بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 328

وكذا ذراع الشّاة قد نطقت له ... نطق اللسان فصيحه وذليقه
ورمى عداه بكفّ حصبا «1» فانثنت ... هربا كمذعور الجنان فروقه «2»
وعليه آيات الكتاب تنزّلت ... تتلى بعلو جلاله وبسوقه
فأذيق «3» من كأس المحبّة صرفها ... سبحان ساقيه بها ومذيقه
حاز السّناء وناله بعروجه ... جاز السماء طباقها بخروقه
ولكم له من آية من ربّه ... ورعاية «4» وعناية بحقوقه
يا خيرة الأرسال عند إلهه ... يا محرز العليا على مخلوقه
علّقت آمالي بجاهك عدّة ... والقصد ليس يخيب في تعليقه
ووثقت «5» من حبل اعتمادي عمدة ... لتمسّكي بقويّه ووثيقه
ولئن غدوت أخيذ ذنبي إنني ... أرجو بقصدك أن أرى كطليقه
وكساد سوقي مذ لجأت لبابكم «6» ... يقضي حصول نفوذه ونفوقه
ويحنّ قلبي وهو في تغريبه ... لمزاره لرباك «7» في تشريقه
وتزيد لوعته متى حثّ السّرى ... حاد حدا بجماله وبنوقه
وأرى قشيب العمر أمسى باليا ... ومرور دهري جدّ في تمزيقه
وأخاف أن أقضي ولم أقض المنى ... بنفوذ سهم منيّتي ومروقه
فمتى أحطّ على اللّوى رحلي وقد ... بلغت ركابي للحمى وعقيقه
وأمرّغ الخدّين في ترب غدا ... كالمسك في أرج شذا منشوقه
وأعيد إنشادي وإنشائي «8» الثّنا ... ببديع نظم قريحتي ورقيقه
حتى أميل العاشقين تطرّبا ... كالغصن مرّ صبا على ممشوقه
وتحيّة التسليم أبلغ شافعي «9» ... وثنا المديح حديثه وعتيقه
ولذي الفخار وذي العلى «10» ووزيره ... صدّيقه وأخي الهدى فاروقه
مني السلام عليهم كالزّهر في ... تأليفها والزّهر في تأليفه «11»


صفحه 329

قال: وكتب بذلك إليّ في جملة من شعره «1» : [الطويل]
هواكم بقلبي ما «2» لأحكامه «3» نسخ ... ومن أجله جفني بمدمعه يسخو «4»
ومن نشأتي ما إن صحت منه نشوتي ... سواء به عصر المشيب «5» أو الشّرخ
عليه حياتي مذ تمادت وميتتي ... وبعثي إذا بالصّور يتّفق النّفخ
ولي خلد «6» أضحى قنيص غرامه ... ولا شرك يدني إليه ولا فخّ
قتلت سلوّي حين أحييت لوعتي ... وما اجتيح «7» بالإقرار في حالتي لطخ «8»
وناصح «9» كتمي إذ زكت بيّناته ... يجول عليه من دموع الأسى نضخ
وأرجو بتحقيقي «10» هواكم بأن أفي ... فعهد «11» ولا نقض «12» وعقد ولا فسخ
وما الحبّ إلّا ما استقلّ ثبوته ... لمبناه رصّ في الجوانح «13» أو رسخ
إذا مسلك لم يستقم «14» بطريقه ... سلكت اعتدالا مثل ما يسلك الرّخّ
بدا لضميري من سناكم تلمّح ... فبخّ لعقل لم يطر عندها بخّ
على عود ذاك اللّمح ما زلت نادبا ... كما تندب الورقاء «15» فارقها الفرخ
يدي بأياديكم وقلبي شاغل ... فمن فكرتي نسج ومن أنملي نسخ
ومن شعره أيضا قوله في غرض يظهر منه «16» : [الطويل]
إليك تحنّ النّجب والنّجباء ... فهم وهي في أشواقهم شركاء


