بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 40

قرّطت آذان من فيها بفاضحة ... على الحسان حصا الياقوت والدّرر
سيّارة في أقاصي الأرض قاطعة ... شقاشقا هدرت «1» في البدو والحضر
مطاعة الأمر في الألباب «2» قاضية ... من المسامع ما لم يقض من وطر
ومن الغرباء
عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن «3»
الدّائل بتلمسان، يكنى أبا سعيد.
حاله: كان شيخا مخيلا بسمة الخير، متظاهرا بالنّسف، بقية آل زيّان، متقدّما في باب الدهاء والذّكر، بالغا أقصى المبالغ في ذلك. سكن غرناطة ووادي آش، وولد بغرناطة. وكان أبوه ممن هلك في وقعة فرتونة، فارتزق مع الجند الغربي بديوانها في حجر أبيه وبعده، ثم ثنى عنانه إلى وطنه، وتخطّته المتالف عند تغلّب السلطان صاحب المغرب على بلده تلمسان، وغاص في عرض من تهنّأ الإبقاء من قبيله. وكان ممن شمله حصار الجزيرة، ووصل قبله ممدّا مع الجيش الغربي بجيش غرناطة عند منازلة القلعة. ولمّا جرت على واترهم السلطان أبي الحسن الهزيمة بظاهر القيروان، وبعد الطمع في انتشاله وجبره، ولحق كل بوطنه، حوم الفلّ من بني زيّان على ضعفهم، ومذ رحل عنه السلطان القائم بملك المغرب أبو عنان، إلى محل الأمر ودار الملك، وسدّ تلمسان بشيخ من قبيلهم يعرف بابن حرار له شهرة وانتفاخ لتنسيق رياح الاختلاف، فذ في إدارة الحيلة، وإحالة قداح السياسة، رأس الرّكب الحجازي غير ما مرة، وحلّ من الملوك ألطف محلّة. ولمّا نهد القوم إلى تلمسان، ناهضهم ابن الحرار بمن استركب من جنده، وانضمّ إليه من قومه، فدارت عليهم الهزيمة، وأحيط به، فتملّك البلد، وتحصّل في الثّقاف، إلى أن هلك به مغتالا، واستولى عثمان بن يحيى على المدينة، وانقاد إليه ما يرجع إليها من البلاد والقبائل، فثاب لهم ملك لم


