وقلت أصف رجلا خبيثا غفر الله لي وله «1» : [الطويل]
وذي حيل يعيى التّقيّة أمرها «2» ... مكايده في لجّة الليل تسبح
يدبّ شبول الليث والليث ساهر ... ويسرق ناب الكلب والكلب ينبح
وقلت في نزعات المشارقة «3» : [الوافر]
أقول لعاذلي لمّا نهاني ... وقد وجد الملامة «4» إذ جفاني
علمت بأنه مرّ التّجنّي ... وفاتك أنه حلو اللسان
ومن أغراض الإشارات الصوفية وغيرها من الوعظ والجدّ والحكم، ولعلّ ذلك ماحيا لما تقدّمه بفضل الله
قلت: وربما ثبتت في كتاب «المحبة» من تأليفي: [الطويل]
تعدّدت الألفاظ واتّحد المعنى ... وأصبح فردا ما مررت به مثنى
وعادت لعين الجمع وهي كثيرة ... محا كلّ فرق مجتلى وجهك الأسنى
تعبّدت الأفكار آثارك العليا «5» ... وقيّدت الأبصار روضتك الغنّا
وقصّرت الألفاظ عن نيل غاية ... ببعض الذي أبدته ذاتك من معنى
وقلت «6» : [الكامل]
لا تنكروا «7» إن كنت قد أحببتكم ... أو أنني استولى عليّ هواكم
طوعا وكرها ما ترون فإنني ... طفت الوجود فما وجدت سواكم
وقلت: [السريع]
والكون أشراك نفوس الورى ... طوبى لنفس حرّة فازت
إن لم تحز معرفة الله قد ... أورطها الشيء الذي حازت
وقلت أيضا في المشيب وما في معناه «1» : [الكامل]
أنّى لمثلي بالهوى من بعد ما ... للوخط بالفودين «2» أيّ دبيب
لبس البياض وحلّ ذروة منبر ... منّي ووالى الوعظ فعل خطيب
وقلت في تعلّل يناقض ذلك «3» : [الخفيف]
قلت للشّيب: لا يربك جفائي ... في اختصاري لك البرور ومقتك
أنت بالعتب يا مشيبي أولى ... جئتني فجأة «4» وفي غير وقتك
وقلت «5» : [الرمل]
طال حزني لنشاط ذاهب ... كنت أسقى دائما من خانه «6»
وشباب كان يندى نضرة ... نزل الثلج على ريحانه
ونظرت يوما إلى ولدي فأعجبتني شيبته فقلت «7» : [الرمل]
سرق الدهر شبابي من يدي ... ففؤادي مشعر بالكمد
وحملت «8» الأمر إذ أبصرته ... باع ما أفقدني من ولدي
وقلت وهو الحقّ: [المنسرح]
انظر لخضّاب «9» الشّيب قد نصلا ... ورائد العيش بعده انفصلا
ومطلبي والذي كلفت به ... قد رمت تحصيله فما حصلا
لا أمل مسعف ولا عمل ... ونحن «10» في ذا والموت قد وصلا
وقلت: [الوافر]
قحطنا ثم صاب الغيث رحمى ... فشكرا يا حمام، إذا غططتا «11»
ويا غيث الرّضا، عنّا انسكابا ... فأنت على الخبير به سقطتا
وقلت لمّا أخذت في طريقة أبي الفرج: [الطويل]
قعدت لتذكير ولو كنت منصفا ... لذكّرت نفسي فهي أحوج للذّكرى
إذا لم يكن مني لنفسي زاجرا ... فيا ليت شعري كيف نفعل في أخرى
وقلت، وأنا بسلا، وقد أحسست غفلة، والحال كلّه كذلك «1» : [الطويل]
أيا أهل هذا القطر، ساعده القطر ... دهيت «2» فدلّوني لمن يرفع الأمر؟
تشاغلت بالدنيا ونمت مفرّطا ... وفي شغلي أو نومتي سرق العمر
وقلت في منكانة الرّمل وهو بديع: [البسيط]
منكانة الرّمل فيها عبرة ونهى ... وشاهد أنّ كلّا منقض كمدا
