بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 476

إله إلّا «1» هو منفّل قيصر وكسرى، وفاتح مغلقاتهما «2» المنيعة قسرا، واستولى الإسلام منها على قرار جنّات، وأمّ بنات، وقاعدة حصون، وشجرة غصون، طهّرت «3» مساجدها المغتصبة المكرهة «4» ، وفجع فيها «5» الفيل الأفيل وأبرهة «6» ، وانطلقت بذكر الله الألسنة المدرهة «7» ، وفاز بسبق ميدانها الجياد «8» الفرهة. هذا وطاغية الرّوم على توفّر جموعه، وهول مرئيه ومسموعه، قريب جواره، بحيث يتّصل خواره، [وقد حرّك إليها الحنين حواره.] «9» ثم نازل المسلمون بعدها شجا الإسلام الذي أعيا النّطاسيّ علاجه، وكرك «10» هذا القطر الذي لا تطاول «11» أعلامه ولا تصاول «12» أعلاجه، وركاب الغارات التي تطوي المراحل إلى مكايدة المسلمين طيّ البرود، وجحر الحيّات التي لا تخلع على اختلاف الفصول جلود الزرود، ومنغّص الورود في العذب المورود «13» ، ومقضّ المضاجع، وحلم الهاجع، ومجهّز الخطب الفاجىء الفاجع، ومستدرك فاتكة الراجع، قبل هبوب الطائر السّاجع، حصن آشر «14» ، حماه الله دعاء لا خبرا، كما جعله للمتفكرين في قدرته معتبرا، فأحاطوا به إحاطة القلادة بالجيد، وأذلّوا عزّته بعزّة ذي العرش المجيد، وحفّت به الرايات يسمها وسمك، ويلوح في صفحاتها اسم الله تعالى واسمك، فلا ترى إلّا نفوسا تتزاحم على موارد «15» الشهادة أسرابها، وليوثا يصدق طعانها في الله وضرابها «16» ، وأرسل الله عليها رجزا إسرائيليا من جراد السّهام، تشذّ آيته «17» عن الأفهام، وسدّد إلى الجبل النفوس القابلة للإلهام، من بعد الاستغلاق والاستبهام،


صفحه 477

وقد عبثت جوارح صخوره في قنائص الهام، وأعيا صعبه على الجيش اللهام، فأخذ مسائغه «1» النّقض والنّقب «2» ، ورغا فوق أهله السّقب «3» ، ونصبت المعارج والمراقي، وقرعت «4» المناكب والتّراقي، واغتنم الصّادقون من «5» الله الحظّ الباقي، وقال الشهيد المسابق «6» : يا فوز استباقي، ودخل البلد فالتحم «7» السّيف، واستلب البحت والزّيف، ثم استخلصت القصبة فعلت أعلامك في أبراجها المشيّدة، وظفر ناشد دينك منها بالنّشيدة «8» ، وشكر الله في قصدها مساعي النصائح الرّشيدة، وعمل ما يرضيك يا رسول الله في سدّ ثلمها، وصون مستلمها، ومداواة ألمها، حرصا على الاقتداء في مثلها بأعمالك، والاهتداء بمشكاة كمالك، ورتّب فيها الحماة تشجي العدو، وتواصل «9» في مرضاة الله تعالى ومرضاتك الرّواح والغدوّ «10» . ثم كان الغزو إلى مدينة أطريرة «11» ، بنت حاضرة الكفر إشبيلية، التي أظلّتها بالجناح السّاتر، وأنامتها «12» في ضمان الأمان للحسام الباتر، وقد وتر الإسلام من «13» هذه المومسة «14» البائسة بوتر الواتر، وأحفظ منها بأذى «15» الوقاح المهاتر، لما جرّته على أسراه «16» من عمل الخاتل الخاتر، حسب المنقول لا بل المتواتر، فطوى إليها المسلمون المدى النازح، ولم تشك المطيّ الروازح «17» ، وصدق في «18» الجدّ جدّها المازح، وخفقت فوق أوكارها أجحنة الأعلام، وغشيتها «19» أفواج الملائكة الموسومة «20» وظلال «21» الغمام، وصابت من السهام