صفحه 41

تكد شعلته تقد حتى خبت، وعلى ذلك فبلغوا في الزمان القريب من وفور العدّة، واستجادة الآلة، وحسن السّيرة، ما يقضي منه العجب. وانفرد عثمان بالأمر، وعيّن أخاه أبا ثابت الزعيم إلى إمارة الجيش، فاستقام الصفّ، وانضمّ النّشر، وترتّبت الألقاب، واستأنفوا الدولة، وتلقّفوا الكرة، وقلّ ما أدبر شيء فأقبل. وبادر السلطان بالأندلس مفاتحته مهنّئا، وللحلف مجدّدا، بكتاب من إنشائي من فصوله:
«بعد الصّدر والتحميد، ولا زائد بفضل الله المرجو في الشّدائد، لجميل العوائد، إلّا ما شرح الصدور، وأكّد السرور، وبسط النفوس، وأضحك الرّسن العبوس، من اتّساق أمور ذلك الملك لديكم، واجتماع كلمته عليكم، وما تعرّفنا أن الدولة الزّيانيّة، وصل الله لبدورها استئناف الكمال، وأعلى أعلامها في هضاب اليمن والإقبال، تذكّرت الرسائل القديمة والأذمّة، وألقت إلى قومها بالأزمّة، وحنّت إلى عهدهم على طول النّوى، وأنشد لسان حالها: «نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى» ، فأصبح شتيتك بأهلها مجموعا، وعلم عليائها بأيدي أوليائها مرفوعا، وملابس اعتزازها بعد ابتزازها جديدة، وظلال سعودها على أغوارها ونجودها مديدة، وقبيلها قد أنجح الله في ائتلافه أمل الآمل، ومبتداها مرفوعا مع وجود العوامل، والكثير من أوطانها قد سلكت مسلكها في الطاعة، وتبادرت إلى استباق فضيلة الوفاق بحسب الاستطاعة، فعظم الاستبشار بأن كان لكم مالها، وفي إيالتكم انتيالها، من غير أن يعلق بأسبابها من ليس من أربابها، ويطمع في اكتسابها من لم يكن في حسابها. وقلنا موارث وجب، وعاصب حجب، وركب علج من بعد القفول، وشمس طلعت من بعد الأفول، وجيد حلّي بعد ما اشتكى العطل، وغريم قضى بعد ما مطل، وطرف تنبّه بعد ما سجع، ودرّيّ استقام سيره عقب ما رجع، وقضية انصرف دليلها عن حدود القواطع، وطرحت عليه أشعة السّعود السّواطع، لا بل عبد أبق، لقدر سبق، حتى إذا راجع نهاه، وعذله العقل ونهاه، جنح بعد هجره، إلى كنف من نشأ في حجره.
وعلمنا أن الدولة التي عرفنا مكارمها قد دالت، والغمامة التي شكرنا مواقعها قد انثالت، فجرينا في المسرّة ملء الأعنّة، وشاركنا في شكر هذه المنّة، وأصدرنا إليكم هذا الخطاب مهنّئا، وعن الود الكريم والولاء الصّميم منبيا، وفي تعزيز ما بين الأسلاف جدّد الله عليهم ملابس الرّضوان معيدا مبديا، وإن تأخّر منه الغرض، وقضى بهذا العهد واجبه المفترض، والأعذار واضحة، وأدلّتها راجحة، وللضّرار أحكام تمضى، والفروض للفوات تقضى، فكيف والاعتقاد الجميل مسيّر مسكّن، والوقت والحمد لله متمكن؟ وما برحنا في مناط اجتهاد، وترجيح استشهاد، والأخبار يضطرد مفهومها، والألفاظ لا يتخصّص عمومها، والأحاديث يجول في متعارضها النّظر، ولا


صفحه 42

يلزم العمل ما لم يصحّ الخبر. فلمّا تحققنا الأمر من قصّه، وتعاضد قياسه بنصّه، لم نقدّم على المبادرة عملا، وبيّنا لكم من حسن اعتقادنا ما كان مجملا، فليهن تلك الإيالة ما استأنفته من شبابها، وتسربلته من جديد أثوابها، وليستقبل العيش خضرا، والدهر معتذرا، والسّعد مسفرا» .
وتمادى ملكه من الثامن والعشرين لجمادى الآخرة من عام تسعة وأربعين وسبعمائة إلى أن استوسق ملك المغرب للسلطان أبي عنان، واستأثر إليه أبيّه، وتحرك إلى منازلة تلمسان في جمادى الآخرة عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، وكسر جمعهم، واستولى على ملكهم حسبما يأتي، وبرز إليه سلطانها المذكور مؤثرا الإصحار على الاجتحار، واللقاء على الانحصار، وكانت بين الفريقين حرب ضروس، ناشب الزّيّانيون محلّات المغرب القتال، بموضع يعرف بإنكاد، على حين غفلة، وبين يدي شروع في تنقّل وسكون، وتفرّق من الحامية في ارتياد الخلا، وابتغاء الماء، فلم يرع إلّا إطلال الرّايات، وطلوع نواصي الخيل، فوقع الصراخ، وعلا النّداء، وارتفع القتام، وبادر السلطان بمن معه من الخالصة، وروّم الركاب الصّدمة، ومضى قدما، وقد طاش الخبر بهزيمته، فعاثت العربان في محلّته، وكانوا على الأموال أعدى من عدوّه، وفرّ الكثير إلى جهة المغرب بسوء الأحدوثة.
ولمّا تقاربت الوجوه، وصدق المصاع، قذف الله في قلوب الزيّانيين الرّعب، واستولى عليهم الإدبار، فانهزموا أقبح هزيمة، وتفرّقوا شذر مذر، واختفى سلطانهم عثمان المترجم به، وذهب متنكرا وقد ترجّل، فعثر عليه من الغد، وأوتي به فشدّ وثاقه، وأسرع السلطان اللّحاق بتلمسان، وقد تلقّاه أهلها معلنين بطاعته ولائذين بجناب عفوه، وتنكّبها الجيش المفلول لنظر الأمير أبي ثابت، فاستقرّ بأحواز جزائر بني مزغناي. ودخل السلطان تلمسان في يوم الأحد الحادي عشر من ربيع الأول عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، وتدامر بنومرين، واستدركوا دحض الوصمة في اتّباع أضدادهم المحروبين، فكان اللقاء بينهم وبين الجيش المفلول، وحكم الله باستئصالهم، فمضى عليهم السيف، وأوتي بزعيمهم الزعيم، فاحتمل مع أخيه في لمّة من أوليائهم، ونفذ الأمر لأقتالهم من بني حرار بأخذ حقهم، فقتل عثمان والزّعيم، رحمهما الله، بخارج تلمسان ذبحا، وألحق بهما عميد الدّولة يحيى بن داود بعد أن استحضر عثمان بين يدي السلطان، وأسمع تأنيبا، حسن عنه جوابه بما دلّ على ثبات وصبر. وانقضى أمر كرّتهم الثانية، وخلت منهم الأوطان، وخلصت لبني مرين الجهة، وصفت العمالة. والله يعطي ملكه من شاء سبحانه لا إله إلّا هو، وكان مقتل عثمان وأخيه في أوائل شهر ربيع الآخر عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة.


