فبتّ وجفني من لآلىء دمعه ... غنيّ وصبري للشّجون سليب «1»
ترنّحني «2» الذكرى ويهفو بي الهوى ... كما مال غصن في الرياض رطيب
وأحضر تعليلا لشوقي بالمنى ... ويطرق وجد غالب فأغيب
مناي «3» ، لو اعطيت الأمانيّ، زورة ... يبثّ غرام عندها ووجيب
فقول حبيب إذ يقول تشوّقا ... عسى وطن يدنو إليّ حبيب
تعجّبت من سيفي وقد سابق القضا ... وقلبي فلم يسكبه منه مذيب «4»
وأعجب «5» أن لا يورق الرمح في يدي ... ومن فوقه غيث المشوق «6» سكيب
فيا سرح ذاك «7» الحيّ لو أخلف الحيا ... لأغناك من صوب الدموع صبيب
ويا هاجر الجوّ الجديب تلبّثا ... فعهدي رطب الجانبين خصيب
ويا قادح الزّند الشّحاح «8» ترفّقا ... عليك فشوقي الخارجيّ شبيب
أيا خاتم الرسل المكين مكانه ... حديث الغريب الدّار فيك غريب
فؤادي على جمر البعاد مقلّب ... يماح عليه للدموع قليب
فو الله ما يزداد إلّا تلهّبا «9» ... أأبصرت «10» ماء ثار عنه لهيب؟
فليلته ليل السليم ويومه «11» ... إذا شدّ للشوق العصاب عصيب
هواي «12» هدى فيك اهتديت بنوره ... ومنتسبي للصّحب منك نسيب
وحسبي على «13» أنّي لصحبك منتم ... وللخزرجيّين الكرام نسيب
عدت عن مغانيك المشوقة للعدا ... عقارب لا يخفى لهنّ دبيب
حراص على إطفاء نور قدحته ... فمستلب من دونه «14» وسليب
تمرّ الرياح الغفل فوق كلومهم ... فتعبق من أنفاسها وتطيب
بنصرك «1» عنك الشّغل من غير منّة ... وهل يتساوى مشهد ومغيب؟
فإن صحّ منك الحظّ طاوعت «2» المنى ... ويبعد مرمى السّهم وهو مصيب
ولولاك لم يعجم «3» من الرّوم عودها ... فعود الصّليب الأعجميّ صليب
وقد كانت الأحوال لولا مراغب ... ضمنت ووعد بالظّنون «4» تريب «5»
منابر عزّ أذّن الفتح فوقها ... وأفصح للعضب الطّرير خطيب «6»
نقود «7» إلى هيجائها كلّ صائل ... كما ريع مكحول اللّحاظ ربيب
ونجتاب من سرد «8» اليقين مدارعا ... يكفّتها «9» من يجتني ويثيب
إذا اضطرب «10» الخطيّ حول غديرها ... يروقك منها لجّة وقضيب
فعذرا وإغضاء ولا تنس صارخا ... بعزّك يرجو أن يجيب مجيب
وجاهك بعد الله نرجو وإنّه ... لحظّ مليء «11» بالوفاء رغيب
عليك صلاة الله ما طيّب الفضا ... عليك مطيل بالثّناء مطيب
وما اهتزّ قدّ للغصون مرنّح ... وما افترّ ثغر للبروق شنيب
إلى «12» حجّة الله تعالى المؤيد «13» ببراهين أنواره، وفائدة الكون ونكتة أدواره، وصفوة نوع البشر ومنتهى أطواره. إلى المجتبى وموجود الوجود لم يغن بمطلق الوجود عديمه، والمصطفى «14» من ذرّية آدم قبل أن يكسو العظام أديمه، المحتوم في القدم، وظلمات العدم، عند صدق القدم، تقديمه وتفضيله «15» إلى وديعة النّور المنتقل في الجباه الكريمة والغرر، وغمام الرحمة الهامية الدّرر. إلى مختار الله المخصوص باجتبائه، وحبيبه الذي له المزيّة على أحبّائه، من «16» ذرّية أنبياء الله تعالى
آبائه. إلى الذي شرح صدره وغسله، ثم بعثه واسطة بينه وبين العباد وأرسله، وأتمّ عليه إنعامه الذي أجزله، وأنزل عليه من النّور والهدى «1» ما أنزله. إلى بشرى المسيح والذّبيح، ومن لهم التّجر الرّبيح، المنصور بالرّعب والرّيح، المخصوص بالنّسب الصّريح. إلى الذي جعله في المحول غماما، وللأنبياء إماما، وشقّ صدره لتلقّي روح أمره غلاما، وأعلم به في التّوراة والإنجيل إعلاما، وعلّم المؤمنين صلاة عليه وسلاما. إلى الشّفيع الذي لا تردّ في العصاة شفاعته، والوجيه الذي قرنت بطاعة الله طاعته، والرؤوف الرّحيم الذي خلصت إلى الله في أهل الجرائم ضراعته.