لباب عمر الفتى يجري بجريتها ... كأنما العمر لمّا أطلقت فصدا
ولما ارتجلت ذلك، استزاد الحاضرون فقلت «3» : [البسيط]
تأمّل الرّمل في المنكان «4» منطلقا ... يجري وقدره عمرا منك منتهبا
والله لو كان وادي الرّمل ينجده ... ما طال «5» طائله إلّا وقد ذهبا
وقلت في قريب منه: [الطويل]
حمى الفلك الدوّار جفني عن الكرى ... لشتّى هموم منه فكري يجنيها
أراه رحى قين وعمري صفيحة ... يكرّ عليها بالمدار فيفنيها
وقلت في الوصايا: [الوافر]
إذا ما النّفس مالت نحو حسن ... فقد خطرت على خطر الولوع
فإن أحسّت ميله «6» أدركها ... فما بعد المميل سوى الوقوع
وقلت في المعنى: [الرجز]
إذا صرفت نحو وجه حسن ... طرفك واستهداك للحين الطّمع
فلا تمل قلبك ما اسطعت «7» له ... فالقلب كالحائط إن مال وقع
وقلت: [المتقارب]
أخي، لا تقل كذبا إن نطقت ... فللناس في الصّدق فضل وضح
وخف إن كذبت طروّ افتضاح ... فما كذب الفجر إلّا افتضح
وقلت منحيا على عالم الكون والفساد: [الكامل]
والله لو كانت حياتي في يدي ... مع جهل وعد الله أو لقياه
في خفض عيش لا تكلّف منّة ال ... إنسان مطعمه ولا سقياه
ما كان هذا العالم الجمّ الأذى ... مما يؤمّل عاقل بقياه
وكتبت في بعض الحيطان لما اجتزت على مدينة سبتة «1» : [الوافر]
أقمنا برهة ثم ارتحلنا ... كذلك الدهر حال بعد حال
وكلّ بداية فإلى انتهاء ... وكلّ إقامة فإلى ارتحال
ومن سام الزمان بعام أمر «2» ... فقد وقف الرجاء على المحال
ولنختم غرض هذه المقطوعات بقولي، ولا حول ولا قوة إلّا بالله «3» : [مجزوء الرمل]
عدّ عن كيت وكيت ... ما عليها غير ميت
كيف ترجو «4» حالة البقا ... ء «5» لمصباح وزيت؟
ومن الموشحات التي انفرد باختراعها الأندلسيون، وقد طمس اليوم رسمها، قولي «6» :
ربّ ليل ظفرت بالبدر ... ونجوم السماء لم تدر
حفظ الله ليلنا ورعى ... أيّ شمل من الهوى جمعا
غفل الدهر والرقيب معا
ليت نهر النهار «1» لم يجر ... حكم الله لي على الفجر
علّل النّفس يا أخا الطّرب «2» ... بحديث أحلى من الضّرب
في هوى من وصاله أربي «3»
كلّما مرّ ذكر من أدري «4» ... قلت: يا برده على صدري
صاح لا تهتمم «5» بأمر غد ... وأجز صرفها يدا بيد
بين نهر وبلبل غرد
وغصون تميل «6» من سكر ... أعلنت: يا غمام «7» ، بالشّكر
يا مرادي ومنتهى أملي ... هاتها عسجديّة الحلل
حلّت الشمس منزل الحمل
وبرود «8» الربيع في نشر ... والصّبا عنبرية النّشر
غرّة الصبح هذه وضحت ... وقيان الغصون قد صدحت
وكأنّ الصّبا إذا نفحت
وهفا «9» طيبها عن الحصر ... مدحة في علا بني نصر
هم ملوك الورى بلا ثنيا ... مهّدوا الدين زيّنوا الدّنيا
وحمى الله منهم العليا
بالإمام «10» المرفّع الخطر ... والغمام المبارك القطر
إنما يوسف إمام هدى ... جاز في المعلوات كلّ مدى
قل لدهر بملكه سعدا