صفحه 43

علي بن حمود بن ميمون بن حمود بن علي بن عبيد الله ابن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن علي ابن أبي طالب «1»
أوّل ملوك «2» بني هاشم بالأندلس، يكنّى أبا الحسن، ويلقّب من الألقاب السلطانية، بالناصر لدين الله.
حاله: كان شهما لبيبا، جريء اللقاء، باطش السّيف، شديد السّطوة، أسمر، أعين، نحيف الجسم، طويل القامة، حادّ الذهن، من أولي الحزم والعزم.
خلافته: ذكروا «3» أن هشام بن الحكم «4» ، لمّا ضيّق به الحجر، كتب إليه في السّرّ بعهد ولايته، وأهّله للأخذ بثأره، فكان كذلك، وأجاز البحر من سبتة، مظهرا القيام بنصر هشام عندما خلع، فانحاش إليه كثير من الناس، وقصد قرطبة، وبرز إليه الخليفة سليمان خالع هشام ومغتاله، فظهر عليه علي بن حمّود وهزمه، ودخل قرطبة، فقتل سليمان، وبحث عن هشام، وقد فات فيه الأمر، وتسمّى بأمير المؤمنين. وأنس به أهل قرطبة؛ لقهره من كان لنظره من البرابرة، وإمضاء الأحكام عليهم. قال المؤرخ: فبرقت للعدل يومئذ بارقة، لم تكد تقد حتى خبت. وكان الأغلب عليه السّخاء والشجاعة.
ومدحه الكثير من الشعراء، منهم أبو عمر بن درّاج، وفيه يقول «5» :
[المتقارب]
لعلّك يا شمس عند الأصيل ... شجيت «6» بشجو «7» الغريب الذّليل


صفحه 44

فكوني شفيعي إلى ابن الشّفيع ... وكوني رسولي إلى ابن الرسول
فإمّا شهدت فأزكى شهيد ... وإمّا دللت فأهدى دليل
إلى الهاشميّ إلى الطّالبيّ ... إلى الفاطميّ العطوف الوصول
وصوله إلى إلبيرة: قال: ولمّا استوسق الأمر، واضطرب عليه خيران صاحب ألمرية، أغراه وأذن لحربه، فخرج من قرطبة يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة من سنة ثمان وأربعمائة، وساء إلى أن بلغ وادي آش، وترادفت عليه الأمطار والسّيول، وانصرف إلى إلبيرة ثم إلى قرطبة.
وفاته: قال المؤرخ: وفي «1» سنة ثمان وأربعمائة كان مقتل علي بن حمّود، وذلك أن صقالبته قتلوه بموضع أمنه، في حمام قصره، وكانوا ثلاثة من أغمار صبيان قصره، منهم نجح»
وصاحباه، وسدّوا باب الحمّام عليه، وتسلّلوا، ولم يحسّ أحد بهم، واستطال نساؤه بقاءه، فدخلوا عليه، ودمه يسيل، فصحّ خبر مقتله، وبعثت زناتة إلى أخيه «3» بإشبيلية، فخاف «4» أن تكون «5» حيلة، حتى كشف عن الأمر، ولحق بقرطبة، فأخرج جسده، وصلّى عليه، وأنفذه إلى سبتة، فدفن بها، وبني عليه مسجد هو الآن بسوق الكتان، وقبض من قاتليه على صبيّين عذّبا بأنواع العذاب، ثم قتلا وصلبا «6» .
علي بن يوسف بن تاشفين بن ترجوت «7»
وينظر اتصال نسبه في اسم أبيه.
هو أمير المسلمين بالعدوة والأندلس بعد أبيه، يكنى أبا الحسن، تصيّر إليه الملك بالعهد من أبيه عام سبعة وتسعين وأربعمائة، ثم ولّي أمره يوم وفاته وهو يوم الاثنين مستهل محرم عام خمسمائة «8» .


