بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 313

فارتكب لها الأداهم مدّة، جمّاعة للمال، ذائدا عنه بعصا التّقتير، وربما غمس فيه إبرة للصدقة وساما بينه وبين الوزير، مكفي السماء على الأرض برأيه المستعين على الفتكة وما وراءها، بمنيع موالاتهم، وبانيه يوم مكاشفة الملإ إياه بالنّفرة، وكان قطب الرّحى للقوم في الوجهة إلى الأمير عبد الحليم، ومقيم رسمه. وانصرف إلى جهة مرّاكش عند الهزيمة عليه، فاتّصل بعميدها عامر بن محمد بن علي الهنتاتي، وجرت عليه خطوب، وعاثت في الكثير من نعمته أكفّ التّمزيق، ديدن الدهر، في الأموال المحتجنة، والنقود المكتنزة، واستقرّ أخيرا بسجلماسة، في مظاهرة الأمير عبد الحليم المذكور، وبها هلك. وكان على إزرائه ولسب لسانه، واخز تلال حيّة حدّته، ناصح الرأي لمن استنصحه، قوّاما فيه بالقسط، ولو على نفسه والوالدين والأقربين، فضيلة عرف فيها شأوه، مقيما لكثير من الرّسوم الحسبية.
دخوله غرناطة: قدم غرناطة في جمادى من عام تسعة وخمسين وسبعمائة في غرض الرّسالة، ووصل صحبته قاضي الجماعة بالمغرب أبو عبد الله المقري، وكان من امتساكه بالأندلس، ما أوجب عودة المترجم به في شأنه، فتعدد الاستمتاع بنبله.
وفاته: توفي قتيلا في الهزيمة على الأمير عبد الحليم بظاهر سجلماسة في ربيع الأول من عام أربعة وستين وسبعمائة.
يحيى بن طلحة بن محلّى البطوي، الوزير أبو زكريا
حاله: كان مجموعا رائعا، حسن شكل وجمال رواء، ونصاعة ظرف، واستجادة مركب وبزّة، قديم الجاه، مرعى الوسيلة، دربا على الخدمة، جلدا على الوقوف والملازمة، مجدي الجاه، تلمّ به نوبة تواضع، يتشبّث به الفقراء وأولي الكدية، فكه المجلس، محبّا في الأدب، ألفا للظرفاء، عاملا على حسن الذّكر وطيب الأحدوثة. تولّى الوزارة للسلطان أبي الحسن، ونشأ في حجر أبيه، ماتّا إليهم بالخؤولة القديمة، فتملّأ ما شاء من قرب ومزيّة، وباشر حصار الجبل لمّا نازله الطاغية؛ لقرب عهد بفتحه، فأبلى وحسن أثره. نشأ بالأندلس، وسكن وادي آش وغرناطة، واستحقّ الذكر لذلك.
شعره: وكان ينظم الشعر، فمن ذلك قوله في مزدوجة في غرض الفخر:
[الرجز]
أنا ابن طلحة ولا أبالي ... ليث السّرى في الحرب والنزال
يحيى حياة البيض والعوالي ... مبيد كلّ بطل مغتال