صفحه 330

تخبّ بركّاب تحبّ وصولها ... لأرض بها باد سنى وسناء
فأنفاسها ما إن تني صعداؤها ... وأنفاسهم «1» من فوقها سعداء
هم عالجوا إذ عجّل السّير داءهم ... وأشباه مثلي مدنفون بطاء
فعدت ودوني للحبيب ترحّلوا ... وما قاعد والراحلون سواء
له وعليه حبّ قلبي وأدمعي ... وقد صحّ لي حبّ وسحّ بكاء
بطيبة هل أرضى وتبدو سماؤها؟ ... وإن تك أرضا فالحبيب سماء
شذا نفحها واللّمح منها كأنه ... ذكاء عبير والضّياء ذكاء «2»
فيا حاديا غنّي وللرّكب حاديا ... عنائي «3» بعد البعد عنك عناء
بسلع فسل عمّا أقاسي من الهوى ... وسل بقباء إذ يلوح قباء
وفي عالج منّي بقلبي لاعج «4» ... فهل لي علاج عنده وشفاء؟
وفي الرقمتين أرقم الشوق لاذع ... ودرياقه أن لو يباح لقاء
أماكن تمكين وأرض بها الرضى ... وأرجاء فيها للمشوق رجاء
ومن المقطوعات قوله «5» : [الكامل]
أدب الفتى في أن يرى متيقّظا ... لأوامر من ربّه ونواه
فإذا «6» تمسّك بالهوى يهوي به ... والحبل «7» منه لمن تيقّن واه
ومن ذلك «8» : [المنسرح]
يا من بدنياه ظلّ في لجج ... حقّق بأنّ النّجاة في الشاطي «9»
تطمع في إرثك الفلاح وقد ... أضعت ما قبله من اشراط
كن حذرا في الذي طمعت به ... من حجب نقص وحجب إسقاط
وقال «10» : [الطويل]
ترى شعروا أني غبطت نسيمة ... ذكت بتلاقي الرّوض غبّ الغمائم


صفحه 331

كما قابلت زهر الرياض وقبّلت ... ثغور أقاحيه بلا لوم لائم
وقال «1» : [الكامل]
ورد المشيب مبيّضا بوروده ... ما كان من شعر الشّبيبة حالكا
يا ليته لو كان بيّض بالتّقى ... ما سوّرته «2» مآثم من حالكا
إنّ المشيب غدا رداء للرّدى ... فإذا علاك أجدّ في ترحالكا «3»
وأنشدني صاحبنا القاضي أبو الحسن، قال: مما أنشدني الشيخ أبو الحجاج لنفسه «4» : [الخفيف]
لوعة الحبّ في فؤادي تعاصت ... أن تداوى ولو أتى ألف راق «5»
كيف يبرا «6» من علّة وعليها ... زائد علّة النّوى والفراق؟
فانسكاب الدموع جار فجار ... والتهاب الضّلوع راق فراق
نبذة من أخباره: نقلت من خط صاحبنا الفقيه القاضي المؤرخ أبي الحسن بن الحسن، قال حاكيا عنه: ومن غريب ما حدّثني به، قال: كنت «7» جالسا بين يدي «8» الخطيب أبي القاسم التاكرونّي صبيحة يوم بمسجد مالقة الأعظم «9» ، فقال لنا في أثناء حديثه: رأيت البارحة في عالم النّوم كأنّ أبا عبد الله الجلياني يأتيني ببيتي شعر في يده وهما: [الخفيف]
كلّ علم يكون للمرء شغلا ... بسوى الحقّ قادح في رشاده
فإذا كان فيه لله «10» حظّ ... فهو ممّا يعدّه لمعاده
قال: فلم ينفصل المجلس حتى دخل علينا الفقيه الأديب أبو عبد الله الجلياني، والبيتان عنده «11» ، فعرضهما على الشيخ، وأخبره «12» أنه صنعهما البارحة، فقال له