صاحب الآيات التي لا يسع ردّها، والمعجزات التي أربى على الألف عدّها، فمن «2» قمر شقّ «3» ، وجذع حنّ له وحقّ، وبنان يتفجّر بالماء، فيقوم بريّ الظماء، وطعام يشبع الجمع الكثير يسيره، وغمام يظلّل به مقامه ومسيره «4» ، خطيب المقام المحمود إذا كان العرض، وأول من تنشقّ «5» عنه الأرض، ووسيلة الله تعالى التي لولاها «6» ما أقرض القرض، ولا عرف النّفل «7» والفرض، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف المحمود الخلال، من ذي الجلال، الشاهدة بصدقه صحف الأنبياء وكتب الإرسال، وآياته التي أثلجت القلوب ببرد اليقين السّلسال، صلّى الله عليه وسلّم، ما ذرّ شارق «8» ، وأومض بارق، وفرّق بين اليوم الشامس والليل الدامس فارق، صلاة تتأرّج عن «9» شذى الزهر «10» ، وتنبلج عن سنا الكواكب الزّهر، وتتردد بين السّرّ والجهر، وتستغرق ساعات النهار «11» وأيام الشهر، وتدوم بدوام الدهر، من عبد هداه، ومستقري «12» مواقع نداه، ومزاحم أبناء «13» أنصاره في منتداه، وبعض سهامه المفوّقة «14» إلى نحور عداه. مؤمّل العتق من النّار بشفاعته، ومحرز طاعة الجبّار بطاعته، الآمن باتصال رعيه من إهمال الله وإضاعته، متّخذ الصلاة عليه وسائل نجاة، وذخائر في الشدائد مرتجاة «15» ، ومتاجر «16»
بضائعها غير مزجاة «1» ، الذي ملأ بحبّه جوانح صدره، وجعل فكره هالة لبدره، وأوجب حقّه «2» على قدر العبد لا على قدره، محمد بن يوسف بن نصر الأنصاري الخزرجي نسيب سعد بن عبادة من أصحابه، وبوارق سحابه، وسيوف نصرته، وأقطاب دار هجرته، ظلّله الله يوم الفزع الأكبر من رضاك عنه بظلال الأمان، كما أنار قلبه من هدايتك بأنوار الهدى والإيمان، وجعله من أهل السّياحة في فضاء حبّك والهيمان. كتبه إليك يا رسول الله واليراع يقتضي «3» مقام الهيبة صفرة لونه، والمداد يكاد أن يحول سواد جونه، وورقة «4» الكتاب يخفق فؤادها حرصا على حفظ اسمك الكريم وصونه، والدمع يقطر فتنقط به الحروف وتفصّل الأسطر، وتوهّم المثول بمثواك المقدّس لا يمرّ بالخاطر سواه ولا يخطر، عن قلب بالبعد عنك قريح «5» ، وجفن بالبكاء جريح، وتأوّه عن تبريح «6» ، كلّما هبّ «7» من أرضك نسيم ريح.
وانكسار ليس له إلّا جبرك «8» ، واغتراب لا يؤنس فيه إلّا قربك، وإن لم «9» يقض فقبرك. وكيف لا يسلم في مثلها الأسى، ويوحش الصباح والمسا، ويرجف جبل الصّبر بعد ما رسى، لولا لعلّ وعسى. فقد سارت الرّكبان «10» إليك ولم يقض مسير، وحوّمت الأسراب عليك والجناح كسير، ووعدت الآمال فأخلفت، وحلفت العزائم فلم تف بما حلفت، ولم تحصل النفس من تلك المعاهد ذات الشّرف الأثيل، إلّا على التّمثيل، ولا من المعالم المتناهية «11» التّنوير، إلّا على التّصوير، مهبط «12» وحي الله ومتنزّل أسمائه، ومتردّد ملائكة سمائه، ومرافق «13» أوليائه، وملاحد أصحاب خيرة أنبيائه، رزقني الله الرضا بقضائه، والصّبر على جاحم البعد ورمضائه.
