعلى يديك مسيرها
وافتكّني من أسر فرط خصاصة ... عنفت فلم يقصد سواك أسيرها
لا زلت للإسلام تحمي أمّة ... دانته مما يتّقي ويجيرها
وبقيت في عزّ وسعد شامل ... حتى يحين من الرفات نشورها
وفي الإلغاز بالأقلام والمحبرة: [الوافر]
وسرب ضمّهم دست ستير ... شباب ليس يفزعهم قتير
قد اختصروا فلم يفرش سآد ... لمجلسهم ولم ينصب سرير
لهم كأس إذا دارت عليهم ... فقد أزف التّرحّل والمسير
وأفشوا سرّ ساقيهم «3» بلفظ ... مبين ليس يفهمه البصير
وهزّت من رؤوسهم نشاطا ... وعند الصّحو يعروهم فتور
فصاح إن تحلّلهم وإلّا ... فشأنهم التّلعثم والقصور
صلاب حين تعجمهم ولكن ... إذا طعنوا فدمعهم غزير
لهم عقل يلوم على القوافي ... لذلك «4» نومهم أبدا كثير
طويلهم يطول العمر منه ... أخا نعب ويخترم القصير
وهم لم يشف يوما «5» ... بغير القطع عضوهم الكبير
فقل لي: من هم، لا زلت فردا ... دياجي المشكلات به تسير
نكبته: تنظر في العبادلة في اسم أبيه «6» .
مولده: سنة سبع وسبعين وستمائة.
وفاته: عام تسعة عشر وسبعمائة، في شعبان، رحمه الله.
يحيى بن علي بن غانية الصحراوي، الأمير أبو زكريا «1»
حاله: كان بطلا شهما حازما، كثير الدهاء والإقدام، والمعرفة بالحروب، مجمعا على تقدمه. نشأ في صحبة الأمير بقرطبة محمد ابن الحاج اللّمتوني وولّاه مدينة إستجة، فهي أول ولايته. وليها يحيى، وتزوج محمد بن الحاج أمّه غانية بعد أبيه وكفله، وأقام معه بقرطبة، إلى أن كان من محمد ابن الحاج ما كان من مداخلة أشياخ مسّوفة على خلع محمد بن يوسف بن تاشفين عن الأمر، وصرف البيعة إلى يحيى الحفيد، الوالي في ذلك العهد بمدينة فاس، ولم يتمّ له الأمر، فأجلي عن نكبته. وانفصل يحيى بن غانية عن جماعته، وأقام متصرّفا في الحروب، معروف الحق والغناء، إلى أن اشتهرت بسالته وديانته، ورغب يديّر بن ورقا، صاحب بلنسية، من السلطان في توجيهه إليه، ليستعين به على مدافعة العدوّ، فأجيب إلى ذلك.
فوصل يحيى بلنسية، وأقام بها ذابّا عن المسلمين، إلى أن توفي يدّير بن ورقا، فولّاه علي بن يوسف إياها وشرق الأندلس، فظهر غناؤه وجهاده، وهزم الله بها ابن رذمير الطّاغية منازلا إفراغة على يده، فطار ذكره، وعظم صيته، واشتهر سعده، وأسل عن البيضة دفاعه.
أخبار عزمه: حكي عنه أنه تزوج في فتوّته امرأة من قومه شريفة جميلة، وقرّ بها عينا، ثم تركها وطلّقها، فسئل عن ذلك، فقال: والله ما فارقتها عن خلّة تذمّ، ولكن خفت أن أشتغل بها عن الجهاد. ولم يزل يدافع النصارى عن المسلمين بالأندلس، فهزم ابن رذمير، وأقلع محلاتهم عن مدينة الأشبونة، واستمسك به حال الأندلس. وولّي قرطبة وما إليها من قبل تاشفين بن علي بن يوسف، عام ثمانية وثلاثين وخمسمائة، فاستقامت الأمور بحسن سيرته، وظهور سعده، إلى صفر من عام تسعة وثلاثين. وكانت ثورة ابن قسي باكورة الفتنة. ولما خرج إلى لبلة، ثار ابن حمدين بقرطبة دار ملكه في رمضان من العام، واستباح قصره، وانطلقت الأيدي على قومه، وتمّ له الأمر. وبلغ يحيى الخبر، فرجع أدراجه إلى إشبيلية، فثار به أهلها، وناصبوه الحرب وأصابوه بجراحة، فلجأ إلى حصن مرجانة، فأقام به يصابر الهول، ويرقّع القنن. ثم تحرّك إليه جيش ابن حمدين، وكانت بينهما وقيعة انهزم فيها ابن حمدين، واستولى ابن غانية على قرطبة، في شعبان من عام أربعين، وتحصّن ابن حمدين بأندوجر ممتنعا بها. ونهض يحيى إلى منازلته، فاستعان ابن حمدين بملك
قشتالة، وأطمعه في قرطبة، فتحرّك إلى نصرته. ولما وصل أندوجر، أعذر يحيى في الدفاع والمصابرة، ثم انصرف بالجيش إلى قرطبة، وأخذ العدوّ في آثارهم، صحبة مستغيثه ابن حمدين. فنازل قرطبة، وامتنع ابن غانية بالقصر ومائليه من المدينة.
