بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 357

ولقد تقفّاها الزبير وقد نجت ... إلّا فلولا إنّ «1» منه المصرع
وغدا يعاقب والنفوس حميّة ... والسّمر هيم والصّوارم جوّع
أعطش سلاحك ثم أوردها الوغا ... كيما يلذّ لها ويصفو المشرع
كم وقعة لك في ديارهم انثنت ... عنها أعزّتها تذلّ وتخضع
النّعمة العظمى سلامتك التي ... فيها من الظّفر الرّضى والمقنع
لا ضيّع الرحمن سعيك إنه ... سعي به الإسلام ليس يضيّع
نستحفظ «2» الرحمن منك وديعة ... فهو الحفيظ لكلّ ما يستودع
وفاته: بغرناطة في حدود السبعين وخمسمائة «3» .
ومن ترجمة الشعراء من السفر الأخير وهو الثاني عشر المفتتح بالترجمة بعد
يحيى بن محمد بن أحمد بن عبد السلام التطيلي الهذلي «4»
أصله من تطيلة، وهو غرناطي، يكنى أبا بكر.
حاله: قال أبو القاسم الملّاحي: أديب «5» زمانه، وواحد أقرانه، سيال القريحة، بارع الأدب، رائق الشعر، علم في النحو واللغة والتاريخ والعروض وأخبار الأمم، لحق بالفحول المتقدّمين، وأعجزت براعته براعة «6» المتأخرين، وشعره مدوّن، جرى «7» في ذلك كلّه طلق الجموح. ثم انقبض وعكف على قراءة القرآن، وقيام الليل، وسرد الصوم، وصنع «8» المعشّرات في شرف النبيّ عليه الصلاة والسلام.


صفحه 358

وأشعاره كثيرة، من الزهد والتذكير للآخرة، والتّجريد من الدنيا، حتى جمع له من ذلك ديوان كبير.
شعره: من ذلك قوله من قصيدة: [الطويل]
أذوب حياء إن تذكّرت زلّتي ... وحلمك حتى ما أقلّ نواظري
وأسكت مغلوبا وأطرق خجلة ... على مثل أطراف القنا والتّواتر
تعود بصفح إثر صفح تكرّما ... على الذنب بعد الذنب يا خير غافر
وتلحظني بالعفو أثناء زلّتي ... وتنظر مني في خلال جرائر
وحقّ هواك المستكنّ بأضلعي ... وما لك عندي من خفيّ ضمائر
لما قمت بالمعشار من عشر عشرة ... ولو جئت فيه بالنجوم الزّواهر
فيا أيها المولى الصّفوح ومن به ... تنوء احتمالاتي بأعباء شاكر
أنلني من برد اليقين صبابة ... ألفّ بها حدّ الهوى والهواجر
وخلت الدّجى عذرا أهاب «1» سرى العدا ... إليّ تغطّيني بسود الغدائر
وخافت على عيني من السّهد والبكا ... فذرّت بقايا الكحل من جفن ساهر
وقال رادّا على ابن رشد حين ردّ على أبي حامد في كتابه المسمى «تهافت التهافت» : [الطويل]
كلام ابن رشد لا يبين رشاده ... هو اللّيل يعشى الناظرين سواده
ولا سيما نقض التهافت إنه ... تضمّن برساما يعزّ اعتقاده
كما اطّرد «2» المحموم في هذيانه ... يفوه بما يملي عليه احتداده
أتى فيه بالبهت الصّريح مغالطا ... فما غيّر البحر الخضمّ ثماده
وحاول إخفاء الغزالة بالسّها ... فأخفق مسعاه وردّ اعتقاده
دلائل تعطيك النّقيضين بالسّوى ... وأكثر ما لا يستحيل عناده
إذا أوضح المطلوب منها وضدّه ... يبين على قرب وبان انفراده
وأنت بعيد الفكر عن ترّهاته ... فمعظمها رأي يقلّ سداده


صفحه 359

ومن شعره «1» :
إليك بسطت الكفّ في فحمة الدجى ... نداء «2» غريق في الذنوب عريق
رجاك ضميري كي تخلّص جملتي ... فكم من فريق شافع لفريق
مشيخته: أخذ عن أبيه أبي عبد الله، وحدّث عن الأستاذ أبي الحسن جابر بن محمد التميمي، وعن الأستاذ المقرئ ببلنسية أبي محمد عبد الله بن سعدون التميمي الضرير، عن أبي داود المقرئ. وقرأ أيضا على الخطيب أبي عبد الله محمد بن عروس، وعلى القاضي العالم أبي الوليد بن رشد.
مولده: فجر يوم الثلاثاء الخامس والعشرين لمحرم تسعة وخمسين وخمسمائة.
وفاته: بغرناظة عام تسعة وعشرين وستمائة.
يحيى بن بقي «3»
من أهل وادي آش «4» .
حاله: بارع الأدب، سيّال القريحة، كثير الشعر جيّده في جميع أنواعه. وكان مع ذلك موصوفا بغفلة.
شعره «5» : [الكامل]
بأبي غزال غازلته مقلتي ... بين العذيب وبين شطّي بارق