افتخر واجبا «1» على الدهر ... كافتخار الربيع بالزّهر
يا عماد العلاء والمجد ... أطلع العيد طالع السّعد
ووفى الفتح فيه بالوعد
وتجلّت فيه على القصر «2» ... غرر من طلائع النّصر
فتهنّأ من حسنه البهج ... بحياة النفوس والمهج
واستمعها ودع مقال شجي
قسما بالهوى لذي حجر ... ما لليل المشوق من فجر
ومن ذلك قولي أيضا «3» :
زمن الأنس كلّما ولّى ردّه معوز ... فاغتنم منك ريق العمر وهو مستوفز
اطرد الهمّ بابنة العنب ... وأحل غيم الثّرى
عن شموس عكفن في حجب ... عن عيون الورى
هي كنز من خالص الذّهب ... حلّ عند العرا
كم فقير أتى على وعد فيه يستنجز ... والوعيد الشديد معروف للذي يكنز
أضحك الفجر مبسم الشّرق ... فاستراب الظّلام
وانتضى الأفق صارم البرق ... من قراب الغمام
وتحلّت ترائب الورق ... درّ زهر الكمام
ولجيش الصباح في الأفق راية تركز ... وخيول السّحاب بالبرق أبدا تنهز «4»
وقدود الغصون ترتاح ... للقاء النسيم
وشميم الرياض نفّاح ... كثناء الكريم
ومحيّا الصباح يلتاح ... في الجمال الوسيم
وخطيب الحمام في الغصن مسهب موجز ... ينكر النّوم فهو بالعتب مفصح ملغز
للهوى قدوة من الناس ... ذات نهج قويم
لا ترى في المدام من باس ... وارتشاف النديم
بحديث الغرام والكاس ... في الزّمان القديم
طوّر واصفح كلّ ديوان وبه طرّز ... ما لا تجز في شريعة الظّرف غير ما جوّز
قف ركاب المدائح الغرّ ... بأهل برّ الهدى
يوسف الملك نخبة الأمر ... غيث أفق النّدى
من لأسلافه بني نصر ... في جهاد العدى؟
وكتبت عن السلطان أبي الحجاج ابن السلطان أبي الوليد بن نصر، رحمه الله، إلى التّربة المقدّسة، تربة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي من أوليات ما صدر عني في هذه الأغراض «1» : [الطويل]
إذا فاتني ظلّ الحمى ونعيمه ... فحسب «2» فؤادي أن يهبّ نسيمه
ويقنعني أنّي به متكيّف «3» ... فزمزمه دمعي وجسمي حطيمه «4»
يعود فؤادي ذكر من سكن الغضا ... فيقعده فوق الغضا «5» ويقيمه
ولم أر يوما «6» كالنسيم إذا سرى ... شفى سقم القلب المشوق سقيمه «7»
نعلّل بالتّذكار نفسا مشوقة ... يدير عليها كأسه ويديمه «8»
وما شفّني «1» بالغور قدّ مرنّم «2» ... ولا شاقني من وحش «3» وجرة «4» ريمه
ولا سهرت عيني لبرق ثنيّة ... من الثّغر يبدو موهنا فأشيمه «5»
براني شوق للنبيّ محمد ... يسوم فؤادي برحه «6» ما يسومه
ألا يا رسول الله، ناداك ضارع ... على البعد «7» محفوظ الوداد سليمه
مشوق إذا ما الليل مدّ رواقه ... تحثّ «8» به تحت الظلام همومه
إذا ما حديث عنك جاءت به الصّبا ... شجاه من الشوق الحديث «9» قديمه
أيجهر بالنّجوى وأنت سميعها ... ويشرح ما يخفي وأنت عليمه «10» ؟
وتعوزه السّقيا وأنت غياثه ... وتتلفه البلوى وأنت رحيمه «11» ؟
بنورك، نور الله، قد أشرق الهدى ... فأقماره وضّاحة ونجومه