صفحه 314

إن سمعوا باسمي في مجال ... يلقوا بأيديهم إلى النّكال
أستنزل القرن لدى الصّيال ... وأكسر النّصل على النّصال
من أملي التفريق للأموال ... والجمع بين الأقوال والفعال
والشّعر إن تسمعه من مقال ... تعلم بأن السّحر في أقوال
أوشج الغريب فالأمثال ... وأقرن الأشباه بالأمثال
وأفضلّ المرجان باللّآل ... وأذكر الأيام واللّيال
فمن أبو أمية الهلال ... ومن وحيد عصره الميكال
هذا ولي في غير ذا معال ... بها أعالي الدّهر من أعال
كما لحسب الصّميم والمعال ... والمحتد الضّخم الحفيل الحال
وكرم الأعمام والأخوال ... والصّون والعفاف والأفضال
فمن يساجلني فذا سجال ... ومن يناضلني فذا نضال
وفاته: توفي في أواخر عام خمسة وثلاثين وسبعمائة؛ أصابه سهم نفط رمي به من سور تلمسان أيام الحصار، فقضى عليه، نفعه الله.
يحيى بن عبد الرحمن بن إبراهيم ابن الحكيم اللخمي
أخو الوزير أبي عبد الله بن الحكيم وكبيره، يكنى أبا بكر، رندي الأصل. قد مرّ شيء من ذكر أوّليته. دخل غرناطة مرات، وافدا وزائرا، وساكنا ومغرّبا.
حاله: كان وزيرا جليلا، وقورا عفيفا، سريّا فاضلا، رحب الجانب، كثير الأمل، جمّ المعروف، شهير المحل، عريض الجاه، صريح الطّعمة، من أقطاب أرباب النعم، ومنتجعي الفلاحة بالأندلس. استبدّ ببلده برهة، بإسناد ذلك إليه وإلى أخيه، من السلطان أمير المسلمين أبي يعقوب ملك المغرب، الصائر إليه أمره عند نبذها مغاضبا، ثم أصاره إلى إيالة السلطان، ثاني الملوك من بني نصر، على يدي أخيه كاتبه ووزير ولده.
محنته ووفاته: ولمّا تقلّد أخوه ذو الوزارتين أبو عبد الله بن الحكيم الأمر، سما جاهه، وعظم قدره، وتعدّد أمله، إلى أن تعدّى إليه أمر المحنة يوم الفتك بأخيه، فطاح في سبيله نشبه، وذهب في حادثه الشنيع مكسبه. واستقرّ مغرّبا بمدينة فاس، تحت ستر وجراية، وبها أدركته وفاته في أوائل شوال من عام عشرة وسبعمائة.


صفحه 315

يحيى بن عمر بن رحّو بن عبد الله بن عبد الحق
جدّ الملوك من بني مرين، يكنى أبا زكريا، شيخ الغزاة، ورئيس جميع القبائل بالأندلس.
أوليته: قد تقدمت الإشارة إلى أوّلية هذا البيت، ونحن نلمع بسبب انتباذهم عن قومهم، وهو ما كان من قتل أخي جدّهم، يعقوب بن عبد الله بن عبد الحق، ابن أخي السلطان أبي يوسف، إذ كان ثائرا مصعبا، مظنّة للملك، ومحلّا للآمال، فنافسه وليّ العهد وأوقع به، فوقع بينهم الشّتات، وفرّ شيوخ هذا البيت وأتباعهم إلى تلمسان، ثم اجتازوا إلى الأندلس، منهم من آثر الجهاد، أو نبا به ذلك الوطن، أو شرّده الخوف، أو أحطب به الاستدعاء. فمنهم موسى وعمران والعباس، أبناء رحّو بن عبد الله، وعثمان بن إدريس، وغيرهم، فبدت فيهم الشياخة، وصحبهم التّقديم، وأقامت فيهم الخطّة، وتردّدت بينهم الولاية.
حاله: هذا الشيخ مستحقّ الرّتبة، أهل لهذه الرئاسة، بأسا ونجدة، وعتقا وأصالة، ودهاء ومعرفة، طرف في الإدراك، عامل على الحظوة، مستديم للنعم، طيّب بالخدمة، كثير المزاولة والحنكة، شديد التّيقظ، عظيم الملاحظة، مستغرق الفكرة في ترتيب الأمور الدنيوية، بحّاث عن الأخبار، ملتمس للعيون، حسن الجوار، مبذول النّصفة، بقية بيته بالعدوتين وشيخ رجاله. له الإمامة والتّبريز في معرفة لسانهم، وما يتعلّق به من شعر ومثل وحكمة وخبر، لو عرضت عليه رمم من عبر مهم لأثبتها، فضلا عن غير ذلك، نسّابة بطونهم وشعابهم، وعلّامة سيرهم، وعوائدهم، ألمعيّ، ذكي، حافظ للكثير من الحكم والتواريخ، محفوظ الشّيبة من العصمة، طاهر الصون والعفّة، مشهور الشّهامة والنّجدة، معتدل السّخاء، يضع الهناء مواضع النّصب فلا يخدع عن جدته، ولا يطمع في غفلته، ولا ينازع فيما استحقّه من مزيّته، خدم الملوك، وخبر السّير، فترك الأخبار لعلمه، وعضل عقله بتجربته.
تولّى رئاسة القبيل وسط صفر من عام سبعة وعشرين وسبعمائة، معوّضا به عن شيخ الغزاة عثمان بن أبي العلاء، فتنعّم البيت، وخدن الشّهرة، عندما أظلم ما بينه وبين ابن المحروق مدبّر الدولة، ودافعه بالجيش في ملقى حرانه، من أحواز حصن أندرش مرات، تناصف الحرب فيها، وربما ندر الفلج في بعضها، واستمرّت حاله إلى سابع محرم من عام تسعة وعشرين وسبعمائة، وأعيد عثمان بن أبي العلاء إلى رتبته على تفئة مهلك ابن المحروق، وانتقل هو إلى مكانه بوادي آش في قومه،