صفحه 360

وسألت منه قبلة «1» تشفي الجوى ... فأجابني «2» عنها «3» بوعد صادق
وأتيت منزله وقد هجع العدا ... أسري إليه كالخيال الطّارق
بتنا ونحن من الدّجى في لجّة «4» ... ومن النجوم الزّهر تحت سرادق
عاطيته والليل يسحب ذيله ... صهباء «5» كالمسك العتيق «6» لناشق
حتى إذا مالت «7» به سنة الكرى ... باعدته «8» شيئا «9» وكان معانقي
أبعدته «10» من أضلع تشتاقه ... كي لا ينام على وساد خافق
وضممته ضمّ الكميّ لسيفه ... وذؤابتاه حمائل في عاتقي
لمّا رأيت الليل ولّى «11» عمره ... قد شاب في لمم له ومفارق
ودّعت من أهوى وقلت تأسّفا «12» : ... أعزز عليّ بأن أراك مفارقي
وفاته: توفي بمدينة وادي آش سنة أربعين وخمسمائة «13» .
يحيى بن عبد الجليل بن عبد الرحمن بن مجبر «14» الفهري
فرتشي «15» ، وقال صفوان: إنه بلّشي «16» ، يكنى أبا بكر.


صفحه 361

حاله: قال ابن عبد الملك: كان «1» في وقته شاعر المغرب، لم يكن يجري أحد مجراه من فحول الشعراء. يعترف له بذلك أكابر الأدباء، وتشهد له بقوة عارضته وسلامة طبعه قصائده التي صارت مثالا، وبعدت على قربها منالا. وشعره كثير مدوّن، ويشتمل على أكثر من سبعة «2» آلاف بيت وأربعمائة بيت. امتدح الأمراء والرؤساء، وكتب عن بعضهم، وحظي عندهم حظوة تامة، واتصل بالأمير أبي عبد الله بن سعد «3» ، وله فيه أمداح كثيرة. وبعد موته انتقل إلى إشبيلية، وبملازمته للأمير المذكور، وكونه في جملته، استحقّ الذكر فيمن حلّ بغرناطة. ومن أثرته لدى ملوك مراكش، أنه أنشد يوسف بن عبد المؤمن «4» يهنّئه بفتح من قصيدة «5» : [الخفيف]
إنّ خير الفتوح ما جاء «6» عفوا ... مثل ما يخطب البليغ «7» ارتجالا
قالوا: وكان أبو العباس الجراوي الأعمى الشاعر حاضرا، فقطع عليه؛ لحسادة وجدها، فقال: يا سيدنا، اهتدم فيه بيت ابن «8» وضّاح: [الرجز]
خير شراب ما جاء «9» عفوا ... كأنه خطبة ارتجالا «10»
فبدر المنصور، وهو حينئذ وزير أبيه، وسنّه في حدود العشرين من عمره، فقال: إن كان قد اهتدمه، فقد استحقّه لنقله إياه من معنى خسيس إلى معنى شريف، فسرّ أبوه لجوابه، وعجب منه الحاضرون.
ومرّ المنصور أيام إمرته بأونبة «11» من أرض شلب، ووقف على قبر أبي محمد بن حزم، وقال: عجبا لهذا الموضع، يخرج منه مثل هذا العالم. ثم قال: كلّ


صفحه 362

العلماء عيال على ابن حزم. ثم رفع رأسه، وقال: كما أنّ الشعراء عيال عليك يا أبا بكر، يخاطب ابن مجير.
شعره: من شعره يصف الخيل العتاق من قصيدة في مدح المنصور»
:
[الطويل]
له خطّت «2» الخيل العتاق كأنها ... نشاوى تهادت «3» تطلب العزف «4» والقصفا
عرائس أغنتها الحجول عن الحلى ... فلم تبغ خلخالا ولا التمست وقفا
فمن يقق «5» كالطّرس تحسب أنه ... وإن جرّدوه في ملاءته التفّا
وأبلق أعطى الليل نصف إهابه ... وغار عليه الصبح فاحتبس النّصفا
وورد تغشّى جلده شفق الدّجى ... فإذا حازه حلّى «6» له الذّيل والعرفا
وأشقر مجّ الراح صرفا أديمه ... وأصفر لم يسمح بها جلده صرفا
وأشهب فضّيّ الأديم مدنّر ... عليه خطوط غير مفهمة حرفا
كما خطر «7» الزاهي بمهرق كاتب ... يجرّ «8» عليه ذيله وهو ما جفّا «9»
تهبّ على الأعداء منها عواصف ... ستنسف «10» أرض المشركين بها نسفا
ترى كلّ طرف «11» كالغزال فتمتري ... أظبيا «12» ترى تحت العجاجة أم طرفا؟
وقد كان في البيداء يألف سربه ... فربّته مهرا وهي تحسبه خشفا
تناوله لفظ الجواد لأنه ... متى «13» ما أردت الجري أعطاكه ضعفا