من حمراء غرناطة، حرسها الله تعالى، دار ملك الإسلام بالأندلس قاصية سيلك «14» ، ومسلحة «15» رجلك يا رسول الله وخيلك، وأنأى مطارح دعوتك
ومساحب ذيلك، حيث مصافّ الجهاد في سبيل الله وسبيلك، قد ظلّلها القتام، وشهبان الأسنّة أطلعها «1» منه الإعتام، وأسواق بيع النفوس من الله قد تعدّد بها «2» الأيامى «3» والأيتام، حيث الجراح قد تحلّت بعسجد نجيعها النحور، والشّهداء تحفّ بها الحور، والأمم الغريبة قد قطعتها «4» عن المدد البحور، حيث المباسم المفترّة، تجلوها المصارع البرّة، فتحييها بالعراء «5» ثعور الأزاهر، وتندبها صوادح الأدواح برنّات تلك المزاهر «6» ، [وتحمل «7» السحاب أشلاءها المعطّلة من ظلّها «8» بالجواهر،] «9» حيث «10» الإسلام من عدوّه المكايد بمنزلة قطرة من عارض غمام، وحصاة من ثبير «11» أو شمام «12» ، وقد سدّت الطريق، وأسلم الفراق الفريق «13» ، وأغضّ الريق، ويئس من الساحل الغريق، إلّا أن الإسلام بهذه الجهة المتمسكة بحبل الله وحبلك، المهتدية بأدلّة سبلك، سالم والحمد لله من الانصداع، محروس بفضل الله من الابتداع، مقدود من جديد الملّة، معدوم فيه وجود الطوائف المضلّة، إلّا ما يخصّ الكفر من هذه العلّة، والاستظهار على جمع الكثرة من جموعه بجمع القلّة.
ولهذه الأيام، يا رسول الله، أقام الله أوده «14» برّا بوجهك الوجيه ورعيا، وإنجازا لوعدك «15» وسعيا «16» ، وهو الذي لا يخلف وعدا ولا يخيب سعيا، وفتح لنا فتوحا «17» أشعرتنا برضاه عن وطننا الغريب، وبشّرتنا منه تعالى بتغمّد «18» التقصير ورفع التّثريب «19» ، ونصرنا وله المنّة على عبدة الصليب، وجعل لألفنا الرّدينيّ «20»
ولا منا «1» السّردي حكم التغليب. وإذا كانت الموالي التي طوّقت «2» الأعناق مننها، وقرّرت العوائد الحسنة «3» سيرها وسننها، تبادر إليها نوّابها الصّرحاء «4» ، وخدّامها النّصحاء، بالبشائر، والمسرّات التي تشاع في العشائر، وتجلو لديها نتائج أيديها، وغايات مباديها، وتتاحفها وتهاديها، بمجاني جنّاتها وأزاهر غواديها، وتطرف محاضرها بطرف بواديها، فبابك يا رسول الله أولى بذلك وأحقّ، ولك الحقّ الحقّ، والحرّ منا عبدك المسترقّ، حسبما سجّله الرّق. وفي رضاك من كل من يلتمس رضاه المطمع، ومثواك المجمع، وملوك الإسلام في الحقيقة عبيد سدّتك «5» المؤمّلة، وخول مثابتك «6» المحسّنة بالحسنات المجمّلة «7» ، وشهب تعشو «8» إلى بدورك المكمّلة، ومحض «9» سيوفك المقلّدة في سبيل الله المحمّلة، وحرمة «10» مهادك، وسلاح جهادك، وبروق عهادك «11» . وإنّ مكفول احترامك الذي لا يخفر، وربيّ إنعامك الذي لا يكفر «12» ، وملتحف جاهك «13» الذي يمحى ذنبه بشفاعتك إن شاء الله ويعفر، يطالع روضة الجنّة المفتّحة أبوابها بمثواك، ويفاتح صوان «14» القدس الذي أجنّك «15» وحواك، وينثر بضائع الصلاة عليك بين يدي الضّريح الذي يهواك «16» ، ويعرض جنى ما غرست وبذرت، ومصداق ما بشّرت به لمّا بشّرت وأنذرت، وما انتهى إليه طلق جهادك، ومصبّ عهادك «17» ، لتقرّ عين نصحك الذي «18» أنام العيون السّاهرة هجوعها، وأشبع البطون وروّاها ظمؤها من 1»