صفحه 316

تحت حفظ ومبرّة. ثم دالت له الدولة، وعادت إلى ولده الكرة، يوم القبض على نظرائه وقرابته، مترفي حظوته، ولد الشيخ أبي سعيد عثمان بن أبي العلاء، عند إيقاع الفتكة بهم يوم السبت التاسع والعشرين لربيع الأول عام أحد وأربعين وسبعمائة. واستمرّت له الولاية، وألقت عصاها كلفة منه بالكفؤ الذي سلّم له المنازع، إلى أن قبض سلطانه، رحمه الله، فجرى ولده على وتيرة أبيه، ووفّى له صاع وفائه، فجدّد ولايته، وشدا حسّه، ونوّه رتبته، وصدر له يوم بيعته منشور كريم من إنشائي نصّه:
«هذا ظهير كريم منزلته في الظهائر الكريمة منزلة المعتمد في الظّهر الكرام، أطلع وجه التعظيم سافر القسام، وعقد راية العزّ السامي الأعلام، وجدّد كريم المتات وقديم الذّمام، وانتضى للدفاع عن حوزة الدين حساما يقرّ بمضائه صدر الحسام، فأعلن تجديده بشدّ أزر الملك ومناصحة الإسلام، وأعرب عن الاعتناء الذي لا تخلق جديده أيدي الليالي والأيام. أمر به الأمير عبد الله محمد ابن أمير المسلمين أبي الحجّاج، ابن أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر، أيّد الله أمره وأعزّ نصره، لوليّه الذي هو عماد سلطانه، وواحد خلصائه، وسيف جهاده، ورأس أولي الدفاع عن بلاده، وعقد ملكه، ووسطى سلكه، الشيخ الجليل الكبير الشهير، الأعزّ الأسنى، الصدر الأسمى، الأحفل، الأسعد، الأطهر، الأظهر، الكذا، أبي زكريا ابن الشيخ الكذا، أبي علي ابن الشيخ الكذا، أبي زيد رحّو بن عبد الله بن عبد الحق، زاد الله قدره علوّا، ومجده سموّا، وجهاده ثناء متلوّا.
لمّا كان محلّه من مقامه، المحل الذي تتقاصر عنه أبصار الأطماع فترتدّ حاسرة، وكان للدولة يدا باطشة، ومقلة باصرة، فهو ملاك أمورها واردة أو صادرة، وسيف جهادها الذي أصبحت بمضائه ظافرة، وعلى أعدائها ظاهرة، وكان له الصّيت البعيد، والذكر الحميد، والرأي السديد، والحسب الذي يليق به التمجيد، والقدر الذي سما منه الجيد، وعرفه القريب والبعيد، والجهاد الذي صدق به في قواعده الاجتهاد والتّقليد، فإن أقام جيشا أبعد غارته، وإن دبّر أمرا أحكم إدارته، مستظهرا بالجلال الذي لبس شارته. فهو واحد الزمان، والعدّة الرفيعة من عدد الإيمان، ومن له بذاته وسلفه علو الشّان، وسمو المكان، والحسب الوثيق البنيان، ولبيته الكريم بيت بني رحّو السّابقة في ولاية هذه الأوطان، والمدافعة عن حوزة الملك وحمى السلطان. إن فوخروا صدعوا بالمكارم المعلومة، ومتّوا إلى ملك المغرب ببنوة العمومة، وتزيّنوا من حلى الغرب بالتيجان المنظومة. فهم سيوف الدين، وأبطال الميادين، وأسود العرين، ونجوم سماء بني مرين. وكان سلفه الكريم، رضي الله