صفحه 332

كل من في المجلس: أخبرنا بهذا «1» الشيخ قبل مجيئك، فكان هذا من العجائب.
وقد وقعت الإشارة لذلك في اسم الشيخ.
مشيخته: منقول من خطّه في ثبت أجاز فيه أولادي، أسعدهم الله، بعد خطابة بليغة. قال: فمن شيوخي الذين رويت عنهم، واسترفدت البركة منهم، الشيخ الخطيب الصالح المتفنن أبو محمد عبد الواحد بن أبي السداد الباهلي، والشيخ الإمام أبو جعفر بن الزّبير، والشيخ الوزير المشاور أبو عبد الله بن أبي عامر بن ربيع، والقاضي العدل أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن برطال، والشيخ الخطيب الصالح أبو عبد الله الطّنجالي، والراوية المسنّ أبو عمرو محمد بن عبد الرحمن الرندي الطنجي، والمدرس الصالح أبو الحسن علي بن أحمد الإشبيلي بن شالة، والخطيبان الأستاذان الحاجان أبو عبد الله محمد بن رشيد الفهري، وأبو عثمان سعيد بن إبراهيم بن عيسى الحميري، والشيخ الصالح أبو الحسين عبد الله بن محمد بن محمد بن يوسف بن منظور، والخطيب الصالح العلّامة المصنف أبو جعفر بن الزيات، والفقيه القاضي أبو جعفر بن عبد الوهاب، والشيخ الراوية المحدّث أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الكماد، والخطيب أبو العباس أحمد بن محمد اللورقي، والعدل أبو الحسن علي بن محمد الطائي ابن مستقور، والخطيب الصالح أبو العباس أحمد بن محمد بن خميس الجزيري، والقاضي العدل الحاج أبو محمد عبد الله بن أبي أحمد بن زيد الغرناطي، والشيخ الراوية الحاج الرّحال الصوفي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أمين الفارسي العجمي الأقشري، والقاضي الحسيب أبو عبد الله محمد بن عياض بن محمد بن عياض، والقاضي أبو عبد الله بن عبد المهيمن الحضرمي، والأستاذ أبو إسحاق الغافقي، والإمام أبو القاسمي بن الشّاط، والخطيب القاضي أبو عبد الله القرطبي، والراوية أبو القاسم البلفيقي، والمحدّث أبو القاسم التجيبي، والخطيب أبو عبد الله الغماري، والإمام الكبير ناصر الدين المشدالي، والفقيه الصوفي أبو عبد الله محمد بن محمد الباهلي، عرف بالمسفر من أهل بجاية، وقاضي القضاة بتونس أبو إسحاق بن عبد الرفيع، والعلّامة أبو عبد الله بن راشد، والخطيب أبو عبد الله بن عزمون، والعلّامة الخطيب أبو محمد عبد الواحد بن منظور بن محمد بن المنير الجذامي. قال: وكلهم أجازني عامة ما يرويه، وكان ممن لقيته، وقرأت عليه، إلّا المدرّس أبا الحسن بن شالة، فوقع لي شك في إجازته.


صفحه 333

تواليفه: قال: وممّا يسّر الله تعالى فيه من التأليف، كتاب «ملاذ المستعيذ «1» ، وعياذ المستعين، في بعض خصائص سيد المرسلين، في الأحاديث الأربعين المروية على آيات من الذكر الحكيم والنور المبين» . وكتاب «تخصيص القرب، وتحصيل الأرب» ، و «قبول الرأي الرشيد، في تخميس الوتريات النبويات «2» لابن رشيد» . و «انتشاق النّسمات النّجدية، واتّساق النزعات الجدّية» .
و «غرر الأماني المسفرات، في نظم المكفّرات» . و «النّفحات الرّندية، واللّمحات الزّندية» ، وهو مجموع شعري. و «حقائق بركات المنام، في مرأى المصطفى خير الأنام» . و «الاستشفاء بالعدّة، والاستشفاع «3» بالعمدة، في تخميس «4» القصيدة النبوية المسماة بالبردة» . و «توجّع الراثي، في تنوّع المراثي» . و «اعتلاق المسائل «5» ، بأفضل الوسائل» . و «لمح البهيج، ونفح الأريج» ، في ترجيز «6» ما لولي الله أبي مدين شعيب بن الحسين الأنصاري، رضي الله عنه، من عبارات حكمة وإشارات صوفية.
و «تجريد «7» رؤوس مسائل البيان والتحصيل، لتيسير البلوغ لمطالعتها والتوصيل» .
وفهرسة روايتي. ورجز في «8» ذكر مشيخة «9» شيخنا الراوية أبي عمر الطّنجي، رحمه الله، وإسناده. قال: وممّا كنت شرعت فيه ولم يتّفق تمامه، كتاب سميته «عواطف الأعتاب، في لطائف أسباب المتاب» . ومما بيدي الآن جمعه وهو إن شاء الله على التمام، أربعون حديثا متصلة الإسناد، أول حديث منها في الخوف، والثاني في الرجاء، بلواحق تتبعها، وسميته «أرج الأرجاء، في مزج الخوف والرجاء» . والله يصفح عنا، ويغفر زلّاتنا، وأن لا يجعل ما نتولاه من ذلك حجة علينا، وأن نكون ممن منح مقولا، ومنع معقولا، ويختم لنا بخواتم السّعداء من عباده، وممن وفّق وهدى إلى سبيل رشاده.
وفاته: كان حيّا عام أحد وستين وسبعمائة.


