وسألت منه قبلة «1» تشفي الجوى ... فأجابني «2» عنها «3» بوعد صادق
وأتيت منزله وقد هجع العدا ... أسري إليه كالخيال الطّارق
بتنا ونحن من الدّجى في لجّة «4» ... ومن النجوم الزّهر تحت سرادق
عاطيته والليل يسحب ذيله ... صهباء «5» كالمسك العتيق «6» لناشق
حتى إذا مالت «7» به سنة الكرى ... باعدته «8» شيئا «9» وكان معانقي
أبعدته «10» من أضلع تشتاقه ... كي لا ينام على وساد خافق
وضممته ضمّ الكميّ لسيفه ... وذؤابتاه حمائل في عاتقي
لمّا رأيت الليل ولّى «11» عمره ... قد شاب في لمم له ومفارق
ودّعت من أهوى وقلت تأسّفا «12» : ... أعزز عليّ بأن أراك مفارقي
وفاته: توفي بمدينة وادي آش سنة أربعين وخمسمائة «13» .
يحيى بن عبد الجليل بن عبد الرحمن بن مجبر «14» الفهري
فرتشي «15» ، وقال صفوان: إنه بلّشي «16» ، يكنى أبا بكر.
حاله: قال ابن عبد الملك: كان «1» في وقته شاعر المغرب، لم يكن يجري أحد مجراه من فحول الشعراء. يعترف له بذلك أكابر الأدباء، وتشهد له بقوة عارضته وسلامة طبعه قصائده التي صارت مثالا، وبعدت على قربها منالا. وشعره كثير مدوّن، ويشتمل على أكثر من سبعة «2» آلاف بيت وأربعمائة بيت. امتدح الأمراء والرؤساء، وكتب عن بعضهم، وحظي عندهم حظوة تامة، واتصل بالأمير أبي عبد الله بن سعد «3» ، وله فيه أمداح كثيرة. وبعد موته انتقل إلى إشبيلية، وبملازمته للأمير المذكور، وكونه في جملته، استحقّ الذكر فيمن حلّ بغرناطة. ومن أثرته لدى ملوك مراكش، أنه أنشد يوسف بن عبد المؤمن «4» يهنّئه بفتح من قصيدة «5» : [الخفيف]
إنّ خير الفتوح ما جاء «6» عفوا ... مثل ما يخطب البليغ «7» ارتجالا
قالوا: وكان أبو العباس الجراوي الأعمى الشاعر حاضرا، فقطع عليه؛ لحسادة وجدها، فقال: يا سيدنا، اهتدم فيه بيت ابن «8» وضّاح: [الرجز]
خير شراب ما جاء «9» عفوا ... كأنه خطبة ارتجالا «10»
فبدر المنصور، وهو حينئذ وزير أبيه، وسنّه في حدود العشرين من عمره، فقال: إن كان قد اهتدمه، فقد استحقّه لنقله إياه من معنى خسيس إلى معنى شريف، فسرّ أبوه لجوابه، وعجب منه الحاضرون.
ومرّ المنصور أيام إمرته بأونبة «11» من أرض شلب، ووقف على قبر أبي محمد بن حزم، وقال: عجبا لهذا الموضع، يخرج منه مثل هذا العالم. ثم قال: كلّ
العلماء عيال على ابن حزم. ثم رفع رأسه، وقال: كما أنّ الشعراء عيال عليك يا أبا بكر، يخاطب ابن مجير.
شعره: من شعره يصف الخيل العتاق من قصيدة في مدح المنصور»
:
[الطويل]
له خطّت «2» الخيل العتاق كأنها ... نشاوى تهادت «3» تطلب العزف «4» والقصفا
عرائس أغنتها الحجول عن الحلى ... فلم تبغ خلخالا ولا التمست وقفا
فمن يقق «5» كالطّرس تحسب أنه ... وإن جرّدوه في ملاءته التفّا
وأبلق أعطى الليل نصف إهابه ... وغار عليه الصبح فاحتبس النّصفا
وورد تغشّى جلده شفق الدّجى ... فإذا حازه حلّى «6» له الذّيل والعرفا
وأشقر مجّ الراح صرفا أديمه ... وأصفر لم يسمح بها جلده صرفا
وأشهب فضّيّ الأديم مدنّر ... عليه خطوط غير مفهمة حرفا
كما خطر «7» الزاهي بمهرق كاتب ... يجرّ «8» عليه ذيله وهو ما جفّا «9»
تهبّ على الأعداء منها عواصف ... ستنسف «10» أرض المشركين بها نسفا
ترى كلّ طرف «11» كالغزال فتمتري ... أظبيا «12» ترى تحت العجاجة أم طرفا؟
وقد كان في البيداء يألف سربه ... فربّته مهرا وهي تحسبه خشفا
تناوله لفظ الجواد لأنه ... متى «13» ما أردت الجري أعطاكه ضعفا
ولمّا «1» اتخذ المنصور ستارة المقصورة بجامعه «2» ، وكانت مدبرة على انتصابها إذا استقرّ المنصور ووزراؤه بمصلّاه، واختفائها إذا انفصلوا عنها، أنشد في ذلك الشعراء، فقال ابن مجبر «3» من قصيدة أولها: [الكامل]
أعلمتني ألقي عصا التّسيار ... في بلدة ليست بدار قرار
ومنها في وصف المقصورة «4» :
طورا تكون بمن حوته محيطة ... فكأنها سور من الأسوار
وتكون حينا «5» عنهم مخبوّة «6» ... فكأنها سرّ من الأسرار
وكأنما «7» علمت مقادير الورى ... فتصرّفت لهم على مقدار
فإذا أحسّت بالإمام «8» يزورها ... في قومه قامت إلى الزّوّار
ويكفي من شعر ابن مجبر هذا القدر العجيب، رحمه الله.