صفحه 317

عنه، يستضيء من رأيه بالشّهاب الثاقب، ويحلّه من بساط تقريبه أعلى المراتب، ويستوضح ببركته جميع المذاهب، ويستظهر بصدق دفاعه على جهاد العدوّ الكاذب، ويرى أنه عزّ دولته، وسيف صولته، وذخيرة فخره، وسياج أمره. جدّد له هذا الرّتب تجديدا صيّر الغاية منها ابتداء، واستأنف به إعلاء، ولم يدّخر عنه حظوة ولا اعتناء.
وحين صيّر الله إليه ملك المولى أبيه بمظاهرته، وقلّده قلادة الملك بأصيل اجتهاده، وحميد سعيه، بعد أن سبق الألوف إلى الأخذ بثاره، وعاجلت البطشة الكبرى يد ابتداره، وأردى بنفسه الشّقي الذي سعى في تبديد شمل الإسلام وإطفاء أنواره، على تعدّد الملك يومئذ وتوفر أنصاره، فاستقرّ الملك في قراره، وانسحب السّتر على محلّه وامتدّ ظل الحفظ على داره، عرف وسيلة من المقام الذي قامه، والوفاء الذي رفع أعلامه، وألقى إليه في أهم الأمور بالمقاليد، وألزمه ملازمة الحضور بمجلسه السّعيد، وشديد الاغتباط على قربه مستنجحا منه بالرأي السّديد، ومستندا من ودّه إلى الركن الشّديد، وأقامه بهذه الجزيرة الأندلسية عماد قومه فهو فيهم يعسوب الكتيبة ووسطى العقد الفريد، وفذلكة الحساب وبيت القصيد، فدوّاره منهم للشريد، مأوى الطّارف والتليد، الكفيل بالحسنى والمزيد. يقف ببابه أمراؤهم، وتنعقد في مجلسه آراؤهم، ويركض خلفه كبراؤهم، مجدّدا من ذلك ما عقده سلفه من تقديمه، وأوجبه مزيّة حديثه وقديمه. فهو شيخ الغزاة على اختلاف قبائلهم، وتشعّب وسائلهم، تتفاضل درجات القبول عليهم بتعريفه، وتشرف أقدارهم لديه بتشريفه، وتثبت واجباتهم بتقديره، وينالهم المزيد بتحقيقه للغناء منهم وتقريره، فهو بعده، أيّده الله، قبلة آمالهم، وميزان أعمالهم، والأفق الذي يصوب من سحاب قطره غمام نوالهم، واليد التي تستمنح عادة أطمعتهم وأموالهم. فليتولّ ذلك عظيم القدر، منشرح الصدر، حالّا من دائرة جمعهم محلّ القلب من الصدر، متألّقا في هالتها تألّق البدر، صادعا بينهم باللّغات الزّناتية التي تدل على الأصالة العريقة والنّجار الحرّ. وهو إن شاء الله الحسام الذي لا ينبه على الضريبة، ولا يزيده حسنا جلب الحليّ العجيبة، حتى يشكر الله والمسلمون اغتباط مقامه بمثله، ويزري برّه به على من أسرّ برّه من قبله، ويجني الملك ثمرة تقريبه من محلّه. ومن وقف على الظهير الكريم من الغزاة آساد الكفاح، ومتقلدي السيوف ومعتلقي الرماح، كماة الهيجاء وحماة البطاح، حيث كانوا من موسطة أو ثغر، ومن أقيم في رسم من الجهاد أو أمر، أن يعلموا قدر هذه الغاية المشرقة، واليد المطلقة، والحظوة المتألّقه، فتكون أيديهم فيما قلّدوه ردّا ليده، وعزائمهم متوجّهة إلى مقصده، فقصده، فقدره فوق الأقدار، وأمره الذي ناب أمره مقابل الابتدار، على توالي الأيام وتعاقب الأعصار. وكتب في كذا ...