صفحه 478

ودق الرّهام «1» ، وكاد يكفي السماء «2» على الأرض ارتجاج أطوادها «3» بكلمة الإسلام، وقد صمّ خاطب عروس الشهادة عن الملام، وسمح بالعزيز المصون مبايع «4» الملك العلّام، وتكلّم لسان الحديد الصّامت وصمت إلّا بذكر الله لسان الكلام، ووفّت «5» الأوتار بالأوتار، ووصل بالخطّيّ «6» ذرع «7» الأبيض البتّار، وسلّطت النار على أربابها، وأذن الله في تبار تلك الأمة وتبابها «8» ، فنزلوا «9» على حكم السيف آلافا، بعد أن أتلفوا بالسلاح إتلافا، واستوعبت «10» المقاتلة أكنافا «11» ، وقرنوا في الجدل «12» أكتافا أكتافا، وحملت العقائل والخرائد، والولدان والولائد، إركابا من فوق الظهور وإردافا، وأقلّت منها أفلاك الحمول بدورا تضيء من ليالي المحاق أسدافا «13» ، وامتلأت الأيدي من المواهب والغنائم، بما لا يصوّره حلم النّائم، وتركت العوافي تتداعى إلى تلك الولائم، وتفتنّ «14» من مطاعمها في الملائم، وشنّت الغارات على حمص «15» فجلّلت خارجها مغارا، وكست كبار الرّوم بها صغارا، وأجحرت أبطالها إجحارا «16» ، واستاقت من النعم ما لا يقبل الحصر استبحارا، ولم يكن إلّا أن عدل القسم، واستقلّ بالقفول «17» العزيز الرّسم، ووضح من التوفيق الوسم، فكانت الحركة إلى قاعدة «18» جيّان قيعة «19» الظلّ الأبرد، ونسيجة المنوال المفرد، وكناس الغيد الخرّد، وكرسيّ الإمارة، وبحر العمارة، ومهوى هوى الغيث الهتون، وحزب التّين والزيتون، حيث خندق الجنّة المعروف «20» تدنو لأهل النار مجانيه، وتشرق بشواطئ الأنهار إشراق الأزهار زهر «21» مبانيه، والقلعة التي تختّمت بنان شرفاتها بخواتم النّجوم،


صفحه 479

وهمت من دون سحابها البيض سحائب الغيث السّجوم، والعقيلة التي أبدى الإسلام يوم طلاقها، وهجوم فراقها، سمة الوجوم لذلك الهجوم فرمتها البلاد المسلمة بأفلاذ أكبادها الوادعة، وأجابت منادي دعوتك الصّادقة الصّادعة، وحبتها «1» بالفادحة الفادعة، فغصّت الرّبى والوهاد بالتّكبير والتّهليل، وتجاوبت الخيل بالصّهيل، وانهالت الجموع المجاهدة في الله تعالى انهيال الكثيب المهيل. وفهمت نفوس «2» العباد المجاهدة في الله حقّ الجهاد معاني التّيسير من ربّها والتّسهيل، وسفرت الرايات عن المرأى الجميل، وأربت المحلّات المسلمة «3» على التأميل. ولمّا صبحتها النواصي «4» المقبلة الغرر، والأعلام المكتتبة الطّرر، برز حاميتها مصحرين «5» ، وللحوزة «6» المستباحة مستنصرين، فكاثرهم «7» من سرعان الأبطال رجل الدّبى «8» ، ونبت «9» الوهاد والرّبى، فأقحموهم من وراء السّور، وأسرعت أقلام الرّماح في بسط عددهم المكسور، وتركت صرعاهم ولائم للنّسور. ثم اقتحموا ربض المدينة الأعظم فافترعوه «10» ، وجدّلوا من دافع عن أسواره وصرعوه، وأكواس «11» الحتوف جرّعوه، ولم يتصل أولى الناس بأخراهم، ويحمد «12» بمخيّم النصر العزيز سراهم، حتى خذل الكفّار «13» الصبر وأسلم الجلد، وأنزل «14» على المسلمين النصر فدخل البلد، وطاح في السيل الجارف الوالد منه «15» والولد، وأتهم «16» المطرف منه «17» والمتلد، فكان هولا بعيد الشّناعة، وبعثا «18» كقيام الساعة، أعجل المجانيق عن الركوع والسجود، والسلالم عن مطاولة النّجود، والأيدي عن ردم الخنادق والأغوار، والأكبش عن مناطحة الأسوار، والنّفوط عن إصعاق الفجّار «19» ، وعمد الحديد، ومعاول «20» البأس