وأدخل ابن حمدين النصارى قرطبة في عاشر ذي الحجة من عام أربعين، فاستباحوا المسجد، وأخذوا ما كان به من النواقيس «1»
، ومزقوا مصاحفه، ومنها زعموا مصحف عثمان، وأنزلوا المنار من الصّومعة، وكان كله فضّة، وحرقت الأسواق، وأفسدت المدينة، وظهر من صبر ابن غانية، وشدّة بأسه، وصدق دفاعه، ما أيأس منه. وكان من قدر الله، أن بلغ طاغية الروم يوم دخولهم قرطبة، اجتياز الموحّدين إلى الأندلس، فأجال طاغيتهم قداح الرأي، فاقتضى أن يهادن ابن غانية، ويتركه بقرطبة في نحر عدوّه من الموحدين، سدّا بينهم وبين بلاده. فعقدت الشروط، ونزل إليه ابن غانية فعاقده، واستحضر له أهل قرطبة، وقال لهم: أنا قد فعلت معكم من الخير، ما لم يفعله من قبلي، غلبتكم في بلدكم وتركتكم رعيّة لي، وقد ولّيت عليكم يحيى بن غانية، فاسمعوا له وأطيعوا. قال المؤرخ: وفخر الطاغية في ذلك اليوم بقومه، وقال:
ولا يريبنكم أن تكونوا تحت يدي ونظري، فعندي كتاب نبيكم إلى جدّي. حدّث ابن أم العماد أبو الحسن، قال: حضرت، وأحضر حقّ من ذهب، فتح وأخرج منه كتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى قيصر ملك الروم، وهو جدّه بزعمه. والكتاب بخط علي بن أبي طالب. قال أبو الحسن: قرأته من أوله إلى آخره، كما جاء في حديث البخاري.
وانصرف إلى بلاده، وانصرف ابن حمدين، فكان هلاكه بمالقة، بعد اضطراب كثير.
واستقرّ ابن غانية بقرطبة الغادر به أهلها، فشرع في بنيان القصبة وسدّ عورتها، وسام أهلها الخسف وسوء العذاب، ووالى إغرامهم، واستعجل أمرهم، واتصل سلمه مع العدو إلى تمام أحد وأربعين وخمسمائة، وقد تملك الموحدون إشبيلية وما إليها.
وضيّق عليه النصارى في طلب الإتاوة، واشتطّوا عليه في طلب ما بيده، ونزل طاغيتهم أندوجر وبه رجل يعرف بالعربي، واستدعى ابن غانية، فلمّا تحصّل بمحلّته، طلبه بالتخلّي عن بيّاسة وأبّدة، فكان ذلك. وتشاغل الموحدون بأمر ثائر نازعهم بالمغرب، فكلب العدو على الأندلس، فنازل الأشبونة وشنترين، وألمرية وطرطوشة ولا ردة وإفراغة، وطمع في استئصال بلاد الإسلام، فداخل ابن غانية سرّا من بإشبيلية من الموحّدين، ووصله كتاب خليفتهم بما أحبّ، وتحرك الطاغية في جيوش لا ترام.
وطالب ابن غانية بالخروج عن جيّان وتسليمها إليه، وكاده، حسبما تقدم في اسم