صفحه 318

مولده: ولد بظاهر تلمسان، عند لحاق أبيه، رحمه الله، بسلطانها عام أحد وتسعين وستمائة، تلقّيته من لفظه.
ومن «المستدرك» : وتمادت ولايته إلى الأوائل من شهر رمضان عام اثنين وستين وسبعمائة، فلمّا تصيّرت إلى قدار ناقتها، محمد بن إسماعيل بن نصر، عزله، وهمّ به، فغرّبه إلى بلد الروم، فرارا أرّق به البسالة والصبر، وتبعه الجيش، فأصيب بجراحة، ورد من صامته، وجلى عن نفسه، فتخلصه عزمه ومضاؤه، واستقرّ عند طاغية الروم، فأولاه من الجميل ما يفوت الوصف، واجتاز العدوة، فعرف بها حقّه، وعادت رتبة هذا الرجل، بعد أن ردّ الله على سلطانها ملكه، إلى أحسن أحوالها من الجاه والحظوة، وانطلاق اليد. والسلطان مع ذلك منطو له على الضّغن لأمور؛ منها غمس اليد في أمر عمّه، وقعوده عنه، وهو أحوج ما كان لنصره، وانزحاله عنه في الشّدة، عندما جمعه المنزل الخشن، فسحب عليه أذيال النكبة لابنه عثمان، مترفى مرقب الظهور في عودته، والمستأثر بجواره، والمحكّم في أمره، فتقبّض عليهما، وعلى من لهما، مخالفا للوقت فيهما، إذ كان متوافرا على الحلم لحدثان العودة، وجدة الإيالة، صبيحة يوم الاثنين لثالث عشر لرمضان عام أربعة وستين وسبعمائة، فأحاط بهم الرجال لهذا السلطان، والتقطوا من بين قبيلهم، ودهمهم الرجال، آخذين بحجزهم وأيديهم إلى دور الثقاف. ثم أركبوا الأداهم، وانتقلوا إلى بعض الأطباق المتفرّقة بقصبة المنكّب، واقتضى نظر السلطان جلأ المترجم به وأولاده من مرسى المنكّب، ونقل ولده الأكبر إلى ألمريّة حسبما مرّ في اسمه، فلينظر هنالك. واستقرّ إلى هذا العهد، بعد قفوله من الحجّ بمدينة فاس، فلقي بها برّا وعناية، ولحق ولداه بالأندلس، وهما بها، تحت جراية وولاية.
يوسف بن هلال «1»
صهر الأمير أبي عبد الله بن سعد «2» .
حاله: كان «3» شجاعا حازما، أحظاه الأمير المذكور وصاهره، وجعل لنظره حصن مطرنيش «4» ومواضع كثيرة. وفسدت طاعته إياه، فقبض عليه ونكبه وعذّبه،