من روى عنه: حدّث عنه أبو بكر محمد بن محمد بن جمهور، وأبو الحسن بن الفضل، وأبو عبد الله بن عيّاش، وأبو علي الشّلوبين، وأبو القاسم بن أحمد بن حسان، وأبو المتوكل الهيثم، وجماعة.
وفاته: توفي بمراكش سنة ثمان وثمانين وخمسمائة «9» ، وسنّه ثلاث وخمسون سنة.
يوسف بن محمد بن محمد اليحصبي اللوشي، أبو عمر «10»
حاله: من كتاب ابن مسعدة «11» : خطيب الإمامة السّعيدة النّصرية الغالبية، وصاحب قلمها الأعلى. كان شيخا جليلا، فقيها، بارع الكتابة، ماهر الخطّة، خطيبا
مصقعا، منقطع القرين في عصره، منفردا عن النّظير في مصره، عزيزا، أنوفا، فاضلا، صالحا، خيّرا، شريف النفس، منقبضا، وقورا، صموتا، حسن المعاشرة، طيب المحادثة.
مشيخته: حدّث عن والده الشيخ الراوية أبي عبد الله، وعن الأستاذ ابن يربوع. ولقي بإشبيلية الأستاذ أبا الحسن الدبّاج، ورئيس النحاة أبا علي الشّلوبين، وغيرهما.
شعره: ومن شعره، وإن كان غير كثير، قوله: [الخفيف]
شرّد النوم عن جفونك وانظر ... كلمة توقظ النفوس النّياما
فحرام على امرئ يشاهد ... حكمة الله أن يلذّ المناما
وقوله: [الرمل]
ليس للمرء اختيار في الذي ... يتمنّى من حراك وسكون
إنّما الأمر لربّ واحد ... إن يشا «1» قال له: كن فيكون
وفاته: توفي في المحرم من عام ستين وستمائة، ودفن بمقبرة باب إلبيرة.
وحضر جنازته الخاصة والعامة، السلطان فمن دونه، وكلّ ترحّم عليه، وتفجّع له.
حدّثني حافده شيخنا، قال: أخرج الغالب بالله، يوم وفاته، جبّة له، لبسته مرفوعة، من ملفّ أبيض اللون، مخشوشنة، زعم أنها من قديم مكسبه من ثمن مغنم ناله، قبل تصيّر الملك إليه، أمر ببيعها، وتجهيزه من ثمنها، ففعل، وفي هذا ما لا ما مزيد عليه من الصّحة والسلامة، وجميل العهد، رحم الله جميعهم.
يوسف بن علي الطرطوشي، يكنى أبا الحجاج «2»
حاله: من «العائد» : كان، رحمه الله، من أهل الفضل والتواضع، وحسن العشرة، مليح الدّعابة، عذب الفكاهة، مدلّا على الأدب جدّه وهزله، حسن الخط، سلس الكتابة، جيّد الشعر، له مشاركة في الفقه وقيام على الفرائض. كتب بالدار السلطانية، وامتدح الملوك بها، ثم توجّه إلى العدوة، فصحب خطة القضاء عمره، مشكور السيرة، محفوفا بالمبرّة.
وجرى ذكره في «الإكليل» بما نصّه «1» : روض أدب لا تعرف الذّواء «2» أزهاره، ومجموع فضل لا تخفى آثاره، كان في فنون الأدب مطلق الأعنّة، وفي معاركه ماضي الظّبا والأسنّة. فإن هزل، وإلى تلك الطريقة اعتزل، أبرم من الغزل «3» ما غزل، وبذل من دنان راحته ما بذل «4» . وإن صرف إلى المعرب «5» غرب «6» لسانه، وأعاره لمحة من إحسانه، أطاعه عاصيه، واستجمعت لديه أقاصيه. ورد على الحضرة الأندلسية والدنيا شابّة، وريح القبول هابّة، فاجتلى محاسن أوطانها، وكتب عن سلطانها. ثم كرّ إلى وطنه»
وعطف، وأسرع اللحاق كالبارق إذا خطف. وتوفي عن سنّ عالية، وبرود من العمر بالية «8» .