صفحه 334

ومن المقرئين
يحيى بن أحمد بن هذيل التجيبي «1»
يكنى أبا زكريا، شيخنا أبو زكريا بن هذيل، رحمه الله، أرجدوني «2» الأصل، ينسب إلى سلفه أملاك ومعاهد كولابج هذيل، مما يدل على أصالة.
حاله: كان آخر حملة الفنون العقلية بالأندلس، وخاتمة العلماء بها، من طبّ وهندسة وهيئة وحساب وأصول وأدب، إلى إمتاع المحاضرة، وحسن المجالسة، وعموم الفائدة، وحسن العهد، وسلامة الصّدر، وحفظ الغيب، والبراءة من التصنّع والسّمت، مؤثرا للخمول، غير مبال بالناس، مشغولا بخاصّة نفسه.
خدم أخيرا باب السلطان بصناعة الطّب، وقعد بالمدرسة بغرناطة يقرئ الأصول والفرائض والطب.
عمن أخذ: قرأ على جملة من شيوخ وقته، كالأستاذ أبي بكر بن الفخار، أخذ عنه العربية والأدب. وقرأ الطب على أبي عبد الله الأركشي، وأبي زكريا القصري، وجملة من الإسلاميين بالعدوة. وقرأ كراسة الإمام فخر الدين الرازي، المسماة بالآيات البيّنات، على الأستاذ أبي القاسم بن جابر. ونظر الأصول على الأستاذ النظّار أبي القاسم بن الشّاط. وأخذ الحساب عن أبي الحسن بن راشد. والحساب والهندسة والأصول وكثيرا من عمليات الحساب وجبره ومقابلته والنجوم، على الأستاذ أبي عبد الله بن الرّقام، ولازمه كثيرا.
تواليفه: وله تصانيف وأوضاع منها، ديوان شعره المسمى بالسليمانيات والعربيات وتنشيط الكسل. ومنها شرحه لكرّاسة الفخر، وهو غريب المأخذ، جمع فيه بين طريقتي القدماء والمتأخرين من المنطقيين. وكتابه المسمى ب «الاختيار والاعتبار في الطّب» . وكتابه المسمى ب «التذكرة في الطبّ» .
شعره: وجرى ذكره في التاج المحلّى بما نصه «3» : درّة بين الناس مغفلة، وخزانة على كل فائدة مقفلة، وهدية من الدهر الضّنين لبنيه محتفلة. أبدع من رتّب


صفحه 335

التعاليم وعلّمها، وركّض في الألواح قلمها، وأتقن من صور الهيئة ومثّلها، وأسس قواعد البراهين وأثّلها، وأعرف من زاول شكاية، ودفع عن جسم نكاية، إلى غير ذلك من المشاركة في العلوم، والوصول من المجهول إلى المعلوم، والمحاضرة المستفزّة للحلوم، والدّعابة التي ما خلع «1» العذار فيها بالملوم. فما شئت من نفس عذبة الشّيم، وأخلاق كالزهر من بعد الدّيم، ومحاضرة تتحف المجالس والمحاضر، ومذاكرة يروق النواظر «2» زهرها الناضر. وله أدب ذهب في الإجادة كل مذهب، وارتدى من البلاغة بكل رداء مذهب، والأدب نقطة من حوضه، وزهرة من زهرات روضه، وسيمرّ له في هذا الديوان، ما يبهر العقول، ويحاسن بروائه ورائق بهائه الفرند المصقول.
فمن ذلك ما خرّجته من ديوان شعره المسمّى ب «السّليمانيات والعربيات «3» » من النّسيب «4» : [الطويل]
ألا استودع الرحمن بدرا مكمّلا ... بفاس من الدرب الطويل مطالعه
وفي «5» فلك الأزرار يطلع «6» سعده ... وفي أفق الأكباد تلفى مواقعه
يصيّر مرآه منجّم مقلتي ... فتصدق في قطع الرجاء قواطعه
تجسّم من نور «7» الملاحة خدّه ... وماء الحيا فيه ترجرج مائعه
تلوّن كالحرباء في خجلاته ... فيحمرّ قانيه ويبيضّ ناصعه
إذا اهتزّ غنّى حليه فوق نحره ... كغصن النّقا غنّت عليه سواجعه
يذكر حتف الصّبّ عامل قدّه «8» ... وتقطف «9» من واو العذار توابعه
أعدّ الورى «10» سيفا كسيف لحاظه ... فهذا هو الماضي وذاك يضارعه «11»