صفحه 319

واستخلص ما كان لنظره وتركه. فأعمل الحيلة، ولحق بمورتلّة فثار بها، وعاقد صاحب برجلونة «1» على تصيير ما يملكه إليه. فأعانه بجيش «2» من النصارى، ولم يزل يضرب ويوالي الضّرب على بلنسية ويشجي أهلها، وتملّك الصّخرة والصّخيرة وغيرهما. واتفق أنّ خيلا جهّزها ابن سعد للضرب عليه، عثرت بجملته متوجها إلى شنت بيطر «3» ، فقبض عليه، وقيّد أسيرا، فنهض به للحين إلى مورتلّة وطلبه بإخلائها، فأبى، فأمر ابن مردنيش بإخراج عينه اليمنى، فأخرجت بعود. ثم قرّب من الحصن «4» وطلبه بإخلائها، فدعا بزوجه وطلبها بإخلاء الحصن، وإلّا فتخرج عينه الأخرى، فحمل على التكذيب، ولم يجبه أحد، فأخرجت للحين عينه الأخرى، وسيق إلى شاطبة، فبقي «5»
إلى أن مات سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ودخل غرناطة، وباشر منازلتها مع الأمير صهره، فاستحق الذكر لذلك.
ومن القضاة الأصليين وغيرهم
يحيى بن عبد الله بن يحيى بن كثير بن وسلاسن ابن سمال بن مهايا المصمودي
أوليته وحاله: دخل أبو عيسى يحيى بن كثير «6» الأندلس مع طارق بن زياد، وقيل له اللّيثي؛ لأنه أسلم على يد رجل اسمه يزيد بن عامر الليثي، فنسب إليه، وقيل: إنهم نزلوا بنزل اللّيث، فنسبوا إليه. يكنى يحيى هذا «7» ، أبا عيسى، وكان جليل القدر، عالي الدرجة في القضاء، ولّي قضاء إلبيرة وبجّانة مدة، وولي قضاء جيّان وطليطلة، ثم عزل عن طليطلة، وأضيفت إليه كورة إلبيرة مع جيّان. ثم استعفى عن جيّان وبقي يلي قضاء إلبيرة، وكان لا يرى القنوت في الصلاة، ولا يقنت في مسجده البتّة.
مشيخته: روى عن أبي الحسن النحاس، وسمع الموطأ من حديث اللّيث وغيره من عمّ أبيه عبيد الله بن يحيى.
مولده: في ذي القعدة سنة سبع وثمانين ومائتين.


صفحه 320

وفاته: توفي ليلة الثلاثاء بعد صلاة العشاء، ودفن يوم الثلاثاء بعد العصر، لثمان خلت من رجب عام سبعة وستين وثلاثمائة.
يحيى بن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع الأشعري «1»
يكنى أبا عامر.
حاله: العالم الجليل، المحدّث الحافظ، واحد عصره، وفريد دهره، كان، رحمه الله، علما من أعلام الأندلس، ناصرا لأهل السنة، رادعا لأهل الأهواء، متكلّما دقيق النظر، سديد البحث، سهل المناظرة، شديد التّواضع، كثير الإنصاف، مع هيبة ووقار وسكينة. ولّي قضاء الجماعة بقرطبة ثم بغرناطة «2» ، وأقرأ بغرناطة لأكابر علمائها ونبهائها الحديث والأصلين وغير ذلك، بالمسجد الجامع منها وبغيره.
مشيخته: حدّث «3» عن والده العالم المحدّث أبي الحسن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع، وعن الشيخ الأستاذ الخطيب أبي جعفر أحمد بن يحيى الحميري، وعن الراوية المحدّث أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال، وعن الحافظ المسن أبي بكر بن محمد بن عبد الله بن يحيى بن الجدّ الفهري، والقاضي أبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون، والزاهد الورع أبي الحجاج يوسف بن محمد البلوي المالقي، عرف بابن الشيخ، وأبي زكريا يحيى بن عبد الرحمن بن عبد المنعم الأصبهاني الواعظ، والفقيه القاضي أبي محمد عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي.
وفاته: بمالقة سنة سبع وثلاثين وستمائة «4» .
يحيى بن عبد الله بن يحيى بن زكريا الأنصاري
أوليته: تقدمت في اسم عمّه أبي إسحاق، فلينظر هنالك.
حاله: من أهل العدالة والزّكاء والسّلف في الخطط الشرعية، سكون، متفنّن في العلوم الشرعية من فقه وأحكام، وله التقدم في الوقت في علم الفرائض والحساب.
حبس على الزاوية التي اتّخذتها بالحضرة موضوعات في ذلك الغرض نبيهة، لم يقصر