الله وجوعها. وإن كانت الأمور بمرأى من عين عنايتك، وغيبها متعرّف بين إفصاحك وكنايتك «20» . ومجمله «21» يا رسول الله، صلّى الله عليك، وبلّغ وسيلتي إليك، هو «22» أنّ الله سبحانه لمّا عرّفني لطفه الخفيّ في التّمحيص، المقتضي عدم المحيص، ثم في التّخصيص، المغني بعيانه
عن التّنصيص، وفّق «1» ببركتك السّارية رحماها «2» في القلوب، ووسائل محبّتك العائدة بنيل المطلوب، إلى استفادة عظة واعتبار، واغتنام إقبال بعد إدبار، ومزيد استبصار، واستعانة بالله تعالى وانتصار «3» ، فسكن هبوب الكفر بعد إعصار، وحلّ مخنّق الإسلام بعد حصار، وجرت على سنن السّنة بحسب الاستطاعة والمنّة اليسيرة، وجبرت بجاهك القلوب الكسيرة، وسهّلت «4» المآرب العسيرة، ورفع بيد العزّة الضّيم، وكشف بنور البصيرة الغيم، وظهر القليل على الكثير، وباء الكفر بخطّة التّعثير، واستوى الدّين الحنيف على المهاد الوثير، فاهتبلنا يا رسول الله غرّة العدوّ وانتهزناها، وشمنا «5» صوارم عزّة الغدوّ «6» وهززناها، وأزحنا «7» علل الجيوش وجهّزناها، فكان مما ساعد عليه القدر، والحظّ «8» المبتدر، والورد الذي حسن منه «9» الصّدر، أننا عاجلنا مدينة برغة «10» ، وقد جرّعت «11» الأختين؛ مالقة ورندة، من مدائن دينك، وخزائن «12» ميادينك، أكواس «13» الفراق، وأذكرت مثل من بالعراق، وسدّت طرق التّزاور على «14» الطّراق، وأسالت المسيل بالنّجيع «15» المراق، في مراصد المراد والمراق «16» ، ومنعت المراسلة مع هدي «17» الحمام، لا بل مع طيف المنام عند الإلمام «18» ، فيسّر الله اقتحامها، وألحمت بيض الشّفار في رؤوس «19» الكفار إلحامها، وأزال «20» بشر السيوف من بين تلك الحروف إقحامها، فانطلق المسرى، واستبشرت القواعد الحسرى، وعدمت بطريقها المخيف مصارع الصّرعى ومثاقف «21» الأسرى، والحمد لله على فتحه الأسنى ومنحه الأسرى، ولا
إله إلّا «1» هو منفّل قيصر وكسرى، وفاتح مغلقاتهما «2» المنيعة قسرا، واستولى الإسلام منها على قرار جنّات، وأمّ بنات، وقاعدة حصون، وشجرة غصون، طهّرت «3» مساجدها المغتصبة المكرهة «4» ، وفجع فيها «5» الفيل الأفيل وأبرهة «6» ، وانطلقت بذكر الله الألسنة المدرهة «7» ، وفاز بسبق ميدانها الجياد «8» الفرهة. هذا وطاغية الرّوم على توفّر جموعه، وهول مرئيه ومسموعه، قريب جواره، بحيث يتّصل خواره، [وقد حرّك إليها الحنين حواره.] «9» ثم نازل المسلمون بعدها شجا الإسلام الذي أعيا النّطاسيّ علاجه، وكرك «10» هذا القطر الذي لا تطاول «11» أعلامه ولا تصاول «12» أعلاجه، وركاب الغارات التي تطوي المراحل إلى مكايدة المسلمين طيّ البرود، وجحر الحيّات التي لا تخلع على اختلاف الفصول جلود الزرود، ومنغّص الورود في العذب المورود «13» ، ومقضّ المضاجع، وحلم الهاجع، ومجهّز الخطب الفاجىء الفاجع، ومستدرك فاتكة الراجع، قبل هبوب الطائر السّاجع، حصن آشر «14» ، حماه الله دعاء لا خبرا، كما جعله للمتفكرين في قدرته معتبرا، فأحاطوا به إحاطة القلادة بالجيد، وأذلّوا عزّته بعزّة ذي العرش المجيد، وحفّت به الرايات يسمها وسمك، ويلوح في صفحاتها اسم الله تعالى واسمك، فلا ترى إلّا نفوسا تتزاحم على موارد «15» الشهادة أسرابها، وليوثا يصدق طعانها في الله وضرابها «16» ، وأرسل الله عليها رجزا إسرائيليا من جراد السّهام، تشذّ آيته «17» عن الأفهام، وسدّد إلى الجبل النفوس القابلة للإلهام، من بعد الاستغلاق والاستبهام،