صفحه 45

حاله: وكان ملكا عظيما، عالي الهمة، رفيع القدر، فسيح المعرفة، شهير الحلم، عظيم السياسة، أنفذ الحق، واستظهر بالأزكياء، ووالى الغزو، وسدّ الثغور، إلى أن دهمه من أمر الدولة الموحدية ما دهمه، وكل شيء إلى مدى، فأمهل السّرح، وحالف الإدبار، وجاز إلى الأندلس، وغزا فيها بنفسه، ودخل غرناطة وباشرها.
قال ابن عذاري: تقدم الأمير أبو الحسن لذلك فاستعان بالله واستنجده وسأله حسن الكفاية فيما قلّده، فوجده ملكا مؤسّسا، وجندا مجنّدا، وسلطانا قاهرا، ومالا وافرا، فاقتفى إثر أبيه، وسلك سبيله في عضد الحق، وإنصاف المظلوم، وأمن الخائف، وقمع المظالم، وسدّ الثغور، ونكاية العدو، فلم يعدم التوفيق في أعماله، والتسديد في حسن أفعاله.
دخوله غرناطة: وفي سنة خمس وخمسمائة، جاز البحر إلى الجهاد. قال المؤرخ: قدم علي بن يوسف غرناطة مرات مع أبيه. وفي سنة خمس وخمسمائة تلوّم بها ريثما تلاحقت حشوده، وتأهبت مطوّعته وجنوده، فافتتح مدينة طلبيرة عنوة «1» . ثم عبر البحر عام أحد عشر وخمسمائة، فغزا قلمرية «2» .
ظهور الموحدين في أيامه:
قال ابن عذاري: في «3» سنة أربع عشرة وخمسمائة، كان ابتداء أمر الثائر على الدولة، الجالب للفتن الجمة، الجارّ لها منذ ثلاثين سنة، حتى أقفر المعمور، وأصار الضياء كالديجور، محمد بن تومرت السوسي الملقّب بالمهدي. قلت: وأخباره عجيبة، وما زال أمره في ظهور، وأمر هذه الدولة في ثبار وإدبار، إلى أن محا رسومها، وقطع دابرها، والملك لله، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، سبحانه.
وفاته: قال: وفي «4» سنة سبع وثلاثين وخمسمائة «5» توفي أمير المسلمين علي بن يوسف، لسبع خلون من رجب، ولم يشهر موته إلّا لخمس خلون من