صفحه 363

ولمّا «1» اتخذ المنصور ستارة المقصورة بجامعه «2» ، وكانت مدبرة على انتصابها إذا استقرّ المنصور ووزراؤه بمصلّاه، واختفائها إذا انفصلوا عنها، أنشد في ذلك الشعراء، فقال ابن مجبر «3» من قصيدة أولها: [الكامل]
أعلمتني ألقي عصا التّسيار ... في بلدة ليست بدار قرار
ومنها في وصف المقصورة «4» :
طورا تكون بمن حوته محيطة ... فكأنها سور من الأسوار
وتكون حينا «5» عنهم مخبوّة «6» ... فكأنها سرّ من الأسرار
وكأنما «7» علمت مقادير الورى ... فتصرّفت لهم على مقدار
فإذا أحسّت بالإمام «8» يزورها ... في قومه قامت إلى الزّوّار
ويكفي من شعر ابن مجبر هذا القدر العجيب، رحمه الله.
من روى عنه: حدّث عنه أبو بكر محمد بن محمد بن جمهور، وأبو الحسن بن الفضل، وأبو عبد الله بن عيّاش، وأبو علي الشّلوبين، وأبو القاسم بن أحمد بن حسان، وأبو المتوكل الهيثم، وجماعة.
وفاته: توفي بمراكش سنة ثمان وثمانين وخمسمائة «9» ، وسنّه ثلاث وخمسون سنة.
يوسف بن محمد بن محمد اليحصبي اللوشي، أبو عمر «10»
حاله: من كتاب ابن مسعدة «11» : خطيب الإمامة السّعيدة النّصرية الغالبية، وصاحب قلمها الأعلى. كان شيخا جليلا، فقيها، بارع الكتابة، ماهر الخطّة، خطيبا


صفحه 364

مصقعا، منقطع القرين في عصره، منفردا عن النّظير في مصره، عزيزا، أنوفا، فاضلا، صالحا، خيّرا، شريف النفس، منقبضا، وقورا، صموتا، حسن المعاشرة، طيب المحادثة.
مشيخته: حدّث عن والده الشيخ الراوية أبي عبد الله، وعن الأستاذ ابن يربوع. ولقي بإشبيلية الأستاذ أبا الحسن الدبّاج، ورئيس النحاة أبا علي الشّلوبين، وغيرهما.
شعره: ومن شعره، وإن كان غير كثير، قوله: [الخفيف]
شرّد النوم عن جفونك وانظر ... كلمة توقظ النفوس النّياما
فحرام على امرئ يشاهد ... حكمة الله أن يلذّ المناما
وقوله: [الرمل]
ليس للمرء اختيار في الذي ... يتمنّى من حراك وسكون
إنّما الأمر لربّ واحد ... إن يشا «1» قال له: كن فيكون
وفاته: توفي في المحرم من عام ستين وستمائة، ودفن بمقبرة باب إلبيرة.
وحضر جنازته الخاصة والعامة، السلطان فمن دونه، وكلّ ترحّم عليه، وتفجّع له.
حدّثني حافده شيخنا، قال: أخرج الغالب بالله، يوم وفاته، جبّة له، لبسته مرفوعة، من ملفّ أبيض اللون، مخشوشنة، زعم أنها من قديم مكسبه من ثمن مغنم ناله، قبل تصيّر الملك إليه، أمر ببيعها، وتجهيزه من ثمنها، ففعل، وفي هذا ما لا ما مزيد عليه من الصّحة والسلامة، وجميل العهد، رحم الله جميعهم.
يوسف بن علي الطرطوشي، يكنى أبا الحجاج «2»
حاله: من «العائد» : كان، رحمه الله، من أهل الفضل والتواضع، وحسن العشرة، مليح الدّعابة، عذب الفكاهة، مدلّا على الأدب جدّه وهزله، حسن الخط، سلس الكتابة، جيّد الشعر، له مشاركة في الفقه وقيام على الفرائض. كتب بالدار السلطانية، وامتدح الملوك بها، ثم توجّه إلى العدوة، فصحب خطة القضاء عمره، مشكور السيرة، محفوفا بالمبرّة.