صفحه 480

الشديد، عن نقب الأبراج ونقض الأحجار، فهيلت الكثبان، وأبيد الشّيب والشّبّان، وكسرت الصلبان، وفجع بهدم «1» الكنائس الرّهبان، وأهبطت النّواقيس من مراقيها العالية، وصروحها المتعالية، وخلعت ألسنتها الكاذبة، ونقل ما استطاعته الأيدي المجاذبة «2» ، وعجزت عن الأسلاب ذوات الظّهور، وجلّل الإسلام شعار العزّ «3» والظّهور، بما خلت عن مثله سوالف الدهور «4» ، والأعوام والشهور، وأعرست الشهداء بالحور، ومنّوا «5» النفوس المبيعة من الله بحلّ «6» الصدقات الصّادقة «7» والمهور. ومن بعد ذلك هدم السور، ومحيت من «8» مختطّه «9» المحكم السطور، وكاد يسير ذلك الجبل الذي اقتعدته تلك «10» المدينة ويدكّ ذلك الطّور. ومن بعد ما خرب الوجار، وعقرت «11» الأشجار، عفّر «12» المنار، وسلّطت على بنات التراب والماء «13» النّار، وارتحل عنها المسلمون وقد عمّتها المصائب، وأصمى لبّتها «14» السّهم الصّائب، وظلّلتها «15» القشاعم العصائب، فالذّئاب في الليل البهيم تعسل «16» ، والضّباع من الحدب البعيد تنسل، وقد ضاقت الجدل عن المخانق، وبيع العرض الثمين بالدّانق، وسبكت أسورة الأسوار، وسوّيت الهضاب بالأغوار، واكتسحت الأحواز القاصية سرايا الغوار «17» ، وحجبت بالدخان مطامع الأنوار، وتخلّفت قاعتها عبرة للمعتبرين، وعظة للناظرين، وآية للمستبصرين، ونادى لسان الحميّة، يا لثارات الإسكندرية، فأسمع آذان المقيمين والمسافرين، وأحقّ الله الحقّ بكلماته وقطع دابر الكافرين.


صفحه 481

ثم كانت الحركة إلى أختها الكبرى، ولدتها الحزينة عليها العبرى، مدينة أبدة «1» ، ذات «2» العمران المستبحر، والرّبض الخرق «3» المصحر، والمباني الشّمّ الأنوف، وعقائل المصانع الجمّة الحلي والشّنوف، والغاب «4» الأنوف، وبلد «5» التّجر، والعسكر المجر، وأفق الضّلال الفاجر الكاذب «6» على الله الكذب الفجر، فخذل «7» الله حاميته «8» التي يعيي الحسبان عدّها، وسجر «9» بحورها التي لا يرام مدّها، وحقّت عليها كلمة الله «10» التي لا يستطاع ردّها. فدخلت لأول وهلة، واستوعب جمعها «11» والمنّة لله في نهلة، ولم يك «12» للسيف من عطف «13» عليها ولا مهلة. ولما «14» تناولها العفاء والتّخريب، واستباحها «15» الفتح القريب، وأسند عن عواليها حديث النّصر الحسن القريب «16» ، وأقعدت أبراجها من بعد القيام والانتصاب، وأضرعت مسايفها «17» لهول المصاب، انصرف عنها المسلمون بالفتح الذي عظم صيته، والعزّ الذي سما طرفه واشرأبّ ليته، والعزم «18» الذي حمد مسراه ومبيته، والحمد لله ناظم الأمر وقد رأب شتيته، وجابر الكسر وقد أفات الجبر مفيته. ثم كان الغزو إلى أمّ البلاد، ومثوى الطارف والتّلاد، قرطبة، وما قرطبة «19» ؟ المدينة التي على عمل أهلها في القديم بهذا الإقليم كان العمل، والكرسي الذي بعصاه «20» رعي الهمل، والمصر الذي له في خطّة المعمور النّاقة والجمل، والأفق الذي هو لشمس الخلافة العبشميّة «21» الحمل، فخيّم الإسلام بعقوتها «22» المستباحة، وأجاز نهرها