ومن شعره أيام حلوله بهذه البلاد، قوله يمدح الوزير ابن الحكيم، ويلمّ بذكر السّلم في أيامه: [البسيط]
رضاكم إن مننتم خير مرهوب ... وما سوى هجركم عندي بموهوب
لكم كما شئتم العتبى وعتبكم ... مقابل الرضى من غير تثريب
منوا بلحظ رضى لي ساعة فعسى ... أنال منه لدهري طبّ مطبوب
فكم أثارت لي الأيام وابتسمت ... ثغور سعدي بتقريب فتقريب
قد كنّ بيضا رعابيبا بقربكم ... والآن يوصفن بالسّود الغرابيب
آها لدهر تقضّى لي بباكم ... مرتّب للأماني أيّ ترتيب
ما كان إلّا كأحلام سررت بها ... فواصلت حال تقويض بتطنيب
يا ليت شعري هل تقضى بعودته ... فأقدر الحسن منه بعد تجريب؟
ومنها:
يا أيها السيد الأعلى الذي يده ... حازت ندى السّحب مسكوبا بمسكوب
فلو سألنا بلاد الله عن كرم ... فيها لكفّيه والأنواء منسوب
لقلن: إن كان جود لا يضاف لذي ال ... وزارتين فجود غير محسوب
فالعود جنس ولكن في إضافته ... للهند يختصّ عود الهند بالطّيب
من سيّد لا يوفّي الحمد واجبه ... ولو تواصل مكتوبا بمكتوب
له المحامد لا تحصى ولا عجب ... فرمل عالج «1» شيّ غير محسوب
تناول الشّرف الأقصى بعزمة ذي ... ظنّ نبيل الأماني غير مكذوب
وواصل المجد من آياته شرفا ... بمجده وصل أنبوب بأنبوب
وجاء مكتسبا أعلى ذخائره ... والمجد ما بين موروث ومكسوب
ردء الخليفة لا يرتاح من نصب ... في بذل نصح لحفظ قائم «2» منصوب
موفّق الرأي مأمون النّقيبة في ... تدبير ذي حنكة صحّت وتدريب
تهابه النفس إذ ترجوه من شرف ... فشأنه بين مرهوب ومرغوب
ومنها:
يا أوحد العصر في فضل وفي كرم ... خصال قاطع دهر «3» في التّجاريب
أعد فديت لأمري منعما نظرا ... ينل به همّ حالي بعض تشبيب
لولا ارتكاب حسود الأمر «4» في ضرري ... ما كان ظهر النّوى عندي بمركوب
هذا زماني ومنك الأمن حاربني ... حتى أراني في حالات محروب
فامنن بتفريج كربي بالرضا فإذا ... رضيت لم أك من شيء بمكروب
إن لم أذق من رضاكم ما ألذّ به ... فلا حياة بمأكول ومشروب
ومن شعره: [المتقارب]
بذكرك تشرح آي العلا ... وتسند أخباره في الصحيح
بأفقك يشرق بدر السّنا ... وباسمك يحسن نظم المديح
وما يحسن العقد إلّا إذا ... تحلّت به ذات وجه مليح
وفاته: كان حيّا عام أحد وأربعين وسبعمائة.
ومن ترجمة المحدّثين والفقهاء وسائر الطلبة النجباء:
يحيى بن محمد بن عبد العزيز بن علي الأنصاري
يكنى أبا بكر، ويعرف بالعشّاب، ويعرف بالبرشاني «1» .
حاله: كان هذا الشيخ من أهل الخير، كثير التؤدة والصمت، معرضا عمّا لا يعنيه. رحل إلى الحج، وأقام هنالك سنين، وقفل منها فخطب بأرجبة «2» . وأخذ ببلاد المشرق عن قطب الدين القسطلانيّ، وأبي الفضل ابن خطيب المري، وزين الدين أبي بكر محمد بن إسماعيل الأنماطي. ولقي أبا علي بن الأحوص بالأندلس ولم يأخذ عنه. أنشدني شيخنا أبو البركات، قال: أنشدني الشيخ أبو بكر البرشاني، وقد لقيته بأرجبة، قال: أنشدنا الإمام أبو عبد الله بن النعمان عن قطب الدين:
[الطويل]
إذا كان أنسي في لزومي وحدتي ... وقلبي من كلّ البريّة خال
فما ضرّني من كان للدّهر «3» قاليا ... وما سرّني من كان فيّ موال
ومن العمال
يوسف بن رضوان بن يوسف بن رضوان بن يوسف ابن رضوان بن يوسف بن رضوان بن محمد بن خير بن أسامة الأنصاري النّجاري
قال القاضي المؤرخ أبو الحسن بن الحسن ممليه: والذي رفع إليّ هذا النسب للركانة هو صاحبنا الفقيه أبو القاسم ولده، ورفع هذا النسب بحاله من التكرار دليل على أصالته.
حاله: من أهل الخير والخصوصية، وحسن الرّواء والوقار والحياء والمودّة.
نبيه القدر، معروف الأمانة، صدر في أهل العقد والحل ببلده، بيته بيت صون وخير واستعمال، ولو لم يكن من بركات هذا الرجل وآثار فضله إلّا ابنه صدر الفضلاء وبقية