صفحه 46

شوال، فكانت مدته من حين قدّمه أبوه، تسعا وثلاثين سنة وأشهرا «1» ، وعمره إحدى وستون سنة. قال ابن حماد: ولمّا يئس من نفسه، عهد أن يدفن بين قبور المسلمين، ودفن بها في جملتهم، رحمه الله.
الأعيان والوزراء والأماثل والكبراء
عتيق بن زكريا بن مول التجيبي «2»
قرطبي الأصل، يمتّ إلى الإمارة النّصرية بقربى صهر، يكنى أبا بكر.
حاله: كان شهما جريّا مقداما، جهوريا، ذا أنفه وشارة، مليح التجنّد، ظاهر الرّجولية، معروف الحق، نبيه الولاية، فصيح اللسان، مطبوعا، ذكيّا، مؤثرا للفكاهة، ولّي القيادة بمدينة وادي آش عقب الرئيس المنتزي بها، ثم عزل عنها بسعاية رفعت فيه إلى ذي الوزارتين أبي عبد الله ابن الحكيم، فساء ما بينهما لذلك، وأعمل عليه التدبير بمداخلة الأمير نصر، وإغرائه بالأمر، فتمّ له التّوثّب على ملك أخيه، وخلعه يوم عيد الفطر من عام ثمانية وسبعمائة. وقتل الوزير ابن الحكيم بين يديه، وانتهبت منازله، واستقلّ بعد بالتدبير والوزارة، وحصل من صنائع الحائن، ومتوقّعي الضغط، على مال عريض، وقام بوظيف الوزارة محذور الشبا، مرهوب المدية، مسنوّ الفتكة، فلم ينشب أن عيّن للرسالة إلى باب السلطان ملك المغرب، وسدّ باب الإياب لوجهته، وأقام بالعدوة تحت الحظوة، مشارا إليه في وجوه الدولة، وزير المداخلة والرّتبة. وقد كان في ريان حداثته لحق بطاغية الرّوم، وركب في جملته، وعلقته جارية من بنات زعماء الروم، لفضل جماله، وزين شبيبته، ففرّ بها تحت حماية سيفه، ولحق ببلاد المسلمين، وكانت من أهل الأصالة والجمال، فاتصل بمحلة أمير المسلمين أبي يوسف بن عبد الحق، وقد جاز إلى الأندلس غازيا، فاستخلصت منه لمزية الحسن، واستقرّت بقصر السلطان حظيّة لطيفة المحل، وجدّ أثر رفدها وانتفع، هو وبنوه بعائد جاهها، وقد هلك السلطان.
وقامت لمن خلفه مقام الأمومة، فنالوا بها دنيا عريضة، وباشر بالمغرب أهوالا، وخاض في فتن إلى أن أسنّ، وقيّدته الكبرة، واستولت على بصره الزمانة. ولما


صفحه 47

ولّي الوزارة ولده على عهد سادس الأمراء من بني نصر «1» ؛ استقدمه في ربيع الثاني من عام تسعة وعشرين وسبعمائة، فقدم شيخا قد استثنى أديمه واحقوقب، ومسحة الظّرف واللوذعية تتعلق منه بطلل بائد. ثم اقتضى تقلّص ظل الولاية عن ولده انصراف جميعهم إلى العدوة، فكان ذلك في رجب أو أول شعبان من العام، وبها هلك.
وفاته: توفي بمدينة فاس رابع محرم عام ثلاثين وسبعمائة. وكان كثيرا ما يتمثل بقول الشاعر: [الطويل]
نصحت فلم أفلح وخانوا فأفلحوا ... فأنزلني نصحي بدار هوان
فإن عشت لم أنصح وإن متّ فالعنوا ... دون النصح من بعدي بكل لسان
أخبرني بذلك شيخنا أبو الحسن بن الجياب وغيره.
عمر بن يحيى بن محلّى البطّوي
يكنى أبا علي.
حاله: كان يمتّ إلى السلطان ملك المغرب، رحمه الله، بالخؤولة، وله جرأة وجرم واضطلاع بالمهمة، إلى نكراء وخفوف إلى الفتنة واستسهال العظيمة. ولمّا تصيرت مالقة «2» إلى إيالة السلطان أمير المسلمين أبي يوسف بن عبد الحق من قبل رؤسائها من بني إشقيلولة، استظهر عليها من عمر هذا بحجاج رجاله، وقدّمه بقصبتها، وجعل لنظره جيشا أخشن يقوده رجل من كبار وصفائه. وداخل السلطان ثاني «3» الملوك من آل نصر عمر بن محلّى هذا بوساطة أخيه طلحة السابق إلى إيالته، فأحكم بينهما صرف مالقة إليه، وانتقال عمر إلى خدمته، معوّضا عن ذلك بمال له بال، مسلّما إليه حصن شلوبانية، ولأخيه طلحة مدينة المنكب، على أرزاق مقررة، وأحوال مرتبة مقدرة، فتمّ ذلك، وتحمل ثقات السلطان بقصبة مالقة ليلا مع عمر، واستدعي للغداة قائد الجيش ومثله من الوجوه، موريا بمعارضتهم، فسقط الغشاء بهم