صفحه 482

المعيي على السّباحة، وعمّ دوحها الأشب «1» بوارا، وأدار الكماة «2» بسورها سوارا، وأخذ «3» بمخنّقها حصارا، وأعمل النّصر «4» بشجر نصلها اجتناء ما شاء واهتصارا، وجدّل من أبطالها من لم يرض انجحارا «5» ، فأعمل إلى المسلمين إصحارا «6» ، حتى فرع «7» بعض جهاتها غلابا جهارا، ورفعت الأعلام إعلاما بعزّ الإسلام وإظهارا، فلولا استهلال الغوادي، وإن أتى الوادي، لأفضت إلى فتح «8» الفتوح تلك المبادي، ولقضى تفثه «9» العاكف والبادي، فاقتضى الرأي- ولذنب الزّمان «10» في اغتصاب الكفر إيّاها متاب، تعمل ببشراه بفضل الله «11» أقتاد وأقتاب، ولكلّ أجل كتاب- أن يراض صعبها حتى يعود ذلولا، وتعفّى معاهدها الآهلة فتترك طلولا. فإذا فجع الله بمارج النار طوائفها المارجة، وأباد بخارجها «12» الطائرة والدّراجة، خطب السيف منها أمّ خارجة «13» . فعند ذلك أطلقنا بها ألسنة النار ومفارق الهضاب بالهشيم «14» قد شابت، والغلّات المستغلّة «15» قد دعاها «16» القصل «17» فما ارتابت، وكأنّ صحيفة نهرها لما أضرمت النار حفافي «18» ظهرها ذابت، وحيّته «19» فرّت أمام الحريق فانسابت، وتخلّفت لغمائم الدّخان عمائم تلويها برءوس الجبال أيدي الرياح، وتنشرها «20» بعد الرّكود أيدي الاجتياح. وأغريت «21» بأقطارها الشاسعة، وجهاتها


صفحه 483

الواسعة، جنود الجوع، وتوعّدت بالرجوع، فسلب «1» أهلها لتوقع الهجوم منزور الهجوع، فأعلامها خاشعة خاضعة، وولدانها لثديّ البؤس راضعة، والله سبحانه يوفد بخبر فتحها القريب ركاب البشرى، وينشر رحمته قبلنا نشرا. [ولهذا العهد يا رسول الله صلّى الله عليك، وبلّغ وسيلتي إليك، بلغ «2» عن هذا القطر المرتدي بجاهك الذي لا يذلّ من ادّرعه، ولا يضلّ بالسبيل «3» الذي يشرعه، إلى أن لاطفنا ملك الروم بأربعة من البلاد كان الكفر قد اغتصبها، ورفع التّماثيل ببيوت الله ونصبها، فانجاب عنها بنورك الحلك، ودار بإدالتها إلى دعوتك الفلك، وعاد إلى مكاتبها القرآن الذي نزل به على قلبك الملك] «4» . ثم «5» تنوعت يا رسول الله لهذا العهد أحوال العدوّ تنوّعا يوهم إفاقته من الغمرة «6» ، وكادت فتنته تؤذن بخمود الجمرة، وتوقّع الواقع، وحذر ذلك السمّ الناقع، وخيف الخرق الذي يحار فيه الرّاقع، فتعرّفنا عوائد الله سبحانه ببركة هدايتك، وموصول عنايتك، فأنزل النصر والسّكينة، ومكّن العقائد المكينة، فثابت «7» العزائم وهبّت، واطّردت «8» عوائد الإقدام واستتبّت، وما راع العدوّ إلّا خيل الله تجوس خلاله، وشمس الحقّ تقلّص «9» ظلاله، وهداك الذي هديت «10» يدحض ضلاله.
ونازلنا حصني قنبيل والحوائر «11» ، وهما معقلان متجاوران يتناجى منهما السّاكن سرارا، وقد اتّخذا بين النّجوم قرارا، وفصل بينهما حسام النهر يروق غرارا، والتفّ معصمه في حلّة العصب «12» وقد جعل الجسر سوارا، فخذل الصّليب بذلك الثغر من تولّاه، وارتفعت أعلام الإسلام بأعلاه، وتبرّجت عروس الفتح المبين بمجلاه، والحمد لله على ما أولاه. ثم تحرّكنا على تفيئة «13» تعدّي ثغر الموسطة على عدوّه المساور في المضاجع، ومصبحه بالفاجىء الفاجع، فنازلنا حصن روطة الآخذ